عرقلة التجديد والتهيب من المحاولات الالتفافية

حجم الخط
1

يلف الغموض أحياناً بعض القضايا المطروحة على الساحة، فتقفز من بينها قضية التجديد الديني. إذ تعالت أصوات منذ فترة، تنادي للدفاع عن صورة الإسلام التي تم تشويهها لأغراض شتى منها السياسية والاقتصادية.
وتحث تلك الأصوات على التجديد بأسلوب يجاري روح العصر ولا يتعارض مع فقهه، خاصة بعد إدراك مدى تفاقم خطر تنظيم «الدولة الإسلامية»، وفي الوقت ذاته تحاشي الاصطدام بمتغيرات العصر، إذ الوقوف في وجهها محاولة عبثية لا طائل منها ولا جدوى.غير أن الصورة التي يجب أن يكون عليها هذا التجديد متباينة عند مريديه وغيرهم.
البعض يحاول جاداً الاجتهاد في النصوص الدينية وتقييمها التقييم الصحيح ومحاولة الخروج من الجمود الذي أُطّر له الذين تمادوا في الابتعاد بتلك النصوص عن روح العصر، لتصبح مظهراً وعلامة على تخلفنا وتقهقرنا. فالتيارات المتشددة مثلاً تثير جدلا واسعا حول أي قضية تخص الدين ولاسيما التجديد، وتصبح معول هدم وتضع أمام المجددين العقبات، وتقف منددة بأي محاولة للاضطلاع بهذه العملية فتعرقلها، كما أن بعضهم يقمعها وينال من المنادين بها، وكلما علا سطح الإصلاحات ارتفعت وتيرة التنديد والقمع.
بعض المجددين يتوخى الحذر ويتوجس خيفة من تهم كاستهداف الدين مثلاً بتفريغه من محتواه الحقيقي وتضمينه مفاهيم دخيلة عليه، وعدم الثقة في حياديتهم، خاصة أن البعض خرج من عباءة الدين فيعكف بالفعل على تفريغه واللعب في نصوصه وتحريفها ومحاولة تقويض الأسس التي بني عليها ودس بعض المفاهيم وهم كثر. كما أن بعض المحافظين يتخوف من بعض العلمانيين الذين يرون نجاعة تسيير أمور الدولة بفصل الدين عن السياسة ومزاولته في أماكن العبادة فقط، غير أن بعض العلمانيين وليسوا كلهم يتوق للسلطة، فيروج لذلك أو حتى المطالبة به جهراً بشكل التفافي لأن الدين، حسب رأيهم يقف حجر عثرة أمام تطور المجتمعات ويحجم انطلاق الفكر وتحرره. مقابل ذلك هناك من يريد أن يقفز للسلطة أيضاً وبقوة حتى ينفذ أجندة معينة، فيتمثل هذا الدين بمزايدات كالمظهر الورع والمتاجرة بسيل من الاصطلاحات والمقولات، التي لا يؤمن بها والتي يسخرها للوصولالالال الال البها لللل إلى مآربه فيحقق أغراضاً ومكاسب سياسية تحت غطاء الدين لتسري تلك التمظهرات في شباب الأجيال المسلمة التي نراهن عليها ونعول عليها، بتبنيها طروحات تحت مسميات مختلفة من دون استيعابها وتخضع تلك الأجيال لانعكاساتها السلبية في بيئة حاضنة لتفريخها والسطو على عقولها، ومن دون اكتراث من رجالات الدين وتقوقع القائمين عليه أو ضعف أدائهم. كذلك تراجع دور مثقفينا ومفكرينا لاحتواء هذه الأجيال وإنقاذها وبالتالي مجتمعاتنا مما أصابنا من ويلات، جراء تلك الممارسات والمآرب، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل إلى توريث هموم تلك الطروحات ومآسيها للأجيال القادمة والاصطدام بمحاذير عدة يتعذر اجتيازها والفكاك منها فتؤدي إلى تبني سبل الدفاع عنها بأساليب عنف تحمل طابع الإرهاب، خاصة عندما تتلقفها أيادٍ خفية أو حتى ظاهرة تتربص بهذا الدين وتزاول هيمنة الاستقطاب الحاد فينخرط فيها الشباب الضائع منهم لظروف عدة أبرزها الفقر وبغسيل مخ، ويقع فريسة مشروع استهدافهم، وهذا هو الهدف الاستراتيجي، فتتهيأ الفرص لأصحاب النفوذ وتلك الأجندة ليتبوأ الحكم فوق ظهر دبابة وليس بورقة اقتراع تقود إلى حكم ديمقراطي.
غير أن هذا العقم في التفكير وتطرفه واستهداف العلم والعقل والإطاحة بكل ما من شأنه المساهمة في التحديث وتغليب الفكر التنويري على كل معوقاتنا التي تكبلنا وتؤخر من انطلاقنا نحو مستقبل آمن ومشرف، والاستكانة لسطوة العادات والتقاليد البالية التي اختلطت بالدين من دون عناء لفرزها والتخلص منها، ناهيك عن تلك المحاولات الالتفافية أيضا، جعل من المتعذر سير عملية التجديد في مسارها الصحيح وتباطأت، ولربما توقفت تماماً على أعتاب الصراعات والحساسيات المفرطة وبمساهمة من الغرب فيها، في وقت أصبحت هذه العملية ضرورة ملحة، خاصة ونحن بين مطرقة المغالاة والتطرف في الدين والدفع بنا للتخلف، وسندان ذلك الغرب وأطماعه وتسخير ذلك التطرف الذي تم السهر والانكباب عليه بعناية فائقة لعقود طويلة لنكون المأرب السهل والصيد الثمين في لحظاتنا السانحة وهي كثيرة، وليتم ضربنا في مقتل.
نحن نمر بمرحلة مفصلية على كل الصعد وأوليات المرحلة المقبلة تتطلب مساراً للتجديد والتوافق على حتميته ليبقى مساراً منتجاً لمرحلة جديدة تضطلع به المؤسسات الإسلامية، ولا ننأى بالمفكرين وأصحاب الرأي للمشاركة في هذا المسار. نزع الأقنعة التي يرتديها أولئك وهؤلاء، بالاستفاقة من غيبوبتنا لتقليم طموحاتهم فنضع خطة استراتيجية للتصدي للتحديات التي تفترسنا وإيجاد رؤى مشتركة لمواجهتها، والوسائل الكافية للتغلب عليها بإرادة نزيهة لعقد مؤتمرات وإيجاد صيغ وطرق وحلول عملية، يرفدها تكاثف الجهود المخلصة للحد من الاصطدام بتلك المحاذير التي تكبلنا وتقمع إرادتنا وانطلاقنا، وأن نضع على رأس أولوياتنا كيفية إظهار الصورة الصحيحة للإسلام وروحه السمحة بما يتواءم وروح العصر، ولا تجعلنا مأرباً لكل طامع يتحين بنا الفرص وينوع لنا الأساليب والأعذار لينقض علينا وينزع منا ثرواتنا وأوطاننا وهويتنا من دون عناء، ويعمل جاهداً على اختلاق أزمات لنا تحركها حسابات سياسية واقتصادية.
كاتبة ليبية

عرقلة التجديد والتهيب من المحاولات الالتفافية

زينب محمود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية