القاهرة ـ «القدس العربي» : واصلت الصحف الصادرة أمس تخصيص أوسع مساحاتها، وكذلك فعلت كل القنوات التلفزيونية لنقل وقائع اليوم الثاني والأخير من أعمال المؤتمر الوطني السادس الذي عقده الرئيس السيسي بحضور ثلاثة آلاف مدعو وشارك في الكثير من جلساته وفي حوارات عديدة، وواصل حصد المزيد من الصبر الشعبي رغم استمرار الصراخ والشكوى من ارتفاع الأسعار والخدمات وذلك لاعترافه بأن هناك سلبيات عديدة موجودة يعمل على مواجهتها، وطلبه من الشعب الصبر على إجراءات الإصلاح الاقتصادي، ووعده بحلها بعد عامين ونصف من الآن ولأنه، كما نبهنا مئات المرات إلى أن من هم خارج مصر ويتوهمون حدوث ثورة أو اضطرابات اجتماعية يعيشون في أوهام، واعتمادا على ما تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي الفاقدة لأي تأثير يمكن أن يدفع إلى عمل سياسي لعدم وجود بيئة شعبية يمكن أن تشجع على ذلك بل وحتى العمل السياسي السلمي والقانوني والذي يكفله الدستور رغم وجود أكثر من مئة حزب سياسي رسمي لا يحس بها الناس ولا يعرفون أسماءها باستثناء حزب الوفد.
وحتى الوفد فلا وجود له أو حركة في الشارع وإنْ حدثت فداخل مقره الرئيسي في القاهرة لا مقراته في المحافظات أو خارجها، وحتى مؤتمرات الشباب والبرنامج الرئاسي المستمر من سنوات لإعداد مئات الألوف من الشباب فتقديري الشخصي أنه لن ينجح في إعداد جيل سياسي إنما جيل يكون مهيئا لتولي وظائف يحققون بها طفرة في أداء الجهاز الحكومي لأن العمل السياسي لإعداد قيادات أو شباب سياسي أمر مختلف تماما قائم على خلافات بين المذاهب السياسية، هذا اشتراكي وذاك وسط وذلك يميني وعلى يسار ويمين كل اتجاه اتجاهات أخرى.
المهم إن ما لفت الانتباه إلى كلام الرئيس في اليوم الأول رده على سؤال حول كيفية تعليم الأبناء الانتماء للوطن إذ شن هجوما غير مباشر على انتشار الجامعات والمدارس الأجنبية التي تعلم طلبتها عدم الإحساس بالوطن، وملاحظته صحيحة تماما وتعني اتجاه الدولة لتقييد هذه الجامعات والمدارس الخاصة بتوسعها في إنشاء المدارس التجريبية وتطوير التعليم الابتدائي والثانوي الحكومي واتفاق الجامعات المصرية الحكومية مع أعرق الجامعات الأوروبية على فتح فروع لها في مصر كما حدث مع جامعة ليفربول وإنشاء الجيش كلية الطب.
ولوحظ أيضا أن الرئيس انتقد ما تبثه القنوات من برامج لا تتفق مع قيمنا وعاداتنا وقال: إذا أردنا أن نتدخل يقولون لنا الإبداع وتسأل وبعدين؟ أيضا لفت الاهتمام بقوله إن برنامجه للقضاء على قوائم انتظار الحالات الحرجة في ظرف ستة أشهر وعلاج غير القادرين على نفقة الدولة يكلف الميزانية مئة ألف جنية لعلاج كل حالة.
ومثلما اهتمت الصحف بأعمال المؤتمر الوطني ومداخلات وكلمات الرئيس فكان الموضوع الثاني الذي استحوذ على اهتماماتها هو الإفراج عن الفتاة الفلسطينية عهد التميمي في صور تعليقات وتحقيقات وإعادة لما نشرته الصحف الأجنبية وصورها وسط إعجاب هائل بها وبشجاعتها وعرضت الفضائيات كل ذلك.
وكانت اللفتة الموحية لها هي زيارتها لقبر الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وهو ما يثبت للجميع أن الشعوب تظل وتحتفظ لزعمائها الحقيقيين بمكانتهم في قلوبها وتوارثها جيلا بعد جيل رغم أي أخطاء لهم أو محاولات تشويههم.
وأما عن اهتمامات الناس فلا تزال كما هي من متابعة الكثير من الأسر انتهاء المرحلة الثانية من تنسيق القبول في الجامعات وبدء المرحلة الثالثة والأخيرة ومباريات كرة القدم في الدوري العام وانتقالات اللاعبيين وفوز الأهلي على الفريق البتسواني تاون شيب في مباريات الأندية الافريقية. وتابع كثيرون ما تم عرضه من السماح لمراسلين وقنوات أجنبية بزيارة سيناء والعريش للتأكد من عودة الحياة الطبيعية إليها بعد قضاء الجيش والشرطة على الإرهاب باستثناء عملية يتيمة من وقت لآخر يروح ضحيتها ضابط أو جندي أو اكتشاف لغم في طريق القوات وانفجاره أو تفكيكه وذلك ناتج عن خطة النظام التي أطلقها السيسي عندما قال إنه سيتم استخدام القوة الغاشمة والقوة المفرطة ومعاملة كل شخص يتستر على إرهابي قريب له معاملة الإرهابي والتعليمات بأننا لسنا في حاجة إلى القبض عليهم وملء السجون بهم وإنما تصفيتهم في أماكن الاشتباك معهم. ولوحظ عدم اهتمام الناس أو حتى الإعلام بالحكم الذي أصدرته محكمة جنايات المنيا، التي عقدت جلساتها في معهد أمناء الشرطة في القاهرة، للنظر في قضية محاكمة ثمنمئة وسبعة من الإخوان المسلمين على رأسهم المرشد العام الدكتور محمد بديع بسبب الهجوم بعد فض اعتصام رابعة على نقطة الشرطة وحرقها وقتل اثنين من أمناء الشرطة. وكانت هذه المحاكمة قد بدأت عام 2014 لبديع وحوالي مئتين وحكمت بإعدامه، لكن محكمة النقض ألغت الحكم وتمت إعادة المحاكمة أمام دائرة أخرى من دوائر الجنايات التي أصدرت الحكم بإعدام مبروك سعد محمود فقط وحبس الآخرين،
وإلى معظم ما عندنا ….
أيقونة نضالية
ونبدأ بأيقونة نضال الفلسطينيين التي قال عنها في «الأخبار» ونقيب الصحافيين الاسبق جلال عارف: استمرار نضال شعب فلسطين هو ما تخشاه إسرائيل وهو ما تجسده عهد التميمي ابنة المناضل الذي ترك التعذيب في سجون إسرائيل آثاره الوبيلة علي جسده وابنة المناضلة التي تم اعتقالها من قبل خمس مرات وابنة القرية التي تقاتل يوميا دفاعا عن أرضها ضد قطعان المستوطنين. تخشى إسرائيل من عهد التميمي لأنها ترمز إلى جيل جديد يعطي فلسطين الأمل جيل يخوض النضال اليومي عىي الأرض ضد الاحتلال وضد قطعان المستوطنين، جيل يستوعب دروس الماضي ويتمسك بعدالة قضيته.
وفي «الوطن» قالت نادية الدكروري: برزت «عهد» منذ كانت يافعة كناشطة سياسية فلسطينية تتحدى جنود الجيش الإسرائيلى الذين اعتدوا على والديها فى مسيرة سلمية مناهضة للاستيطان فى قرية النبي صالح مسقط رأسها وقامت برفع قبضة يدها الصغيرة فى وجه جندي إسرائيلي عام 2012 في مشهد تناقلته وسائل إعلام عالمية لتعود لتتصدر المشهد من جديد بعدها بخمس سنوات بصفع جندى آخر أطلق الرصاص المطاط على رأس ابن عمها محمد «15 عاما» لتمثُل «عهد» للمرة الرابعة أمام المحكمة الإسرائيلية التي وجهت لها 12 تهمة أبرزها «أنها صاحت فى وجوه الجنود الإسرائيليين تحول وجه «عهد» المضيء بنظرة المقاومة للاحتلال الإسرائيلى على مدار الأشهر الثمانية الماضية إلى شعار للقضية الفلسطينية وهي لا تزال طالبة فى الثانوية العامة- الفرع الأدبي في مدرسة البيرة الثانوية بنات، وتتمنى أن تصبح محامية لتدافع عن وطنها وأهلها وشعبها.
وفي العدد ذاته قال محمود الكردوسي عن فلسطين: قبل حوالي عشر سنوات شنت إسرائيل حربا طاحنة على غزة وامتلأت شاشات الفضائيات بوجه عجوز فلسطينية جالسة على أنقاض بيتها وهي تصرخ: «وينكم يا عرب»: هذا سؤال القضية منذ 1948! مؤخرا ومنذ أيام قليلة أقر الكنيست الإسرائيلى قانونا يمنح اليهود فقط حق تقرير المصير في فلسطين وهو قرار عنصري متوقع وطبيعي بعد أن ترك العرب فلسطين صيدا سهلا لهذه العصابة الصهيونية وانشغلوا عنها بتأمين وجودهم وملذات حكامهم وشعوبهم. فلسطين ضاعت أضاعها العرب عمدا بينما الشعوب العربية مشغولة بـ«الكيكى» وكرة القدم و«الأقصى» أصبح مرتعا لجنود إسرائيل ومتطرفيها الدينيين بينما المسلمون أدوات لهدم دولهم أو لتصفية بعضهم البعض .
مؤتمر الشباب
ونبدأ بأبرز ما نشر عن المؤتمر الوطني السادس للشباب الذي قال عنه محمد أمين في «المصري اليوم»: لا تسألوا الرئيس فى أي وقت عن أي شيء. مهم طبعا أن يكون السؤال المناسب في التوقيت المناسب اسألوا الرئيس في أثناء انعقاد مؤتمرات الشباب إنها أفضل وقت يكون فيه الرئيس مستعدا للإجابة بكل بساطة وشفافية وارتياح أيضا تشعر أنه ينجلي ويكتب الملاحظات ويبتسم ويقبّل الشباب. لذلك أقول لكم انتهزوا الفرصة واسألوا في كل شيء!فحين كنت أشاهد الفيلم التسجيلي «أهل العلم» قفزت إلى ذهني بعض الأسئلة الرئيس أيضا قفزت إلى ذهنه بعض الأسئلة والتعليقات وكان يدونها حتى لا تضيع من رأسه أحب فيه هذه المزيّة لا يتعامل مع الأشياء على أنه الرئيس يُظهر حالة نادرة من الجدية لذلك نجحت المؤتمرات الشبابية ورأينا حالة استدامة كل مؤتمر يؤدي إلى الآخر في انسجام تام!
وإلى «الأهرام» التي علق فيها فاروق جويدة على إشارة السيسي إلى التعليم وقال :
ينبغى أن نتوقف ونحن نناقش القضية عند العلاقة بين التعليم والاستثمار بعد أن أصبح مصدرا للثراء ودخلت فيه عوامل كثيرة نحن أمام تعليم مختلط فهناك أنواع متعددة من المدارس وهناك جامعات من كل لون: إنجليزي وفرنساوي وألماني وروسي وياباني وكل جامعة تفرض ثقافتها ولغتها وأفكارها. لقد تحدث الرئيس عن الهوية وهي التي تتشكل في الأسرة والمدرسة والإعلام والأسرة المصرية. الآن لا يتحدث أبناؤها اللغة العربية ولا يعرفون شيئا عن تاريخ مصر وقبل هذا كله فإن التعليم أصبح استثمارا ولم يعد مسؤولية إن مصاريف المدارس الخاصة والأجنبية لا تخضع لأي لون من ألوان الرقابة في مناهجها أو الإشراف عليها. هناك مدارس أجنبية لا تعلم اللغة العربية إطلاقا. وقد كان غريبا أن يبدأ حفل افتتاح المؤتمر بفيلم تسجيلي عن جامعة القاهرة ورموزها باللغة العامية وهو يحكي عن تاريخ هذه الجامعة العريقة إن مسؤولية الأسرة غابت تماما في قضية التعليم وكل المطلوب منها أن توفر المصروفات والدروس الخصوصية وما إذا كانت تدفع بالدولار أو الجنيه المصري إن قضية التعليم المختلط هى أخطر ما حدث فى مصر حين انقسم المجتمع على نفسه بين أبناء المدارس الأجنبية وأبناء مدارس العشوائيات ووجدنا أنفسنا أمام أجيال لا يوجد أي رابط بينها من الانتماء والهوية .
ثم نغادر «الأهرام» إلى «اليوم السابع» لنقرأ لكريم عبد السلام دفاعه عن المؤتمر وقوله عن إيجابياته: يمكنك أن تتكلم عن ضعف الحياة السياسية المصرية كما شئت وأن تتناول ترهل الأحزاب السياسية القديمة وتهافت الجديدة منها وعدم قدرة أي من الكيانات الحزبية على عقد صلات حقيقية مع الجماهير وبناء قاعدة شعبية واسعة على غرار الوفد مثلا قبل ثورة 1952 لكنك لا تستطيع تجاهل الزخم الكبير الذى أحدثته مؤتمرات الشباب التي انعقدت حتى الآن ست مرات فى محافظات مختلفة وضم بعضها شبابا من مختلف دول العالم المتابع للخط الذي تتخذه مؤتمرات الشباب بحضور السيسي وقيادات الدولة المصرية يلاحظ أنها تسد الفراغ السياسي الكبير الذي نعاني منه كما تستحدث لغة عصرية تخاطب الأجيال الجديدة وتمد الجسور معهم من خلال دعوة شخصيات ناجحة وشباب الجامعات والمتفوقين في مختلف المجالات داخل مصر وكذا في الخارج الأمر الذي يجعلنا نقول باطمئنان إن مؤتمر الشباب هو أكبر حزب سياسي وشعبي فى البلد وإقامته بانتظام ضرورة ملحة للنهوض بالحياة السياسية ومنح الأجيال الجديدة فرصة للتعبير عن نفسها.
لكن ذلك لم يؤد إلى القضاء علي حيرة الشباب نحو الوظائف التي يريدونها وهو ما أخبرنا به عمرو سليم في «المصري اليوم» أنه شاهد ثلاثة شبان حائرين نحو الوظائف الأكثر رواجا في مصر وكانت ناشط سياسي أو داعية ديني أومنادي سيارات.
عبد الناصر وثورة يوليو
رغم تراجع الاهتمام بها بعد أن طفت على صفحات الصحف وبرامج القنوات الفضائية حوالي عشرة أيام بمناسبة ذكراها فلا تزال ثورة يوليو/تموز وزعيمها عبدالناصر تحظى بقدر وافر من الاهتمام إذ قال خالد رزق في «الأخبار» تحت عنوان « حاسبوا عبد الناصر» :
لأني شايف إنه أحسن واحد حكم مصر من عيالها بعد فترات انحطاط تاريخي طالت أزمنتها وحكمنا فيها الغرباء أحسن على الأقل في إخلاصه وصدق نواياه بأحزن قوي علي عبد الناصر رجل مهما كان في زمنه من مثالب يعتقد بها من يكرهونه ومعارضيه ـ يبقي ـ ما قدمه لهذا البلد ولما يعرف بالأمة العربية وللأحرار حول الدنيا فارقا في التاريخ كله رجل لا ينازعه أحد في أنه المواطن العربي الأول الذي عبر عن ضمير الأمة فاستأثر بقلوب وعقول شعوبها واستحق أن يبقى في وجدانها رمزا للحرية والكرامة. حاسبوا ناصر بزمنه، حاسبوه وفي عقولكم ما الذي كان يمثله هذا الرمز وكيف أحدث تغييرا في العالم كله. والتقييم هنا بالمناسبة وحتى لا تخدعك ذاتك تقييم يشارك فيه كل أحرار العالم وبعضه مسجل في تواريخ أمم غريبة احتلت بلداننا وأخرى كان ملهما للتحرير وداعمها على سبيله «بعدها» حاسبوه بما أعلنه عن إيديولوجيته وتوجهات حكمه ونفذه منذ اليوم الأول واستمر عليه حتى غادرنا إلى معرض الحق.
سبب البلاء
وفي «الشروق» حاول الدكتور إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة في الجامعة الأمريكية في القاهرة إقناع المختلفين حول الثورة وقائدها بالتوصل إلى حل وسط بدلا من حالة العداء الشديدة بينهما خاصة بين أنصار العهد الملكي والباكين عليه وعلى أيامه الحلوة وما كانت فيه مصر من نعيم وما بين أنصار الثورة الذين يهاجمونه والحل الذي اقترحه أن يأخذ أنصار الثورة بما سماه الديمقراطية الإجرائية التي كانت موجودة بشكل ما في العهد الملكي والتي نشأت بعد إقرار دستور سنة 1923 خاصة أن كثيرا من أوجه النظامين الملكي ويوليو/تموز زالوا الآن إلا أنه أبدى ميلا واضحا للاعتراف بما أحدثته الثورة وزعيمها من إنجازات قال عنها: نظام ما بعد 1952 فيه قطيعة وتواصل مع ما قبله أعتى الثورات لا تحدث قطيعة تامة مع ما قبلها بدون أن ينطلق من الصفر نجح النظام الجديد فى مرحلته الأولى فى تحقيق الجلاء عن مصر ثم أمم قناة السويس وانخرط فى الوحدة مع سوريا ونشط في تصفية الاستعمار وفي صياغة النظام السياسي والاقتصادي الدولي الجديد فيما بعد تصفيته فحقق رصيدا لمصر كان زادا لها في العقود التالية في النظام الاقتصادي والاجتماعي حدد ملكية الأرض الزراعية ووزع أراضي على معدمين وزاد الإنفاق الاجتماعي على التعليم والصحة والإسكان والثقافة. ثورة يوليو/تموز الأبعد أثرا كانت ترسخ فكرة العدالة الاجتماعية في الثقافة السياسية المصرية ومنحها مضامين في الاقتصاد أمم النظام الشركات الكبيرة وحوّل إلى الدولة ملكية أغلب أدوات الإنتاج في الصناعة الحديثة وفي بعض التجارة كان التأميم سبيله إلى تمويل سياساته الاجتماعية ولكنه كان أيضا صادرا عن تصور أن دور الدولة الأساسي في عملية التنمية لا يمكن الاضطلاع به إلا إن امتلكت هذه الدولة الجانب الأعظم من أدوات الإنتاج في اقتصاد مختلط. هنا نقطة ضعف أساسية في النظام الذي لم يحقق التنمية الضرورية لمساندة الدور الاجتماعي لدولة حديثة قد يحتج أحد بأن الخطة الخمسية الأولى في أوائل الستينيات من القرن الماضي حققت معدلات نمو مرتفعة وأن حرب يونيو/حزيران هي سبب البلاء أول الردّ أن العالم كله حقق معدلات نمو مرتفعة فى الستينيات ولم تكن مصر وحدها في ذلك. أما حرب يونيو/حزيران فهي بالفعل بلاء غير أنه لا يمكن اعتبارها سبب نكبتنا الاقتصادية المقيمة حتى يومنا هذا. لقد انقضت خمس وأربعون سنة منذ الحرب التالية في تشرين الأول/أكتوبر 1973 واستعادة مصر لسيناء واستئناف المرور في قناة السويس، ومع ذلك تفاقمت النكبة الاقتصادية ونتج عنها فشل اجتماعى بل وتصدّع سياسي بلاء حرب يونيو/حزيران تمثّل في احتلال إسرائيل لسيناء ولأراض سورية ولما تبقى من فلسطين ما أدّى إلى استيطانها وشبه ضياع حقوق الشعب الفلسطيني فيها ولكنه كان بلاء كاشفا لعلّة جذرية لما بعد يوليو/تموز 1952 ألا وهي النظام السياسي في هذا النظام طريقة اتخاذ القرار بسيطة وتبسيطية فتقصر عن الإلمام بكل عناصره.
مقترح استفتاء
لكن كلامه لم يعجب دندراوي الهواري في «اليوم السابع»: لم أنفجر غضبا في وجوه الإخوان المسلمين وأنصار العهد الملكي الذين لا يزالون يهاجمون الثورة وزعيمها الآن بمرارة وكراهية شديدة وعايرهم بأوضاعهم وبأوضاع مصر قبل الثورة كما سخر منهم عندما اقترح إجراء استفتاء شعبي بإلغاء الجمهورية وأن يتحول الرئيس السيسي إلى ملك وقال:
الإخوان والنشطاء والبعض من الذين أبهرتهم صور الأبيض والأسود لكوبري قصر النيل وثلاثة شوارع في وسط القاهرة وجمالها وصور البشوات والبكوات والأمراء ومصطلحات «بنسوار يا هانم، ونهارك سعيد، وأفندينا والبرنس فلان، والباشا والبك علان» فجأة يتباكون على عصر الملكية ويلطمون الخدود ويشقون ملابسهم نصفين ألما ووجعا وكأن كل جماعة الإخوان والنشطاء وأدعياء الثورية من أبناء الأمراء والبشوات والبكوات والأعيان أصحاب العزب! وللعلم نقولها بالأرقام لقد رحل قائد ثورة يوليو/تموز 1952 جمال عبدالناصر واقتصاد مصر يفوق اقتصاد كوريا الجنوبية واليابان ولم يكن هناك سنغافورة أو ماليزيا كما بلغت قيمة القطاع العام من مصانع وشركات منتجة تجاوزت مليارات الدولارات وفق تقديرات المؤسسات الاقتصادية الدولية ومن بينها البنك الدولي، فقد بلغ عدد المصانع التي دشنها جمال عبدالناصر وعصر ثورة يوليو/تموز 1200 مصنع معظمها مصانع جوهرية منها مصانع الحديد والصلب ومجمع الألومنيوم في نجع حمادي على سبيل المثال لا الحصر. جمال عبدالناصر بنى السد العالي أحد أبرز وأهم المشروعات التنموية والإنشائية والهندسية في ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍلـ20 وفقا لتصنيف ﺍلأﻣﻢ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪة كما انخفضت نسبة الأمية بين الشعب المصري من ٪80 قبل ثورة يوليو/تموز إلى ٪50 بعد الثورة وكان للتعليم المجاني والجيد عقب الثورة مفعول السحر حيث دفع بعدد كبير من العلماء قيمة وقامة كبرى من عينة عالم الذرة الأشهر يحيى المشد وعالم الكيمياء أحمد زويل ومصطفى السيد ومجدي يعقوب وغيرهم من القامات التي أثرت العلم ونطرح عليهم سؤالا: طالما تتباكون وتلطمون الخدود وتشقون الملابس وتعضون الأيادي ندما على عصر الملكية فهل نجري استفتاء شعبيا بإلغاء الجمهورية وإعادة عصر الملكية وننصب عبدالفتاح السيسي ملكا لمصر العظمى؟! أترك لحضراتكم الإجابة ولك الله يا مصر!! .
معارك وردود
وإلى المعارك والردود وأولها ستكون من نصيب محمد سعد عبد الحفيظ عضو مجلس نقابة الصحافيين في «الشروق» الذي بلغ به الضيق مبلغه من رئيس مجلس النواب الدكتور علي عبد العال بسبب رفضه الاستجواب وقال إنه لم يعد معمولا به في فرنسا فقال ردا عليه:
الفقيه القانوني الدكتور علي عبدالعال استكمل تبريره لعدم استخدام الحق في استجواب الحكومة وفقا للمادة 131 من الدستور قائلا: «الاستجواب إجراء خشن يترتب عليه سحب الثقة من الحكومة»، مضيفا «الاستجوابات اتلغت من بعض الدساتير ومنها الدستور الفرنسي»لا أعلم كيف جزم خريج السوربون وأستاذ القانون الدستوري وعضو لجنة صياغة دستور 2014 بأن الدستور الفرنسي ألغى الاستجواب كأداة رقابية تمارسها الجمعية الوطنية استنادا إلى المادتين 48 و49 من دستور 1958؟آخر الاستجوابات التي جرت داخل الجمعية الوطنية الفرنسية كان يوم الإثنين الماضي حيث مثل وزير الداخلية جيرار كولومب أمام لجنة تحقيق برلمانية في إطار قضية ألكسندر بينالا الحارس الشخصى للرئيس إيمانويل ماكرون الذي أظهر فيديو نشرته صحف فرنسية ضربه لمتظاهرين فى مطلع مايو/ الماضي.
المأسوف عليه
وأما ثاني المعارك فكانت لعبد القادر محمد علي في «الأخبار» الذي حدثنا عن واقعة حدثت في الحديقة الدولية في حي مدينة نصر هي: فضيحة بجلاجل تناولتها وسائل الإعلام عندما ظهر فجأة في الحديقة الدولية في مدينة نصر حمار وحشي مخطط ثم تبين بعد ذلك أنه حمار بلدي غلبان مدهون بوية وعندما ارتفعت درجة الحرارة ساحت البوية وانكشف أمره أصحاب الحمار يدرسون الآن عدم تكرار الغلطة نفسها خصوصا أنهم على مشارف موسم اللحم وحلول عيد الأضحى المبارك سيستخدمون ألوانا ثابتة وستشمل عملية الدهان توضيب الحمار وتجميله وتقصير أذنيه وإخفاء ذيله لكي يبدو كخروف استرالي بدون إلِيَّة. أما محمد الحديدي فإنه شن امس هجوما عنيفا على الشعب واتهمه بأن أخلاقه ساءت وانحدرت بسبب حادثة قال عنها: للأسف الأسيف وأنا متأسف ويؤسفني أن أقول إن المأسوف عليه أصبح اسمه «الشعب المصري» وهو مأسوف عليه لأنه تغير وتبدل ولم يعد قلبه عامرا بالخير والمحبة «إلا من رحم ربي» ولم يعد يشتري من الأخلاق إلا أرذلها ومن السلوكيات إلا أقبحها وهو يشهد الآن أكبر عملية هجرة جماعية للرحمة والإنسانية. أقول قولي هذا بمناسبة الحوادث التي تقع على الطرق ويهرع إليها «الأوباش» لتجريد الضحايا من مقتنياتهم وهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة وعندما تصبح الساعة أو الولاعة أو المحفظة أغلى وأهم من الروح قل علي الدنيا السلام. وفي الحقيقة فإن تأثر حازم بما حث من مجموعة من الأنذال فاقدي الشهامة والمروءة والأخلاق دفعه للوقوع في خطأ فادح باتهام الشعب كله والحقيقة غير ذلك فالدنيا ما زالت بخير وهؤلاء قله في كل مجتمع وظاهرة سرقة محافظ وساعات وحلي قتلى الحوادث، قبل أن تأتي الشرطة، معروفة يقابلها أخرون يسارعون بحمل الضحايا والجرحى للاسعاف .
ليس من الدين
أما أعنف المعارك فكانت من نصيب الدكتور محمد الباز رئيس مجلس إدارة وتحرير صحيفة «الدستور» المقربة جدا من النظام ضد الأزهر وشيخه ودار الإفتاء والمفتي السابق الدكتور علي جمعة ومجمع البحوث الإسلامية لأنهم رفضوا دعوة الرئيس بإصدار فتوى بتحريم الطلاق الشفهي وقال الباز: في حديثه أمام أكثر من ثلاثة آلاف شاب من مختلف الجامعات المصرية كشف الرئيس عن مكنون صدره وهو كثير بدا رجل الدولة الأول عاتبا على كثيرين من بينهم مَنْ طالبهم أكثر من مرة بتجديد الخطاب الديني بدون أن يحركوا ساكنا أو يتحركوا في الاتجاه الصحيح كشف الرئيس الغطاء عن هؤلاء الذين يعتصمون بخوفهم بدون مبرر فلم يقتربوا من الخطاب الديني وتركوه على حاله كل ما فعلوه هو حركة في المكان بتكاسل شديد وتثاؤب غلب على المشهد كله.
وجّه الرئيس كلامه إلى هؤلاء الذين اعتصموا بآراء فقهية قديمة وبالية عفا عليها الزمن فلم يتجاوبوا معه عندما طلب منهم أن يبحثوا فى أزمة «الطلاق الشفوي» ليجدوا لها حلا.
وبدلا من أن يفككوا الموروث أضافوا لعُقدِه عقدة جديدة عندما اجتمعوا ككهنة وأصدروا بيانا أوهموا به الناس أن «الطلاق الشفوي» ليس من الدين في شيء كان يمكن أن يلجأ الرئيس إلى البرلمان أو الحكومة فيتحرك أي طرف منهما بتقديم مشروع قانون يجعل «الطلاق الشفوي» موثقا لكنه فتح أمامهم الباب للاجتهاد وتنقيح الأفكار على أمل أن يدرك مجلس الكهنة أن دورهم العمل من أجل مصلحة الناس لكنهم خذلوه ولَم ينصروه.
