«الظلم في العالم العربي والطريق إلى العدل» تقرير في غاية الأهمية صدر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية المعروفة باسم (الإسكوا) ومقرها بيروت، في نهاية شهر ديسمبر 2016 ثم وضع على موقع الأمم المتحدة يوم 30 ديسمبر، لكن تم سحبه بعد ساعات.
ولا نشك أن الذي وافق على وضعه على موقع الأمين العام السابق بان كي مون في آخر 24 ساعة له في المنصب، والذي قرر سحبه أو على الأقل نصح بسحبه هو الأمين العام الجديد أنطونيو غوتيريش، كي لا يبدأ دورته الأولى وهو في حالة مواجهة مع إسرائيل ومصر والسعودية والبحرين وعدد آخر من الدول العربية، لأن التقرير يثبت أن الظلم منتشر في طول الوطن العربي وعرضه، مع استثناءات نادرة تثبت القاعدة ولا تنفيها. وعندما تخلت الأمم المتحدة عن تحمل مسؤولية نشر التقرير، بسبب الضغوط السياسية، خاصة من إسرائيل، نشر التقرير تحت أسماء المشاركين في كتابته وهي سابقة لم تحدث في تاريخ الأمم المتحدة.
أنجز التقرير على مدى أكثر من عام تحت إشراف الدكتورة ريما خلف الهنيدي، الأمينة التنفيذية للإسكوا، وشارك في كتابته عدد كبير من الكتاب والعلماء والأساتذة المتخصصين، من بينهم فهمي هويدي ورغيد الصلح وشفيق الغبرا ورضوان السيد ومحمد المرزوقي ومحمد المسفر وحازم حسني وهيثم مناع وكلوفيس مقصود وهيفاء زنكنة ومها الخطيب وراجية عمران، التي احتجزت في مطار القاهرة قبل صدور التقرير، وصودرت منها إحدى النسخ الأولية للتقرير، وحسام بهجت الذي منع من السفر في مطار القاهرة حين كان ذاهبا لحضور المؤتمر الشبابي على هامش التقرير في عمان في مارس 2016.
يتكون التقرير من ثمانية فصول وتمهيد وملحقات وهوامش عديدة، لتصل صفحاته إلى 324 صفحة. وقد خصص الفصل الرابع لإسرائيل والفلسطينيين بينما يضم الفصل الثامن البيان الختامي الذي كتبته مجموعة من الناشطين من العالم العربي، وآثرت الإسكوا ألا تضع أسماءهم عليه حماية لهم من بطش الأنظمة العربية.
تقارير التنمية الإنسانية في العالم العربي
وكي أضع التقرير في إطاره الصحيح قبل أن أسلط الضوء على مضمونه، أود أن أذكر القراء الكرام، أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بدأ يصدر تقارير دورية حول التنمية الإنسانية في العالم عام 1990 بهدف التركيز على تطوير القوى البشرية نفسها بدل الاهتمام بالبنى التحتية. وعندما عينت الدكتورة ريما خلف الهنيدي لرئاسة المكتب العربي التابع للبرنامج في نيويورك عام 2000 رأت أن تقرير التنمية الإنسانية في العالم، لا يخاطب خصوصيات العالم العربي، لأنه استثناء للقاعدة وما ينطبق على الكثير من الدول لا ينطبق عليه للعديد من الأسباب، أهمها وفرة الموارد من جهة وتفشي الفقر من جهة أخرى، ثم إن المصدر الرئيس للمداخيل، هو النفط. وثالثا أن العالم العربي المنطقة الوحيدة التي تخضع أراض منه للاحتلال الأجنبي والتدخلات العسكرية. ونقطة رابعة أن نظمة الحكم في العالم العربي تكاد إلى حد كبير تتشابه في كونها غير منتخبة.
أنظمة الحكم في العالم العربي تكاد تتشابه في كونها غير منتخبة ولا تمثل إرادة شعوبها حتى لو ادعت ذلك.
نشر أول تقرير عن التنمية الإنسانية في العالم العربي عام 2002 وكان عاما وشاملا ولخص أسباب التخلف في ثلاث نواقص أساسية: نقص في المعرفة ونقص في تمكين المرأة ونقص في الحريات. وكانت هذه النواقص الثلاث موضوع تقارير في الأعوام 2003 و2004 و2006. وللعلم فقد لعب المرحوم الدكتور كلوفيس مقصود دورا محوريا في كافة التقارير، بما فيها موضوع المقال حيث وافته المنية قبل إنجازه.
صدرت بعدها عدة تقارير مهمة، من بينها واحد حول الأمن القومي، وآخر حول دور الشباب في التنمية، وتقرير آخر حول التكامل العربي. وهذه المرة جاء تقرير الظلم في العالم العربي والطريق إلى العدل ليكسر كل الحواجز ويبتعد عن المداراة وإخفاء الأسماء ومدارة الدول ويضع إصبعه على موقع الألم، وإذا بالصراخ ينطلق من معظم الدول العربية وإسرائيل لإجهاض التقرير وتدميره وإعدامه قبل أن يرى النور.
تكمن أهمية التقرير، لا في محتواه وحسب، ولكن لكونه صادرا عن هيئة دولية رسمية، هي الإسكوا، ويتضمن بعض المصطلحات التي لم تستخدم من قبل في إصداراتها:
– خصص التقرير فصلا كاملا عن الآثار السلبية لقيام دولة إسرائيل والحروب التي شنتها والدمار الذي ألحقته بالفلسطينيين، خاصة تشريدهم إلى لاجئين بما يشبه التطهير العرقي، بل وصف التقرير إسرائيل بدولة الأبارتهايد، ونقد فكرة الدولة اليهودية، والحديث عن الظلم الواقع على الفلسطينيين منذ نكبة عام 1948 وليس ابتداء من عام 1967 فحسب. وتحدث التقريرعن التمييز الذي يلحق بالفلسطينيين داخل إسرائيل والقوانين العنصرية التي تزيد عن 40 قانونا يستهدفهم لكونهم ليسوا يهودا.
– يصف ما حدث في مصر بالانقلاب وهذا الموقف لا تتبناه الأمم المتحدة رسميا، كما أشار إلى عدد ضحايا مذبحة ميدان رابعة، كما وردت في الأرقام الرسمية أو غير الرسمية المعتمدة من مجلس حقوق الإنسان القومي المصري.
– حمّل النظام السوري وحده المسؤولية الكاملة عن القتل والخراب الذي حل بسورية.
– دول مثل الامارات والبحرين تجرد مواطنيها من جنسياتهم في مخالفة للاعلان العالمي لحقوق الانسان.
– المنطقة العربية تضم أكبر عدد من اللاجئين في العالم.
– النخب الحليفة للقوى الاستعمارية قمعت الشعوب خوفاً من النزعات الاستقلالية.
– تحدث التقرير عن التمييز الممنهج ضد الشيعة في السعودية والبحرين وعرب «البدون» في الكويت، والأكراد فاقدي الجنسية لغاية 2011 في سوريا، واستبدال التمييز ضد الشيعة والأكراد في العراق في عهد النظام السابق بالتمييز ضد سنة العراق بعد الاحتلال الأمريكي.
– مورست الضغوط ليس من قبل إسرائيل فحسب، بل ومن دول عربية أخرى من بينها مصر والسعودية والبحرين.
تكمن أهمية التقرير كذلك في البحث عن اسباب التخلف في العالم العربي وانتشار الخراب الشامل. فيتفق الباحثون على أن جوهر المشكلة يكمن في الظلم أولا. والظلم يقع على الأفراد والنخب والشعوب ويمارسه الحكام وأدواتهم القمعية، بالإضافة إلى قوى أجنبية تعودت على أن تستبيح المنطقة بلا رادع، حيث أنتج هذا الظلم المزدوج مجموعات ظلامية إجرامية ما كان يمكن أن تنشأ لولا انتشار الظلم واستفحاله.
لا يستطيع مقال مهما طال أن يفي هذا التقرير المهم حقه. ولكن لضيق المساحة أود أن أراجع بعض الحلول التي يقترحها التقرير، إذ إنه يحذر من موجة عنف مقبلة أكثر دموية وشمولا إذا استمرت حالات القمع والظلم:
* يعتقد كتاب التقرير جازمين ألا خروج من الأزمة الوجودية التي يعيشها العالم العربي إلا بدرء الظلم واجتثاثه من الجذور.
* يجب وأد الفتنة الطائفية من جذورها التي باتت تهدد وجوديا العالم العربي برمته.
* يجب التوصل بين النخب الحاكمة والشعوب المقهورة إلى عقد اجتماعي جديد يحقق أكبر قدر من العدل لكافة المواطنين، دون الالتفات إلى الجنس أو الدين أو العرق أو الموقع الاجتماعي.
* غالبية الدول العربية مبتلاة بالفساد والاستبداد، وكلاهما يغذي الآخر على حساب الصالح العام وهذا الداء يجب أن ينتهي.
* النخب العربية الحاكمة قلقة جدا بسبب غياب الشرعية التي تستند إليها في أنظمة الحكم وهذا يدفعها إلى المبالغة في القمع وتضييق مساحة الحريات العامة.
* يجب القيام وبسرعة بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية. ويجب كذلك إقامة علاقات جيدة مع دول الجوار والتكتلات الإقليمية.
ويرى التقرير في النهاية أن تحقيق الاستقرار ممكن رغم صعوبته ولكنه يتطلب تغييرا جذريا في البنية السياسية والاقتصادية والعمل مجتمعين على إنهاء الحروب الأهلية وبناء أوطان تساوي بين جميع مواطنيها، دون تمييز قائم على الدين أو العرق أو الجنس.
*ملاحظة: كتب معظم هذا المقال بعيد ظهور تقرير الإسكوا لكن حوادث طارئة ومستجدات في الساحتين العربية والدولية أخرت نشره علما بأن موضوعه ليس محصورا بزمن.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي
د. عبد الحميد صيام