■ لما كانت طائرة الخطوط الملكية توشك على الهبوط على مدرج المطار الرئاسي بتونس، قادمة من الرباط وحاملة عاهل المغرب في اولى زياراته للبلاد، منذ الاطاحة قبل ازيد من ثلاثة اعوام بالرئيس المخلوع بن علي، كانت وكالة الانباء الجزائرية تذيع نصا لبرقية وجهها الرئيس بوتفليقة الى المشير السيسي يهنئه فيها بالفوز في الانتخابات، مطلقا عليه صفتي «فخامة الرئيس» و»الاخ العزيز» من دون انتظار الاعلان الرسمي والنهائي عن النتائج.
التزامن بين الحدثين لم يكن خاليا من الدلالات، فكل من تتبع مسار التحولات التي حصلت داخل اجزاء واسعة من تلك المنطقة الممتدة من شمال القارة الافريقية حتى اطراف الساحل والصحراء، صار بوسعه ان يدرك بوضوح تام ان هناك تبادلا محموما للاشارات المكشوفة حينا والمشفرة احيانا اخرى بين اللاعبين الكبار داخل عواصم الاقليم. تلك الاشارات عمقت احساسا قديما بان عاصفة المحاور التي انكسر بريقها ووهجها في وقت من الاوقات هي الان في الطريق لتضرب بعمق وقوة وتجر الجميع، إما طائعين أو مكرهين الى دوامتها المجنونة التي لا تستقر على حال او ترسي على بر. في الوضع الرخو الذي يسميه الساسة انتقالا ديمقراطيا، ويصفه الناس بالشتات المربك والمخيف يدرك الجميع تقريبا داخل تونس ان قدرة البلد على التحمل محدودة وطاقتها على الصمود طويلا بوجه التدخلات والضغوطات ليست عالية او مفتوحة بلا سقف او حد. صناعة التوافق حتى لو كان هجينا واصطناعيا، كانت الدليل على وصول اطراف الداخل الى تلك القناعة المؤلمة للبعض والسعيدة للبعض الاخر، لكن بصمات الخارج لم تكن لتغيب او تخفى فما يدور غالبا خلف الابواب الموصدة ومن وراء الستار ليس هو بالضرورة ما يخرج بعد ذلك الى العلن امام عدسات الصحافة والاعلام. وربما من اجل ذلك كانت خيبة التونسيين كبيرة بعد كل الوعود وخطابات الدعم الورقي التي قدمها لهم الاشقاء والاصدقاء في مهرجانات الاسناد الكلامي للجنين الديمقراطي، فلا شيء بامكانه ان يقنعهم على سبيل المثال بأن جارتهم الكبرى التي تسبح على بحر من الثروات البترولية وتسجل فائضا خياليا في ميزانيتها، لن يكون بوسعها انتشالهم من مأزق الانحدار الاقتصادي ولا شيء كذلك يمكنه ان يبرر لهم تقاعس الغرب، بل تواطؤه في تحصين الاموال المنهوبة التي هربها نظام بن علي الى الخارج تاركا كل الحكومات التي استلمت السلطة من بعده في موضع الانتحاري الذي لا مفر له من الاكتواء بنار صندوق النقد الدولي التي لا ترحم. وقد لا يحتاج الامر لكثير من العناء او التفكير للخروج باستنتاج بسيط وهو ان كل هؤلاء لا يرغبون في الواقع في دخول بلد عربي صغير ومحدود الموارد الى نادي العمالقة الديمقراطيين. ينسى الجميع في زحمة الحماسة والعواطف ان التقاء مريبا في المصالح هو ما يصنع الحواجز السميكة ويضع الاسوار العالية بوجه الاحلام والطموحات.
فمن تجمعهم نفس الاهداف والغايات لا يرون تونس الا بلدا تحت السيطرة ماضيا وحاضرا وفي المستقبل، ومجرد التفكير في كسر تلك القاعدة يقابل بالنسبة لهم وعلى الفور بالضغط والاستنزاف. يتدخل الاعلام هنا ليقلب الادوار ويخلط الاوراق فتقدم تونس على انها تهديد للجزائر ولاستقرارها ونجاحها الامني الباهر، ويصور الارهاب على انه مجموعة اشباح تتحرك ليلا من قمم وسفوح الجبال واليها لتضرب السلطة وتقوضها، وان عودة الهدوء والسكينة لن تكون سوى باطلاق يد النظام لملاحقة المشبوهين والزج بهم في السجون.
يدخل السلاح من الجارة الجنوبية ليبيا ولكن من يقبض عليهم او يعلن عن تورطهم هم باستثناء التونسيين، جزائريون في الغالب ولا وجود لليبيين من بينهم، ومع ذلك فما يثير الرعب داخل تونس هو ما يحصل من انفلات داخل ليبيا لا ما يجري وراء الحدود الجزائرية، فالتنسيق بحسب المسؤوليين على الجانب الجزائري من الحدود في اعلى الدرجات وافضلها. ولا شيء خارج تلك الدائرة الضيقة والمحدودة وربما من اجل كل ذلك كان الفتور واضحا في استقبال ملك المغرب، رغم حرصه على ان يجلب معه كتيبة من رجال المال والاعمال، فضلا عن نسبة مهمة من فريقه الحكومي. وهناك عنوان بارز اختارته صحيفة محلية للتعليق على الزيارة قد يلخص حالة الارتباك والتخبط التي سببها التوقيت، حيث كتبت على احدى صفحاتها «مرحبا بالعاهل المغربي.. لكن الظروف الاقليمية غير مناسبة». ولعل ما قصدته الصحيفة هو نفس ما ظل يروج له شق مهم داخل الحكومة وخارجها من الا حل لمشاكل وازمات تونس الا مع الجزائر وبها.
في كلمات العاهل المغربي ادراك جيد لتلك الرؤية ورده لم يكن بحاجة لمزيد من التأويل فهو صرح بالا احد بامكانه ان يحفظ أمن المنطقة وحده. لا يقدم المغرب هنا نصائح لاجل عيون الديمقراطية بالطبع، وهواجس المحاور والخلافات القديمة والجديدة تظل حاضرة بقوة لكن خارج التنسيق الامني الذي وصفه وزير الداخلية المغربي بانه يشمل كل شيء والعرض المغربي بتكوين مئة إمام بعد ان بدأت حكومة جمعة عملية استرجاع المساجد التي وقعت سابقا تحت سيطرة متشددين، والاتفاقات التجارية والمالية، هناك ورقة اضافية تلقي بها الاقدار امام التونسيين للمناورة وتوجيه بعض الرسائل القصيرة للجار الكبير وهي، ان ضيق الجغرافيا قد لا يكون حائلا امام رحابة الحاضر والمستقبل، وان كسر الجمود الذي يطوق المغرب العربي والذي دعا له ملك المغرب لن يكون مثمرا ما لم يكسر جمود آخر في العلاقات التونسية الجزائرية. بالاعلان عن برقية التهنئة وبداية الحديث عن محور جديد قديم بين الجزائر والقاهرة يكون رد الجنرالات في قصر المرادية هو انهم الاكثر وزنا وتأثيرا في المنطقة. أما في تونس التي تسير بقلب رئيس يخفق للمغرب وعقل حكومة تهفو للجزائر، فلا احد يعرف كيف ستمر عاصفة المحاور وهل ستنتزعها وتلقي بها في جحيم الموالاة والعداوة، أم انها ستحسن الانحناء الجيد لها في الوقت المناسب حتى تمر بسلام وتتحول توافقاتها الداخلية الى نجاحات تنعكس على محيطها المشوش والمضطرب؟ وحدها الايام القادمة قد تاتي بالجواب.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية