مع بواكير الستينات من القرن الماضي حط رئيس مجموعة «إيني» النفطية الايطالية إنريكو ماتيي، المعروف بتعاطفه مع بلدان شمال أفريقيا، رحاله في تونس واتفق مع رئيسها الحبيب بورقيبة على مباشرة التفتيش عن النفط في جنوب البلد وإنشاء مصفاة في مدينة بنزرت الشمالية. اغتيل ماتيي في 1962، غير أن النفط تدفق من حقل البُرمة في 1966 وانطلقت المصفاة في الإنتاج ما جعل البلد الصغير، الذي لم يُصدر قطرة نفط واحدة حتى أواسط الستينات، يغدو مُنتجا للنفط. وتشكلت لهذا الغرض «الشركة الإيطالية التونسية للاستثمار في النفط» المعروفة باسم «سيتاب»، وهي مناصفة بين «إيني» و»المؤسسة التونسية للأنشطة النفطية» (قطاع عام). وفي العقدين الأخيرين ظل المنتوج المحلي من النفط يتراجع عاما بعد آخر، مما شكل ضغطا على الموازنة، بسبب الاضطرار إلى توريد حاجات البلد من السوق الدولية. وتناقص المنتوج بمعدل 10 في المئة سنويا، إذ كان يبلغ 81 ألف برميل في اليوم سنة 2009، وانخفض في 2015 إلى 55 ألف برميل في اليوم، وهو لا يتجاوز حاليا 44 ألف برميل. ويُعزى تراجع المنتوج من النفط الخام إلى نضوب أقدم حقل، وهو حقل البُرمة. وحاولت مجموعة «إيني» مغادرة تونس بعد الثورة، جراء كثرة الاحتجاجات العمالية، لكن تم إقناعها بالبقاء.
وفي جميع الحالات فإن ما تبقى من العمر الافتراضي للحقل قد لا يتجاوز عشر سنوات. كما أدت الاضطرابات التي شهدتها محافظة قبلي (جنوب) في الشهر الماضي إلى توقف الانتاج تماما في بئرين بالمنطقة.
وعادة ما تعتمد البلدان التي تشبه أوضاعُها أوضاع تونس، على الشركات النفطية الكبرى للقيام بأعمال المسح الجيولوجي والتفتيش عن مصادر الطاقة، لأن الاستكشاف يتطلب استثمارات ضخمة، وهو غير مضمون النتائج، ما يجعل دولة محدودة الموارد مثل تونس، مُعرضة لتحمُل خسائر كبيرة، ولذا فإن الشركات العملاقة هي وحدها التي تستطيع الإقدام على هذا النوع من المراهنة. وبعد التوصُل إلى اتفاق بين الطرفين، وفي حال اكتشاف مخزون من المحروقات، فإن الدولة التونسية توقع مع الشركة اتفاقا جديدا تتقاسم معها بموجبه النفقات التي صُرفت على التفتيش والحفر والاستخراج، كما تتقاسمان أيضا المنتوج. وتتولى «المؤسسة التونسية للأنشطة النفطية» تمثيل الدولة في هذه العمليات، بوصفها شريكا للمستثمرين الأجانب، على قاعدة التناصف.
أعباء متزايدة
ويُضاعفُ ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية من أعباء تونس، إذ تم إعداد الموازنة الجديدة مثلا على أساس سعر مرجعي للنفط يُعادل 55 دولارا للبرميل الواحد، بينما ارتفع السعر إلى 62 دولارا حاليا، وهو مُرشح للزيادة. كما أن انزلاق الدينار سيزيد من كلفة البرميل المستورد. وعلى سبيل المثال وجدت الحكومة نفسها مُجبرة على اقتراض 310 مليون دولار من البنك الاسلامي للتنمية من أجل ضمان استمرار تزويد البلد بالمحروقات.
وتُؤثر عمليات الاحتجاج الجماعية، وخاصة الاعتصامات في مواقع إنتاج النفط والغاز، تأثيرا سلبيا بالغا في ميزان الطاقة. وبحسب المجلة الاقتصادية «أفريكان مناجير» بلغت كلفة توقف انتاج النفط والغاز خلال سنة 2017، حوالي 980 مليون دينار (نحو 400 مليون دولار). وركز التونسيون على الغاز الطبيعي منذ ثمانينات القرن الماضي، بوصفه مصدر طاقة أرخص وأنظف من النفط. وشجع على هذا الخيار العثور على آبار غاز في عدة حقول، بالإضافة لتقاضي تونس رسوما على مرور أنبوب الغاز الجزائري نحو إيطاليا المعروف بـ»ترانسميد» عبر أراضيها منذ العام 1983. وأتاحت الوفرة النسبية للغاز الطبيعي توصيل شبكة توزيع الغاز إلى عدة مُدن لاستخدامه في المصانع والفنادق والبيوت، ما ساهم في التخفيف من الأزمة الطاقية.
لكن مع تناقص منتوج الغاز في الحقول التقليدية طيلة الفترة الماضية، يُتوقع أن يتحسن ميزان الطاقة، مع الانطلاق في تنفيذ مشروع «غاز الجنوب»، الذي سيضخ الغاز إلى مدن الجنوب بواقع 2.4 مليون متر مكعب من الغاز المعالج، أي ما يُقارب نصف استهلاك البلد من الغاز الطبيعي. وتُقدرُ كلفة هذا المشروع، الذي يُسمى «مشروع نوَارة» بـ2.9 مليار دينار (1.2 مليار دولار).
تطوير الطاقات المتجددة
غير أن الاتجاه نحو تطوير الطاقات المتجددة يبدو الخيار الأفضل لتأمين حاجات البلد من مصادر الطاقة، بسبب قلة الكلفة، مع ضمان المحافظة على البيئة. وتأتي في مقدمة مصادر الطاقة المتجددة الشمس والرياح، إذ يصل عدد الأيام المُشمسة في تونس إلى 300 يوم في السنة. وستُقام في الجنوب محطة لإنتاج الطاقة الشمسية تُنتج 210 ميغاوات في إطار شراكة بين القطاعين الخاص والعام (الشركة التونسية للكهرباء والغاز). وتلقت السلطات أخيرا 69 عرضا تخص تنفيذ القسط الأول من المشروع، ومن المتوقع أن يتم اختيار أفضل عرض في الربع الأول من العام المقبل.
أما القسط الثاني فيُتوقع أن يعطي 200 ميغاوات. وأطلقت الشركة التونسية للكهرباء والغاز أول مشروع في هذا المجال في مايو الماضي في مدينة توزر الجنوبية، وهو يُنتج 10 ميغاوات، ثم مشروعا آخر بمحافظة قبلي (جنوب) سيُنتج 80 ميغاوات، وهي تجربة مع القطاع الخاص، سيتم تقويمها ودراستها لاحقا. وتشير التقديرات إلى أن تونس ستنتج ألف ميغاوات في حدود 2020، فيما يصل الاستهلاك في فترات الذروة إلى 4000 ميغاوات. مع ذلك تأمل تونس أن تنتج وتُصدر الطاقة الشمسية، في إطار مشروع الربط الكهربائي مع أوروبا، عن طريق إيطاليا، والذي تبــلــغ كلــفته التــقـــديرية 500 مليــون دولار، وسينقل 600 ميغاوات. وهذا المشروع قابل للمضاعفة، ومن بين أهدافه تحريك القطاع الخاص لكي يُباشر إقامة مشاريع مشتركة مع القطاع العام في هذا المجال.
ومن شأن الطاقة الشمسية والطاقة الهوائية، اللتين ستُغطيان نحو 30 في المئة من حاجات البلد في أفق 2030، أن تساعدا في إنشاء مشاريع في المناطق الداخلية، لأن إقامة حقول للواقط الشمسية وطواحين الريح لا تتطلب استثمارات ثقيلة من النوع الذي يتطلبه البحث والتفتيش عن النفط والغاز. وبتعبير آخر فإن هذه المشاريع تعتبر قاطرة للتنمية المحلية، بشرط توافر البنية الأساسية، وخاصة من الطرقات، وهذا ينعكس بدوره إيجابا في إيجاد فرص عمل جديدة، وإن كانت مشاريع الطاقة الشمسية تُشغل أعدادا كبيرة من العاملين في البداية ثم تتناقص حاجتها إلى الأيدي العاملة لاحقا. وأثبتت المشاريع التي أقيمت في تلك المناطق جدواها الاقتصادية، مثل إنتاج التمور في منطقة البرمة على مساحة 50 هكتارا، إضافة إلى خمس مناطق إنتاج زراعي أخرى.
شُبُهات فساد
يُعتبر قطاع المحروقات في العالم من أكثر القطاعات التي يكثر فيها الفساد والتي تقترن بقلة الشفافية وكثرة الرشاوى، بحكم ضخامة حجم المشاريع وأهمية الامكانات المالية. وفي أكثر من بلد، كان قسمٌ من الشركات النفطية العملاقة يطفو على سطح وسائل الإعلام بفضيحة من فضائح الفساد. وفي تونس لاحق القضاء بعد الثورة التي أطاحت الرئيس السابق زين العابدين بن علي ثلاثة من المديرين السابقين للمؤسسة التونسية للأنشطة النفطية في مايو 2014 وحقق معهم لشبهات فساد. إلا أن وزارة الصناعة آنذاك (التي كانت ترعى قطاع النفط) نفت وجود أية شبهات فساد في القطاع، بينما أوردت هيئة المحاسبات في تقريرها السنوي الرقم 27 أن شبهات فساد تحوم حول المسؤولين الثلاثة. وتجدر الاشارة في هذا السياق إلى أن بعض الشركات الأجنبية العاملة حاليا في قطاع النفط التونسي مُسجلة في بلدان تُعتبر ملاذات جبائية مثل جزر كايمان وبربادوس.
ومنذ سنة 2000 بات اختيار الشركات النفطية التي يُعهد لها بالمسح والتفتيش والحفر لاستخراج النفط والغاز موكولا إلى «لجنة استشارية» يرأسها مدير عام الطاقة في وزارة الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة (وزارة الصناعة سابقا)، ويتمثل أعضاؤها في عدد من المديرين العاملين في الوزارات ذات العلاقة، إضافة إلى ممثل عن المصرف المركزي، ما يعني أن البرلمان لم يكن ممثلا فيها. وسحب الدستور الجديد الصادر في 26 كانون الثاني/يناير 2014 تلك الصلاحيات من «اللجنة الاستشارية»، وحولها إلى لجنة الصناعة والطاقة في «مجلس نواب الشعب»، ما قد يحدُ من مزالق الفساد، وإن كانت الثغرات مازالت قائمة.
رشيد خشانة