تمكين للفوضى وتأزيم الوضع وانتعاش فرص التطرف مأساة الليبيين

حجم الخط
1

حال من الفوضى والتعتيم، فتحار الكلمات وتتلعثم في وصفها، إنها الحالة الليبية الآن، أهي حرب باردة أم أهلية أم حرب أوارها متأججة. فأنت اليوم تشاهد فيلم رعب تتشعب فيه المشاهد بإخراج محكم، تعهدت به قوى دانية وقصية لشعب لا يصل الستة ملايين نسمة، بفعل الحروب التي خاضتها ليبيا في كل من تشاد وأوغندا في عهد الرئيس السابق معمر القذافي، ناهيك عن جرائم القتل في ذلك العهد، ويتصاعد ذلك العدد في الحرب التي كانت تدور بينه وبين ثوار 17 فبراير فتقضي عليه، كما أُعتقد، وعلى نظامه الذي لا يزال قائما ويعمل جاهدا لتلقف الحكم من جديد، وما نجم عن تلك الحرب التي دمرت مقدرات الشعب الليبي وإمكاناته، من نفط، وترسانة كلفت ميزانية باهظة لم يُنفق جزء منها أقله على إعادة ترميم البنية التحتية. حرب وفرت ساحة لكل مفترس ووطدتها، فتزداد أعداد القتلى وحوادث الخطف والاعتداءات والتمثيل بالجثث وحرقها، حتى أن البعض منها تقتات عليه الكلاب الضالة وهو ملقى في القمامة.
وما تشهده ليبيا الآن من احتراب بين فصائل مسلحة واستقطاب بين قوى سياسية هو الأخطر اليوم، وكخيبات الأمل التي نشهدها في تجاوز الارتباك والتعثر، الذي واجه اللجان السابقة بأطرافها العربية والأوروبية في بحثها عن مخرج للأزمة الليبية واحتواء الانقسامات السياسية. وحتى على الصعيد الداخلي عندما حانت بارقة أمل للمصالحة وحلحلة الأمور، إثر لقاءين للقائد الأعلى للقوات المسلحة الليبية خليفة حفتر ورئيس المجلس الأعلى فائز السراج، لكنها ما فتئت أن خبت، بانقضاض القوة الثالثة من ميليشيات مصراتة على أفراد من الجيش وبعض المدنيين في مطار براك الشاطئ في الجنوب وقتلهم، لتكريس التشظي والانقسامات وتصعيد وتيرتها.
كل ذلك تمخض عن أن العقيد لم يكلف خاطره ويتنازل فيخاطب الثورة بسلميتها وهي في بداياتها، فهو بدل الإنصات لمطالبها وأخذها مأخذ الجد وعقد مصالحة بينه وبين شعبه ليراجع إثرها سياساته تجاهه وما لحق به من ظلم واضطهاد، فيقوم ببعض الإصلاحات، وينقذ ما يمكن إنقاذه، ويؤسس لنظام جديد، فيتدارك أخطاءه ويتلافى ما قد ينجم عن الثورة من سلبيات، لأن المتربصين بها كثر. بدل ذلك كله أشعل فتيل الحرب بعد أن أفرز كبرا وعنجهية وصلفا، عهدناها كثيرا، وذلك بكلمة تحتمل عدة أوجه، منها الاستخفاف بشعبه، كذا اندهاشه من تلك المظاهرات لأنه لم يكن ليسمح بذلك، عدا المسيرات التي يرتب لها وتحشدها زبانيته لتأييده، والويل كل الويل لمن لا يشارك فيها إذ قطع معاشه وتعرضه للمساءلة أقل عقاب، كلمة (من أنتم؟!) التي ذيّلها بوصفهم جرذان. ووجه كل إمكانياته وآلته الحربية ضد شعبه، مهددا بسحق مدينة بنغازي من على وجه الأرض. مما أشعل فتيل الحرب بينه وبين الثوار، وكان أن تمكنت بعض التيارات الإسلامية المتطرفة، الواردة من كل حدب وصوب من اقتناص الفرصة بأجندتها المعروفة، لتتسرب إلى صفوف أولئك الثوار وتتوغل بينها. مما سهل الالتفاف على الثورة واختطاف بريقها عبر تمكن الإسلام المتطرف، الذي، تتمثل بعض مشاهده في أناس يتلفعون بعباءة الدين وبمزايدات عهدناها، تخال على ذوي الغفلة. وكلما تمتلئ جيوبهم كلما أمعنوا في إيجاد أسباب للفوضى وللقبض أكثر كما القبض على أرواح الناس الذين كانوا لا يفقهون إلا إسلاما بسيطا لا يشوبه تعقيد ولا تسييس، فكل الناس سنة ويتعايشون في المجمل بروح المحبة والتآزر، تلك الروح التي حاول طمسها الأخ العقيد لتوفر له عوامل تفرقة ساهمت بشكل أو آخر في تشتيت ذلك الشعب، ولتطيل في أمد حكمه المستبد، ذلك التجذير الذي سهر عليه ودعمته بعدما تلقفته تلك الجماعات الإرهابية التي رأت فيه من فوائد جمة لتستفرد بتلك النماذج السهل استقطابها، إذ لا يجدون معاناة في اللعب بعقولها وجعلها أداة لمشروعهم الممول من قبل أمريكا والغرب وطفلتهما المدللة إسرائيل.
بلد يفتقر إلى خدمات مؤسساتية لأن العقيد يجانب المأسسة بما تجلبه من محاسبة مسؤولين إلى ما ذلك. وعلى رأسها غياب دستور يُحتكم إليه ويضمن حقوق أفراده المنضوين تحت رايته فتعم الفوضى بقرارات عشوائية حسب ما تقتضيه حاجته الآنية وحسب مزاج العقيد أو حتى رعونته، تناقضها قرارات أخرى بعد أن يُخضِع لها مواطنيه، الذين لم تتأتَّ لهم فرص الاقتراع ليقرروا من يحكمهم، فهو قد جاءهم على ظهر دبابة وأتخمهم بشعارات (تلك العلكة التي يلوكها بعض من حكامنا أبرزها الوحدة العربية وأول مشاريعها مناصرة القضية الفلسطينية والتي استفاد من جرائها الكثير وساهم في مد عمر القضية حتى أنها بلغت السبعين عاما) تأخذ الألباب صدّقها البعض وامتصها البعض، فتحلقوا حوله من الداخل ونال إعجاب بعض العرب، لأنه الحاكم العربي الوحيد بعد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي كان يلقي تصريحات نارية تهيج مشاعر الوطنية وتحيي أملهم في أمة عربية واحدة وتهاجم أمريكا والغرب ولعلها تقيلهم من عثرات بعض ملوكنا ورؤسائنا الذين تمترسوا في خندق ذلك الغرب وتواتروا عليه وأغدقوا عليه من الحنو والطاعة يخجل لها ذلك التاريخ العتيد الذي كتب بدماء الأحرار، وقام بتشويهه من يتشبثون بكراسيهم ويهيئونها لأبنائهم حتى يكملوا المشوار الذي خُطط له بعناية.
وليسدر في غيه نراه يمنع الأحزاب، حتى لا يعلو صوت على صوته ولا تكون تلك الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني عقبة في وجه ما ينسجه من قرارات تمرر عبر «مؤتمر الشعب العام» بدل البرلمان، الذي كان قائما في عهد الملك إدريس السنوسي، وكان ذلك المؤتمر أحد اختراعات العقيد وضحكه على عقول الناس وبمقولاته في كتابه الأخضر بإيحائه لهم في مقولته «الشعب يحكم نفسه بنفسه»، وهو الذي ألجمه نفسُه، فهو عندما تلقى على أحدهم أية تهمة جزافا بفبركة محكمة، يحكم عليه بعقوبات تصل الإعدام أحيانا دون حتى محاكمة.وبعد التراجع في زخم الثورة الليبية جرَّاء تلك التجاذبات السياسية ما بين مؤيد للبرلمان والجيش التابع له، ومتحفظ أو محايد وما بين حكومات طرابلس، والتدهور الخطير في الوضع الأمني والإنساني بسبب استفحال الأزمة الاقتصادية في بلد يعوم بأجود أنواع النفط وحباه الله بنعم كثيرة لم يتأت له منها ما يقيم وأده، فيباع بأرخص الأثمان لدول تتهافت عليه فتؤسس لتلك الفوضى على قدم وساق وتعمقها. الآن يمتد الطمع حتى في رمال شواطئه لتباع هي الأخرى بسعر زهيد، وترتفع الأسعار لتصل إلى أعلى مستوياتها والمواطن لا يملك قوت يومه والمصارف بسبب النقص الشديد في السيولة، تقفل في وجهه حينما يملك لأنه لا يسمح له إلا بسحب مبلغ بسيط. فالخزينة فارغة بفعل أكثر من فاعل، أو بعدم إيداع رجال الأعمال أموالهم في تلك المصارف، لعدم ثقتهم ببعض عناصرها، التي تحتال وتبلغ بعض الخاطفين بأرصدتهم مما يعرضهم للخطف وطلب مبالغ باهظة لتحريرهم ويكون مآلهم القتل حين عدم توفرها.
وحينما يتأتى لهذا البلد، الذي تغول عليه كثر، صحوة تحاول أن تسلك طريقها لتترجم إلى عمل جاد تصطدم بمحاذير وعوائق لتفشل كل محاولة لرأب الصدع لإنقاذ البلد والعبور به إلى شاطئ الأمان، أو تقديم عمل مثمر له، إلا أنه بفعل التدخلات الإقليمية والدولية التي اعتمدت في جلها على تناقضات الفرقاء الليبيين، أطالت أسبابها ولم تجد من يقطع عليها الطريق. وبالتالي تطول فترة وضع اليد على ثروات البلد ومقدراته.
كاتبة وإعلامية ليبية

تمكين للفوضى وتأزيم الوضع وانتعاش فرص التطرف مأساة الليبيين

زينب محمود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية