تَهانٍ إسرائيلية في رمضان… الإعلام المصري ملك برامج الردح… وقتال الممانعة على أرض اليونان

حجم الخط
2

من الآن فصاعداً، يستطيع أي من خصومك أن يتتبع صورك الشخصية ليعثر بينها على يد مرفوعة بأربعة أصابع، حينها ستكون قد وقعت متلبساً بالجرم المشهود على أنك تنتمي إلى جماعة «الإخوان المسلمين»، حتى لو لم تكن مصرياً، بل حتى لو كنتَ كندة علوش، الممثلة السورية التي تعمل منذ سنوات في أعمال تلفزيونية وسينمائية مصرية.
بالنسبة للإعلام المصري كان كافياً أن ترفع علوش أربعة أصابع (شعار رابعة) كي يقيم الدنيا ولا يقعدها. لا ندري أية مصادفة جعلت الفنانة ترفع أصابعها في تلك الصورة، ربما هي نفسها لم تعد تتذكر، لكن عموماً جاء الرد سهلاً من بعض المدافعين عنها، حيث استعادوا صوراً للرئيس السيسي نفسه، رافعاً أربعة أصابع، وغيره كثر. فحسب قوانين الاحتمالات قد يصدف أن يرفع المرء أربعة أصابع من أصل خمسة مئة مرة في اليوم.
إنها حرب ضروس تلك التي تقع حول الرموز والأعلام والألوان. يستطيع الناس أن يتحاربوا إلى ما لا نهاية وهم يتمترسون خلف حرف أو رمز أو علم، ستكون تلك خلاصتهم، وخلاصهم، كما يعتقدون هم على الأقل، أما أن يموت المرء بسبب إصبع رفعها بالمصادفة فسيصبح الأمر حينها نوعاً من الهزل.
مرة، في تظاهرة فرنسية ضد التضييق على الحجاب، رُفعت لافتة، سؤال يقول «هل نستطيع أن نرتدي الأصفر؟»، بمعنى أن الناس كانوا يسألون الحكومة، على سبيل التهكم، إن كانت تسمح لهم بارتداء اللون الأصفر، الذي يصادف أن يكون رمزاً دينياً مقدساً عند الصينيين والهنود.
مرة بعد مرة، تزداد حيرة الكائن؛ أي لون يرتدي، أي علم يرفع، أي لغة يقول، أي أغنية، أي إصبع يرفع!

تَهانٍ وحشية في رمضان

من يشاهد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي يهنئ المسلمين بحلول شهر رمضان، مع ثلة من جنوده متحلقين حول المائدة باللباس العسكري، يظن أنه أمام مفتي إسلامي، لا عسكري يمثل واحداً من أكثر الجيوش وحشية. ظهر المتحدث مع بعض العسكريين الشبان متحلقين حول مائدة الإفطار، وقد أصروا أن يتحفوا عموم المسلمين في العالم بالتهاني والتبريكات والتمنيات بقبول صيامهم.
مشهد دعائي سمج لا يقنع، ينضح منه التمثيل والنفاق. في العمق هو مشهد للشماتة بالعرب والمسلمين، لقد بلغت بهم الفرقة والأحقاد إلى أحد أن أعداءهم التاريخيين باتوا يتمنون لهم الشفاء وصلاح الأحوال.
لكن ألا يدفعنا ذلك للتفكير قليلاً؟ نجد الإسرائيليين اليوم عبر شاشات التلفزيونات العربية يستأنفون كلامهم بعبارة «رمضان كريم»، وبرسائل التعقل والمحبة والتسامح، في وقت يرشق التلفريونيون العرب بعضهم بقوارير الماء والصفعات والكراسي. هذا هو الوضع الذي ينبغي أن يقال معه إننا في قاع هاوية تلفزيونية سحيقة.

