لا نعلم إن كان يتعين علينا أن نستعجل موعد الانتخابات التشريعية لينتهي الكابوس الذي نعيش على وقعه و الذي انطلق قبل أسبوعين مع حملة بدأت باهتة باردة برود الثلج و تحولت إلى مسرحية هزيلة على مختلف المستويات بدءا بمسلسل التزكيات المشبوهة للمتنافسين على كرسي قرطاج و شراء للاصوات و مزادات علنية في سوق بورصة الأسواق الشعبية و ما اثاره كل ذلك من تساؤلات مشروعة ان كان السباق الانتخابي الذي بدأ على وقع الغش يمكن أن ينتهي بدون تزوير , كل ذلك مرورا بعدد لا يستهان به من رؤساء القائمات و ما تخللها من تنافس على الرداءة و الإفلاس في تقديم ما يمكن أن يشد الناخب أو يخرجه من حالة العزوف و التردد التي يغرق فيها وصولاً إلى الحرب المعلنة بين المال و الاعلام و السياسة مع دخول الحملة محطة جديدة من استعراض العضلات و التسابق في كشف الإمكانيات المادية و اللوجستية للأحزاب الكبرى المتنافسة على البرلمان المقبل في تناقض صارخ مع قائمات و أحزاب لم تتوفر لها إمكانية التواجد على المساحات المخصصة لعرض أسماء مرشحيها .
لم يعد خافيا أنه عندما تطوى صفحة الانتخابات التشريعية سنكون قد رأينا وخبرنا العجب العجاب و سنكون قد سمعنا من النخب السياسية ما يمكن و ما لا يمكن توقعه من التصريحات و المناورات و الحيل و الخداع مع انفلات كل الضوابط و سقوط كل الخطوط الحمراء و سنكون قد رأينا كل أنواع الشعارات و الرموز الانتخابية من خضر وغلال بكل المواسم إلى وسائل النقل والطيور وحتى أدوات الطهي حسب قدرات كل طرف من الأطراف الخيالية والإبداعية ولكن أيضا المالية وهنا مربط الفرص ولب المعركة بين المقتدرين و غير المقتدرين و ما بينهما , و سنكون قد سجلنا أساليب اللعب الانتخابية النظيفة و غير النظيفة و الانتقائية غير المنصفة .
و سنكون قد سجلنا مع هذه الانتخابات دخولنا عصر الطائرات من دون طيار لتصوير التجمعات الشعبية لاحد الاحزاب الكبرى بعد لجوءها طبعا إلى واحدة من اكبر وكالات الاشهار الامريكية لتلميع صورتها في الخارج , و طبعا ليس مهما في شيئ حجم تكاليف الحملة و لا من أين تأتي التمويلات و لا كيف تحول إلى الخارج و ما اذا كان للبنك المركزي علاقة بالأمر أم لا و لكن المهم أن نسوق لوجه الحزب الذي فاز بالمرتبة الأولى في الانتخابات السابقة لدى الغرب الذي يأمل بدوره في أن يساعد التحول الحاصل في مواقف و توجهات اسلاميو تونس مهد ثورة الكرامة الشعبية بعد أول تجربة لهم في السلطة في التأثير على مواقف و توجهات الاخوان في بقية دول الربيع العربي التي تحول المشهد فيها إلى شتاء عاصف مع انهيار مؤسسات الدولة وغياب القانون ليحل محله الفوضى الهدامة و ما يمكن أن يرافقها من انتشار للجريمة و الفساد وسلطان المافيا .
و لا شك أن الأيام المتبقية من عمر الحملة الانتخابية تحمل لنا معها المزيد و تسقط ما بقي من اقنعة تتستر بها النخب السياسية و كأنها تصرعلى أن يظل الناخب متوجسا حائرا متخوفا زاهدا و مترددا إزاء عملية الاقتراع و في البال ما التصق بالعقلية التونسية «شد مشومك «و كأن كل تغيير مجازفة و سقوط في فخ المجهول و هو طبعا منطق خاطئ فرضته بعض العقليات المتشبثة دوما بما هو قائم .
طبعا الحملة الانتخابية الرئاسية بدورها لم تنتظر انتهاء التشريعية فقد انطلقت بشكل مبكر وتداخلت معها الاحداث بشكل يكرس القناعة بأننا مقبلون على حملة تشويه وقودها الفضائح و الاتهامات و صراع الخطب الهستيرية التي تكشف شخصية أصحابها الهشة و الخوف من فقدان السلطة و ما خلفته لدى أصحابها من غرور و نرجسية و لكن أيضا من اغراءات تجعلها تتخبط لمجرد التفكير في أنها قد تفقدها في كل حين .
حتى الان ما لمسناه من الحملة الانتخابية الفاقدة للنكهة أن كل الكلمات قد فقدت معناها و أضحت بلا روح و تحولت إلى مجرد شعارات فضفاضة لا يبلغ صداها مسامع الناخب المنصرف إلى مشاغله اليومية بعد أن أصابه ما أصابه من قرف فكل بروباغندا أو دعاية سياسية فنونها و أدابها وعقليتها ولكن أيضا أخلاقياتها و لكن هذا ما بتنا و للأسف نفتقر اليه .
آسيا العتروس ـ إعلامية تونسية