غزة ـ «القدس العربي»: «إلى خفر السواحل الإيطالية، أنا أقود مركبا متواجدا الآن في مياهكم الإقليمية وعلى متنه ركاب لا يحملون أوراق دخول رسمية مهاجرين غير شرعيين» الجهة المطلوبة ترد «حدد مكانك، وكم عدد أفراد المركب، هل بينهم أطفال أو مرضى أو مصابون؟»، بعد ذلك يتصل الصليب الأحمر للسؤال عن الركاب، قبل أن يتنفس المهاجرون الصعداء برؤيتهم فرق إنقاذ بحرية تقل مسعفين أيضا تقترب منهم لنقلهم في مراكب آمنة إلى شواطئ أكثر أمنا من رحلة الموت، عايشوا خلالها مهربين كانوا من المحتمل أن يخلوا بهم ويتركوهم يلاقون حتفهم في البحر.
هذا هو الحال بالنسبة لمن كتبت له النجاة والوصول من سكان قطاع غزة المحاصر من كل جهة من آلات عسكرية إسرائيلية لا تنقطع عن مهاجمة سكانه في حروب دامية، إلى أولى خطوات اللجوء في دول القارة الأوروبية، بأن حطت أقدامهم أراضي إيطاليا، منطقة الإنطلاق لدول أكثر غنى مثل النروج والسويد وبلجيكا، ليبدأ من هناك رحلة جديدة يبحث فيها عن جواز سفر غربي عله يقيه من شر الحروب والحصار. ففي حرب إسرائيل الأخيرة، سمحت إسرائيل ومصر بخروج حاملي الجوازات الأجنبية من القطاع، دون سكانه الذين واجهوا على مدار 50 يوما، شتى أنواع العذاب والموت والقتل.
لكن قبل الوصول الى هناك، يكون هؤلاء وغيرهم من تعثرت رحلاتهم عمدا بفعل المهربين، أو بسبب الأحوال الجوية، ليصبحوا ولائم لأسماك البحر، قد مروا بعدة مراحــل، تفوق كل واحدة سابقتها بالكثير من المرارة والألم.
ففي المحطة قبل الأخيرة التي ينطلق بها مركب صيد صغير يسمونه «لنش» غير مجهز في الأصل لنقل الركاب، يقل على متنه أشخاص كثيرين من أحد المناطق في مدينة الإسكندرية المصرية، بعد أن يقل الركاب بزوارق مطاطية لهذا «اللنش» ليبدأ رحلة مدتها أربعة أيام بلياليها يمخر في البحر الكبير، تجاه شواطئ القارة العجوز.
روايات كثيرة سمعتها «القدس العربي» من أشخاص وصلوا فعلا إلى إيطاليا وانتقلوا منها إلى أحدى الدول الأسكندنافية، وآخرون ما زالوا في غزة، وبعضهم وصل مصر، في طريقه للهجرة قبل أن تجمع المعلومات، لتكتب بالتفاصيل «رحلة الخوف إلى بر الأمان» كما يرى المهاجرون.
لا أحد منهم يفكر بما يمكن أن يصيبه في البحر، يقول أحدهم وهو شاب في الثلاثينيات وترك أسرته في غزة، على أمل أن يتمكن من تجهيز أوراق رسمية لزوجته بعد حصوله على الهجرة للإلتحاق به، فهذا الشاب قال لو فكرت بما واجهته من مصاعب، لم يكن يخطر في بالي الخروج من غزة، فهو في سعادة غامرة الآن مع وصوله أوروبا، رغم أنه موجود في أحد مخيمات الإيواء، ويحتاج لنحو عامين قبل البت بأمره من قبل السلطات.
وبالعودة إلى محطة الإنطلاق في البحر، ذات الأربعة أيام ولياليهن، لا يعد الركاب الساعات هناك لتمضي، بقدر ما ينظرون إلى غياب الشمس منذ لحظة إشراقها لتحل حلكة الليل، ووقتها يبدأون بترقب بزوغ شمس النهار، التي لا يكادون في أيام رحلة العذاب يرون غيرها في البحر الكبير، على أمل قطع مسافات الزمن كلها للإنتهاء من رحلة مليئة بالمصاعب والمتاعب، بين يدي مهربين تجار لا يعرفون سوى لغة جمع المال حتى لو كان على حساب أرواح الناس.
فالأمر تعزز مع تأكيد الروايات على تورط المهربين في إغراق مركب يقل نحو 500 راكب قبل أسبوع ، أكثر من نصفهم فلسطينيون، بعد أن اعتدوا عليهم بالضرب.
ومع انقضاء الأيام الأربعة التي تحتاجها هذه القوارب البطيئة في الوصول إلى شواطئ إيطاليا، يكون من حالفهم الحظ قد وصلوا إلى المحطة التي ذكرناها، لكن قبل ذلك يكون هؤلاء قد وصلوا إلى أول خطوات الاتفاق على السفر، ونوعية رحلة المغادرة، فالفارون أبلغونا أن هناك رحلات (vip) يستقل فيها الهاربون يخوتا سريعة تقطع المسافة من الإسكندرية إلى إيطاليا في 35 ساعة، لكن تذكرتها وفق شركة التهريب المختصة التي يرأسها شخص يدعى «أبو حمادة» كما ذكرت الروايات، باهظة الثمن ولا يستطيع أي شخص عادي تحملها.
في الإسكندرية التي يصلها الغزيون وغيرهم من الباحثين عن الهجرة، يتجه الجميع إلى «أبو حمادة»، يقوم مساعدوه بالاهتمام في ترتيب مبيتهم ومأكلهم، قبل موعد السفر، بوجود عدد كاف من الأفراد «حمولة الرحلة»، فالمـــهــربون لا يسمحون بانطلاق الرحلة قبل إكتمال العدد.
في هذه الرحلة لا توجد تسعيرة محددة للسفر، فالعائلة تحصل على تذاكر أقل من الشخص الواحد، ومجموعة الأصدقاء كذلك، ويتراوح سعر نقل الفرد الواحد ما بين 1500 دولار و2000 دولار، وبدون ذلك لا يلقي المهربون بالا لمن لا يملك المبلغ ويترك حتى يكمله.
قبل ذلك يكون هؤلاء قد تركوا غزة وعبروا إلى مصر عن طريق الأنفاق الموجودة أسفل الحدود، بدفع مبالغ مالية كبيرة تصل إلى أكثر من 1000 دولار للشخص الواحد، فتوضع أختام غير رسمية على جوازاتهم، ليمروا من منطقة الحدود هذه إلى الإسكندرية.
وفي المحطة الأولى لرحلة الهجرة، يكون المهاجرون قد اتفقوا على أمر الرحلة مع أشخاص معروفين في غزة، يتم من خلالهم ترتيب وقت الخروج وثمن النفق، وقد أعلنت أجهزة الأمن في غزة عن اعتقال عدد منهم بعد حادثة غرق مراكب تقل شبانا وعائلات من غزة، وقضاء عدد كبير منهم غرقا.
وقد اشتهرت عملية الهجرة لأوروبا وقت الحرب الإسرائيلية الأخيرة التي انتهت قبل ثلاثة أسابيع، فخلالها هرب شبان وعائلات بأطفالها بالطريقة السابقة، لكن مخاطر العملية أثيرت في أعقاب غرق المراكب الأسبوع الماضي، ما أدخل قطاع غزة في حالة شديدة من الحزن، خاصة عائلات الشبان المهاجرين الذين ما زال مصيرهم مجهولا، ويعتقد أنهم على الأغلب قضوا غرقا.
الغريب في رحلات الهجرة الجديدة أنها لم تعد تقتصر على الشبان، بل وصلت لحد خروج عائلات بأكملها، كذلك لم تعد مقصورة على عاطلين عن العمل، فكثير من المهاجرين يعملون في وظائف مرموقة، و»القدس العربي» علمت أن بينهم من يعمل في مؤسسات دولية.
حوادث الغرق وسعت من رقعة المواجهة والانتقادات بين الأحزاب السياسية خاصة فتح وحماس، وسلطت الضوء أكثر على واقع غزة المرير، رغم ورود معلومات الى «القدس العربي» تشير إلى أن رحلات الهجرة هذه بدأت بالرواج في الضفة الغربية ايضا، وأن عددا من الشباب خرجوا ووصل بعضهم إلى أوروبا.
أشرف الهور