تونس – «القدس العربي»: روعة قاسم مايزال خطر الإرهاب يؤرق مضاجع التونسيين رغم استعدادهم لتنظيم إنتخابات رئاسية وتشريعية تاريخية بعد أقل من شهرين ستخرج من خلالها البلاد من مرحلة الحكم المؤقت التي استمرت لأكثر من ثلاث سنوات. حيث سيختار التونسيون من سيتولى أمورهم لخمس سنوات مقبلة على أساس الدستور التوافقي الجديد الذي تمت المصادقة عليه في المجلس الوطني التأسيسي بداية هذا العام بعد مخاض عسير وتجاذبات بين مختلف الفرقاء، وهو الدستور الرابع في تاريخ تونس بعد دستور قرطاج، والحقبة الملكية لسنة 1861، ودستور «الجمهورية الأولى» لسنة 1959 والذي تم إيقاف العمل به بعد إنهيار نظام بن علي في 14 كانون الثاني/يناير 2011.
حل الجمعيات
وبالتوازي مع هذه الإستعدادات الحثيثة التي تشرف عليها الهيئة المستقلة للإنتخابات، تقوم رئاسة الحكومة من خلال ما يسمى «خلية الأزمة» داخلها بالتثبت من تمويلات الجمعيات المشتبه في دعمها للإرهاب. فبالإضافة إلى جهات خارجية تم الحديث عنها من قبل أكثر من مسؤول حكومي، دون أن يتم تحديدها، تقوم بدعم التنظيمات الإرهابية وتسهل نشاطاتها، كثر الحديث عن تورط جمعيات تونسية في ضخ السيولة المالية لهذه الجماعات وتسهيل نشاطاتها من خلال تجنيد الشباب للإنخراط في صفوفها.
وتقدر أعداد الجمعيات التي تم تجميد نشاطها حتى الآن بقرابة 300 جمعية تأسس سوادها الأعظم بعد «الثورة» التي أطاحت بنظام بن علي. فقد استغل بعض أصحاب الميول التكفيرية وبعض أصحاب السوابق العدلية، «المرسوم الثوري» لسنة 2011 والمتعلق بتكوين الجمعيات والذي منح الحق لمن هب و دب بتكوين جمعية، وخفف من الشروط التي كانت قائمة في السابق، على غرار ترخيص وزارة الداخلية، ليقوموا بالتجمع في إطار قانوني والنشاط دون رقيب أو حسيب. وزاد التمويل الأجنبي للجمعيات الذي لم يمنعه المرسوم المذكور، الطين بلة حيث تمكنت جهات خارجية من ضخ سيولة ضخمة لهذه الجمعيات ووجهت نشاطها بقصد أو بدونه باتجاه تخريب البلاد، وهو ما تفطنت له الحكومة بصورة متأخرة في نظر البعض، باعتبار الخسائر الفادحة في الأرواح التي لحقت بعناصر الجيش جراء غض الطرف في وقت سابق عن هذه التنظيمات التي وجدت الدعم من أطراف داخلية متعددة ومنها هذه الجمعيات.
إيقافات بالجملة
وفي إطار هذه الجهود تم الحديث عن إيقاف 1360 عنصرا وصفوا بأنهم إرهابيون في البيان الذي قدمه يوم الأربعاء الماضي وزراء الداخلية والدفاع والخارجية خلال مجلس الوزراء، كما أوقف وفقا لهذا البيان 367 فردا متـورطون في تســـفير الشباب التونسي إلى الخارج للقتال في بؤر التوتر تحت راية الجماعات التكفيرية، كما تم تسجيل 120 قضية في إطار مكافحة الإرهاب خلال شهر. كــمــا أكد البيان أنه رغم هــذه الجهود فإن التهديدات الإرهـــابية مازالت قائمة لكن ذلك لا يمنع من القول بأن هناك تحسنا في المؤشرات الأمنية خلال الأشهر السبعة الأولى من هذه السنة حيث عاد الوضع العام إلى ما كان عليه قبل سنة 2011، أي قبل إندلاع شرارة الثورة.
ويتفق الخبراء والمحللين مع البيان المشترك للوزراء الثلاثة فيما يتعلق بتحسن المؤشرات الأمنية، كما أن استطلاعات الرأي وعمليات سبر الآراء تذهب بهذا الإتجاه من خلال التأكيد على أن هناك شعورا عاما لدى التونسيين بتحسن الوضع الأمني. ويطالب البعض بضرورة العمل على تدعيم ما تم إنجازه في هذا المجال باعتباره غير كاف لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في أفضل الظروف خاصة وأن الحدود مع ليبيا مازالت مفتوحة على جميع الإحتمالات وكذا جبهة الشعانبي القريبة من الجزائر والتي باتت بحسب البعض موقعا متقدما لإستنزاف قدرات الجيش التونسي.
الإغتيالات السياسية
ولم تنف وزارة الداخلية التونسية مؤخرا وجود تهديدات بالقتل لشخصيات سياسية من الوزن الثقيل، إلا أنها أكدت على إحباط عديد العمليات من خلال القبض على عناصر كانت تخطط لاستهداف شخصيات سياسية وإعلامية وفنية. ومن بين السياسيين الذين تم الحديث عن إمكانية استهدافهم خلال الفترة الماضية رئيس الحكومة الأسبق ورئيس «حركة نداء تونس» الباجي قائد السبسي المرشح الأبرز لرئاسة الجمهورية، كما أن الناطق الرسمي بإسم «الجبهة الشعبية» وزعيم «حزب العمال الشيوعي» حمة الهمامي، مهدد بدوره ولا يتحرك إلا بحماية خاصة وفرتها له الدولة.
ويتفق الخبراء والمحللين على أن التخطيط لإغتيال رئيس «حركة نداء تونس» هدفه في الأساس هو إجهاض الإنتخابات والعملية السياسية ومسار الإنتقال الديمقراطي برمته. فرئيس الحكومة الأسبق ووزير خارجية بورقيبة شخصية ذات وزن معتبر ومؤثرة في المشهد السياسي رغم تقدمها في السن، وبالتالي فإن غيابها سيخلق حالة من الفراغ وعدم التوازن في الساحة السياسية على الأقل في هذه المرحلة التي تقفر فيها تونس أو تكاد من القيادات السياسية الشابة القادرة على أخـــذ المشـــعل بفعل سياسات النظام السابق.
ويشار إلى أن المؤسسة العسكرية وخـلال انتخـابات 23 تشرين الاول/أكتوبر 2011 ســاهمت في إنجاح هذا الإستحقاق الحر والـنزيه والشـــفــاف الذي لم تعرفه البلاد منذ عقود (أي منذ التـصــويت على اختيار نواب المجلس القومي التأسيسي الذي عهدت له مهمة إدارة البلاد وكتابة الدستور بعد الإستقلال في خمسينيات القرن الماضي)، لكن هذه المؤسسة في مواجهة اليوم مع عدو جديد، هو الإرهاب، الذي لم يكن باديا للعيان في سنة 2011، وهو ما سيؤثر سلبا، بحسب كثير من الخبراء، على استعدادات الجيش لهذا الإستحقاق التاريخي الهام الذي ستشهده تونس.