تحدث الرئيس عبدالفتاح السيسي عن الذين يخافون من تجديد الخطاب الديني اعتقادا منهم بأن هذا الاجتهاد يمكن أن يخرب الدين وتساءل: هل يمكن أن يكون هناك خراب أكبر من الذي نراه ويحيط بنا من كل مكان؟لا أعرف على وجه التحديد وقع هذا الكلام الذي عبَّر السيسي من خلاله عن ضيقه على هؤلاء الذين عطلوا تجديد الخطاب الديني وجعلوا من صدورهم حائط صد لكل محاولات الولوج من هذا الباب؟ هل ناموا ليلهم بلا قلق أو أرق؟ هل وقفوا أمام المرآة وراجعوا موقفهم واعترفوا بتقصيرهم؟ أم أنهم وعلى عهدنا بهم لم يحركوا ساكنا واكتفوا باعتبار كلام الرئيس ليس موجها لهم بل لقوم آخرين لا يعرفونهم ولا يركنون إليهم؟ أن يتصدر كل منهم مشهد تجديد الخطاب وهو ما جعل المشهد عبثيا وارتجاليا بامتياز لا مكان فيه لقيمة ولا أمل من ورائه لنتيجة لا يكف شيخ الأزهر ورجاله عن الحديث وبجرأة عن جهودهم في تجديد الخطاب الديني وعندما تسأل عما قدموه بالفعل على أرض الواقع تسمع ضجيجا ولا ترى طحنا وكأنهم يتحركون في كوكب آخر لا نعرفه ولا يعرفنا رغم أنهم سقطوا جميعا في امتحان تجديد الخطاب الديني الحقيقي عندما طالبهم الرئيس بأن يبحثوا مسألة فقهية واحدة انسحبوا من الحاضر وتعقيداته واعتصموا بالماضي وصيغه الجاهزة التي لا تناسبنا ولا يعرف من وضعها ما وصلت إليه الحياة من أزمات.
لقد قرر شيخ الأزهر ورجاله من خلفه أن يحجبوا مَنْ دونهم فوضعوا العقبات والعراقيل في طريق وزير الأوقاف الذي يحاول جاهدا أن يقدم طرحا مختلفا لكن الهوى الشخصي جعل منه خصما ليس من حقه أن يتحدث وكأنه عدو ولا ينتمي إلى المدرسة الأزهرية نفسها ولا يرتدي الزي الرسمي ولا يتحدث اللغة نفسها.
الدكتور على جمعة يعمل في سلام وهي مدرسة عصرية حديثة تضم بين صفوفها دعاة جددا وعلماء أزهر ومجتهدين من الصوفية لكنها زاحمتهم وحاربتهم وضيّقت مساحات ظهورهم فى الإعلام الحكومي والخاص وكأنها تقول في تحدٍ للجميع إنه لا صوت يعلو فوق صوتها بل سارع أعضاء هيئة كبار العلماء وضموا الدكتور علي جمعة تحت جناحهم فلم يحتج ولَم يعترض على مسلكهم في التصدي لمسألة «الطلاق الشفوي» ووقَّع إلى جوارهم على بيانهم فهو يعرف أنه لو اعترض لأخرجوه من جنتهم .
«طالق بالثلاث»
وفي الحقيقة فإن هجوم الباز على الأزهر وشيخه وغيرهما غير موفق بالمرة، ولا أظن أبدا أن الرئيس أراده من وراء التذكير بالحادثة القديمة لأن مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر ودار الإفتاء أصدرا بيانا أكدا فيه أن الطلاق الشفهي يقع لكنهما قالا أن لولي الأمر الحق في تقييده. وكان رد الفعل الشعبي مع شيخ الأزهر وهو ما وضح بعد أيام من البيان عندما دخل إلى القاعة التي كان اتحاد العمال يحتفل فيها بعيد العمال في مقره في شارع الجلاء في القاهرة وقوبل بعاصفة هائلة من التصفيق. والأهم من هذا أنه حتى لو طلق زوج زوجته شفهيا بأن قال لها روحي يا ولية وأنت طالق بالثلاثة فمن حقه أن يرجع فيه. والأهم أن المجتمع لا يعترف به إلا إذا تم توثيقه لما سيترتب عليه من حقوق مثل المؤخر وحضانة الأولاد والسكن .
حسنين كروم