«شو» كثير وكلام قليل

«برامج الردح»، هذه ليست شتيمة، إنها تسمية معروفة لبرامج «التوك شو» المعتمدة على مواجهات حادة بين خصوم من نوع خاص تجمعهم الشاشة قسراً، مثلاً عندما يجمع المذيع زوجة هاربة مع زوجها، أو حين يجمع امرأتين ضرتين، سرقت إحداهما زوج الأخرى. نعرف جميعاً أن ليس هناك أسوأ من شتائم الأزواج السابقين، لأنهم خير من يعرف الخفايا.
برامج «التوك شو» العربية ليست بعيدة عموماً عن صيغة «برامج الردح»، إننا غارقون تقريباً بهذا النوع من البرامج. لكن لا بد أن نعترف للأشقاء المصريين بالريادة في «الردح»، هل شاهد أحدكم المذيع عمرو أديب وهو «يردح» لمذيعة «الجزيرة» غادة عويس؟ دعك من الحجج، اقرأ فقط درجات الصوت، حركة الفم المتشدقة، والصراخ، لم يكن ينقص سوى يد على الخصر من المذيع، كان ينقص فقط أن «يتَخَصْور» المذيع للمذيعة، مع التعبير الشهير «ما يُحْكُمّشي».

والعدل في الأرض

سرّ رواج الفيديو الذي تتعرف فيه قاضية أمريكية في المتهم الواقف أمامها على زميل دراسة في الطفولة ليس واقعية المشهد، بل اقترابه من أن يكون ذروة في عمل درامي. لم تتعال القاضية على المتهم، لم تسئ إليه، وبالعكس، قالت له إنه كان من أكثر الزملاء لطفاً. الجريمة ليست قدراً إذاً، ليست طبعاً، أو صفة تأتي بالجينات.
إنه نوع من التقدير والفهم من قبل القاضية لأحوال الناس وتقلباتهم ولما يمكن أن يمروا به. بكى المتهم بشكل مؤثر حين سمع ما قالت له القاضية، زميلة الطفولة. مشهد كان علينا أن ننتظر ثلاثين حلقة درامية تلفزيونية سورية أو مصرية كي نصل إليه.
هناك سرّ آخر لرواج المشهد؛ في بلادنا خصوصاً لا يمكن أن يحدث ذلك، لا يمكن أن يتحرك القاضي كي ينظر في ملامح المتهم، في عينيه، إنه بالنسبة له أوراق جامدة، هذا بالطبع إذا افترضنا النزاهة أساساً لدى القضاة في بلادنا المحكومة بالطغاة والمستبدين والمتوحشين. العدلُ لا يُبكي الجنَّ في أصقاع الأرض كلها، في بلادنا فقط.

«سيلفي» على مين؟

نشر شادي حلوة، أحد مراسلي النظام السوري الميدانيين، صورة «سيلفي» له مع ثلاثة من الأسرى الذين وقعوا بيد النظام، طبعاً بدا المراسل فخوراً وشامتاً ومنفوخاً أكثر من اللازم، لم يقل أحد للمذيع إن ظهور الأسرى تلفزيونياً وتصويرهم من المحرمات الإعلامية، فما بالك حين يتقصد المذيع أن يظهر في الصورة مع عبارة تقول «سيلفي، والإرهابيون خلفي». حين تنظر في العمق، نحو الأسرى الثلاثة، لن تكون إلا مشفقاً، أي بطولة يا شادي، وأي صيد إعلامي. «سيلفي» على مين؟

القتال على أرض اليونان

باتت صورة جيورجوس، المواطن اليوناني الذي بكى أمام البنك حين لم يعطه ما يكفي لعلاج زوجته، كما تناقلت الأنباء، اختصاراً لكل الأزمة اليونانية. إنها صورة الشعب، المعدم، الفقير، ضحية استعباد ووحشية الاتحاد الأوروبي. هكذا بات على فقراء العالم أن يقولوا «لا» مع القائلين، لوحشية الاتحاد الأوروبي.
أراهن أن الكثيرين لم يعرفوا تفاصيل مأساة اليونان، إنهم مأخوذون بشعارات روجت لكرامة الشعب التي اختصرت في تلك ال «لا» الكبيرة، إننا نعادي سلفاً كل ما فيه شبهة المال، وعلينا أن نقف عن ظهر قلب مع حكومة تزعم الوقوف يساراً، من دون أن ندقق في شبهات الفساد، لم نتعلم من فساد الاشتراكيات العنيدة المجاورة المنهارة للتو. شيء ما يذكر بشعارات قديمة عن كوبا، من قبيل «على هذه البقعة من الأرض يتحدد مصير الشيوعية في العالم».
أكثر ما يلفت أن يتعاطى الممانعون، من هم اليوم في محور النظام السوري والإيراني، كما لو أن اليونان جزء من معركتهم الخاصة. لقد علمتنا التجارب أن علينا أن نعد للمليون قبل أن نقف في المكان الذي تقف فيه أنظمة الممانعة.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية