أظهرت موجات الاحتجاج التي اجتاحت محافظات تونسية عدة في الفترة الأخيرة، أنه لا يكفي التخلص من نظام شمولي وإطلاق حرية العمل السياسي وإجراء انتخابات حرة وشفافة، لكي تتحقق الديموقراطية. فالمناطق التي حرمتها الدولة الوطنية من الحق في التنمية طيلة عقود، وجدت نفسها ترفع شعارا يمكن تلخيصه في كلمتين «التنمية العادلة». وإذا ما تفحصنا نسب البطالة في تلك المناطق، ألفينا أن متوسط البطالة وخاصة بين الشباب، وبالأخص بين خريجي الجامعات، أرفع مما هي في المحافظات الواقعة على الشريط الساحلي. مع ذلك ينبغي تنسيب ذلك التفاوت التنموي لأن جميع المحافظات تعاني من ركود الاستثمار وتراجع التصدير واستطرادا تناقص الإيرادات من العملة الصعبة وهبوط قيمة الدينار وغلق مصانع عدة، ما أدى إلى كثرة الاحتجاجات وشمولها غالبية المحافظات.
هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي الحرج يُعيد إلى ذاكرة التونسيين أزمة أخرى، ففي ذروة أزمة 1986، التي كانت أزمة اقتصادية معطوفة على أخرى سياسية، كان السؤال الذي يفتتح به التونسيون صباحاتهم، يتعلق بعدد أيام الإستيراد التي يُتيحها احتياط المصرف المركزي من العملات الدولية. واليوم يعُود التونسيون إلى السؤال نفسه، إذ كثر التنبؤ بقرب إفلاس صناديق التأمين العمومية والعجز عن صرف الرواتب… لكن في سياق وفي مناخ مختلفين عن الوضع اليوم. فأما السياق فهو تجربة الانتقال الديموقراطي، التي مازال كثيرون يُشككون فيها، غير أنها ماضية قُدُما بالرغم من العثرات والارتباكات. وأما المناخ فهو التباري بين الأحزاب والمنظمات واللوبيات لتحصيل مغانم خاصة، وسط التهوين من المخاطر الجمة التي تحيط بالبلد. ألسنا نرى في مواقف أولئك الفاعلين أحزابا ونقابات، تركيزا على «السياسة السياسوية» أكثر من تقديم الاقتراحات والحلول للخروج من الأزمة الراهنة؟ فبالرغم من أن أزمة محافظة تطاوين والأزمات المماثلة في مناطق أخرى تتعلق جوهريا بملف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، لم نر من اتحاد العمال (الاتحاد العام التونسي للشغل) أو منظمة أرباب العمل عرضا لبدائل يمكن أن تُساهم في نزع فتيل الاحتجاجات بواسطة حلول غير ظرفية. ولا أدل على ذلك من أن بيان الهيئة الإدارية لاتحاد الشغل يوم 30 نيسان/ أبريل الماضي تحدث (للمرة الأولى) عن «مبادرة سياسية» ظلت مبهمة، مع اجترار العناوين المألوفة عن حماية القطاع العام والتشبث بـ«المكاسب الاجتماعية».
مع ذلك ما حصل في تطاوين لا يمكن المرور به مرور الكرام، إذ بادر المحتجون إلى غلق المدخل الصحراوي (الذي يعبر من تطاوين) في وجه الشاحنات والعربات المتجهة إلى الحقول النفطية، ولما انتقلت الحركة عبر الكامور، وهو ثاني بوابتين إلى الصحراء، عمدوا إلى غلقها أيضا.
من جديد… «ارحل»!
ساهمت الاحتجاجات المُشتعلة هنا وهناك، بشكل تلقائي حينا وبفعل فاعلين معروفين أحيانا أخرى، في إضعاف الحكومة وهزِ مصداقيتها. وارتكب رئيس الحكومة وأعضاؤها أخطاء في التعاطي مع التحركات الاجتماعية، وإن كان المُحتجون ارتكبوا أيضا أخطاء عندما رفضوا الحوار مع رئيس الحكومة، ورفعوا في وجهه عبارة «ارحل». وتصرَف المعتصمون في «الكامور» تصرُفا ألغى وجود الدولة عمليا، بما في ذلك المؤسسة الأمنية والعسكرية، في منطقة بالغة الحساسية بالنسبة للأمن الوطني (على الحدود مع ليبيا). ويمكن القول إن مُجمل التعاطي الحكومي مع موجة الاحتجاجات في الجهات اتسم بالارتباك وقلة المهنية، مما سمح لمُحترفي إضرام الحرائق أن ينفخوا في الرماد سعيا لنقل أزمة «الكامور» إلى مناطق أخرى. وبالفعل تم غلق الطريق المؤدية إلى معبر ذهيبة/وازن (مع ليبيا) بتعلة التضامن مع المعتصمين. وهدد المعتصمون في تطاوين بغلق الدوائر العمومية إذا لم تتم الاستجابة لمطالبهم وشنوا إضرابا عاما شل النشاط في المدينة يوما كاملا. كما جدَ اعتصام في مغسلة الفوسفات في محافظة قفصة، مع استمرار تعطيل نشاط شركة «بتروفاك» النفطية. ولكل هذه التعطيلات كلفتها الباهظة التي تتحملها المجموعة الوطنية. هل أن ضرب الفوسفاط والنفط، وهما دعامتان من دعائم اقتصادنا، المُتضعضع أصلا، يُقربنا من إيجاد فرص عمل للعاطلين ويجلب استثمارات للمناطق المحرومة؟ من الواضح أن «المُعارضة» التي تُحرض على تلك الأعمال لا تبتغي سوى زعزعة الحكومة، المُتعثرة أصلا، من أجل فرض انتخابات مُبكرة تُمكنها من العودة إلى الحكم، مثلما تتوهم. وساعدتها على ذلك وسائل إعلام داخلية وخارجية «تتطوع» لحمل خطابها التحريضي إلى بيوت التونسيين.
مُحاصصة حزبية
لكن الائتلاف الحاكم لم يستطع مجابهة التصعيد أولا لأن العلاقة بين مكوناته تقوم على المحاصصة والمُغالبة، وثانيا لأنه لا يملك حلولا للخروج من الأزمة. وأيا كانت نجاعة الاجراءات التي أعلن عنها رئيس الجمهورية في خطابه الأخير، وبخاصة تكليف الجيش تأمين المنشآت الاستراتيجية، فإن تنقية المناخ السياسي والاجتماعي تبقى أولوية الأولويات، خاصة في ظل احتمال تكرار الاحتجاجات الفوضوية في المناطق نفسها، أو في ولايات أخرى، بما يزيد من تسميم الأجواء ويُفقد الحكومة السيطرة على الأوضاع.
وما من شك في أن الأجواء داخل الطاقم الحكومي لها تأثير مباشر في الأداء، فإقالة وزيرين استجابة للضغوط، وفي توقيت غير مناسب اختاره الضاغطون، جعل باقي أعضاء الفريق الحكومي لا يشعرون بـ«الأمان» والاستقرار ويكتفون بتصريف الأعمال.
تقتضي المرحلة الراهنة تحديد الأولويات، وهي تتمثل في وقف انزلاق الدينار وتنشيط التصدير وتحقيق الاستقرار في مختلف المناطق كي يتسنى استقطاب الاستثمار الداخلي والخارجي المُولِد لفرص العمل. لكن العلاج لا يكون بالوعود، وإنما بالخطوات الاصلاحية وإعادة هيكلة القطاعات المأزومة مثل قطاعي المنسوجات والملبوسات. فهذان القطاعان، اللذان كانا يشكلان عمودا فقريا للصناعة الوطنية، خسرا أربعين ألف فرصة عمل في مساحة السنوات الخمس الأخيرة. وبالإضافة للمنافسة القاتلة التي تمثلها المستوردات من دول آسيا، والتي تدخل غالبيتها بواسطة التهريب، أدت الزيادات المتوالية في الرواتب إلى فقد المنتوج المحلي من المنسوجات والملابس ميزاته التنافسية. ولا أدل على ذلك من أن حجم الرواتب في الشركات التونسية يُمثل 70 إلى 75 في المئة من كلفة الانتاج، على عكس الوضع في البلدان المنافسة. كان هذان القطاعان يتبوآن الرتبة الثانية بين القطاعات الصناعية المُصدرة، بعد الصناعات الميكانيكية والكهربائية، غير أنهما يتراجعان منذ فترة بمتوسط 7 في المئة سنويا.
في هذا المناخ الغائم والمُخيف تبدو الأحزاب، الحاكمة منها والمعارضة على السواء، مُفتقرة إلى الخيال وهي تصبُ جهدها في البحث عن «تفاهمات» مُربحة ومُجزية، مما يُنذر بنهايتها بعدما فقدت مصداقيتها لدى الرأي العام، تماما مثل اللوبيات الإعلامية التي مجَ التونسيون حواراتها الصاخبة واشتباكاتها السخيفة. والأرجح أن هذه الظاهرة ليست خاصة بتونس، ففي فرنسا أيضا يتوقع الباحثون نهاية الأحزاب، ويجزم المؤرخ والباحث المعروف جاك جوليار بأن فرنسا تشهد موت الأحزاب مع تأجيل التنفيذ، مشيرا إلى أن الحزبين الكبيرين (الاشتراكيون والجمهوريون) لم يعودا يثيران لدى الفرنسيين سوى اللامبالاة أو الاحتقار.
رشيد خشانة