ثنائية الأقضية والمحافظات: العمق الإداري المركزي للفراغ

حجم الخط
0

في القرن التاسع عشر، كان السبب الرئيسي الذي أعطاه القناصل ثم المؤرخون لانهيار نظام القائمقاميتين، المارونية الشمالية والدرزية الجنوبية، في جبل لبنان، هو وجود دروز في الأولى وموارنة في الثانية، وبالتالي تعذّر المطابقة الشاملة بين منطق الفرز وبين وقائع التداخل، رغم كون التداخل نفسه مستجيباً إلى حد كبير إلى منطق الفرز، ومتطلعاً لتحقيقه وانجازه. النتيجة كانت وقتها ليس فقط مجازر متبادلة، وتدخلاً أجنبياً، بل إعادة توحيد الجبل، بشكل أكثر مناسبة للموارنة، فالدروز كان يمتد وجودهم الديموغرافي متنياً إلى بيت مري، فانطلياس، وحتى نهر الكلب، في زمن القائمقاميتين، فاذ به يتراجع جنوباً بموجب الاحتراب والتدخل وقيام المتصرفية، في حين تجدد الوجود المسيحي في القسم الجنوبي من الجبل بشكل سريع، وعاد ليشكل الأكثرية الديموغرافية.
لو أمكن حلّ مشكلة التداخل السكاني واصلاح نظام القائمقاميتين هذا، والحيلولة بالتالي دون انفجاره، لربما تطورت الكيانية الجبل لبنانية في اتجاه فدرالي. لكن انفجار نظام القائمقاميتين دموياً، ومفارقة اعادة توحيد الجبل لمصلحة الموارنة بنتيجته، من خلال نظام المتصرفية، أطلق العنان للنزعة المركزية، ومعها للرغبة «التوسيعية». تقوى هذا الميل مع تعاظم دور الكنيسة المارونية في لبنان المتصرفية، بما تمثله من مؤسسة هرمية مركزية هي أيضاً. في المقابل، كانت أحوال ولاية بيروت لزاماً أقل مركزية، بما أنّ السناجق التي تتبع هذه الولاية متناثرة بين جبل العلويين وشمال فلسطين، ومفصولة عن مركز الولاية، بيروت، بالكتلة المركزية المستقلة ذاتياً، والمراقبة دولياً، التي شكلتها متصرفية الجبل.
الكيان الكولونيالي ـ الاكليروسي المشترك الذي أنشئ عام 1920، دولة لبنان الكبير، والذي تحول قبل تسعين عاما إلى الجمهورية اللبنانية في اواخر ايار/مايو 1926، تكريساً لانفصاله الكياني عن الهندسة الفرنسية التي كانت لا تزال في طور الاعداد والتجريب بالنسبة لباقي الدول السورية، نشأ من الجمع بين أقضية لبنان الصغير، المتصرفية، وبين مناطق متفاوتة في التوصيف الاداري، كانت تتبع ولايتي بيروت ودمشق، في حين أن أكثرية المناطق التي كانت جزءاً من ولاية بيروت العثمانية ستبقى خارج لبنان الكبير.
لو حصل دمج مثلاً بين ولاية بيروت مأخوذة كذلك، وبين متصرفية جبل لبنان مأخوذة كذلك، لربما كان بالامكان أن تطور التجربة باتجاه لامركزي بشكل أو بآخر، لكن ادماج مركز ولاية بيروت مع قسم قليل من مناطقها، مع المتصرفية، زائد الأقضية المقتطعة من ولاية دمشق خلط إلى حد كبير الحابل بالنابل، انما بشكل طيّع للنزعة المركزية، انما لنزعة مركزية تحمل سمة خاصة.
في السنوات الأولى لقيام دولة لبنان الكبير، ساد الالتباس واللغط حول التقسيمات الادارية غير المتسقة مع بعضها البعض، خصوصاً وان قسمة المتصرفية إلى أقضية في اطار مركزي يجمعها، كانت مختلفة عن توزع الولاية بين سناجق تنقسم إلى أقضية تنقسم إلى مديريات. بالتوازي، تنامي النزعة المركزية في تقاليد المتصرفية الادارية، كانت تقابله نزعة تناثرية لولاية بيروت.
في العشرينيات من القرن الماضي، لم يكن الموارنة قد بدأوا باستحسان كلمة «فدرالية» بعد. وكانت تثير عندهم هلعاً عندما تطرح، لأنها كانت تعني فدرالية سوريا يكون لبنان الكبير جزءاً منها، أو إذا طرحت داخلياً فمسعى لاعادة انفصال طرابلس والأقضية الجديدة لانضمامها إلى سوريا. كانوا من أنصار النزعة المركزية «اليعقوبية» لبناء الكيان الجديد، رغم كونهم في الوقت نفسه لا يؤثرون النزعة اليعقوبية فيما يتعلق بالطوائف الدينية، وتوزيع المقاعد والحصص تبعاً لها. هذه واحدة من مفارقات كثيرة رعتها الجمهورية الثالثة الفرنسية في عملية تكوين لبنان.
لكن دمج نطاقين مختلف التوزع الاداري بينهما لم يكن ميسّراً، واحتاج لتدبير مفتاحي جداً لفهم نموذج الدولة الذي تشكل في لبنان، بقدرته الفائقة على احباط محاولات تغييره، وقدرته المدهشة في نفس الوقت على ادارة حالة فشل كياني ونظامي وتوريثها من جيل إلى جيل.
في التاسع من نيسان/ابريل 1925 سدّد حاكم لبنان الكبير ليون كايلا ضربة نهائية للتقسيم الاداري العثماني الثلاثي المستويات الذي كان قائماً في الولايات (يراجع كتاب ادمون رباط «الدستور اللبناني»، بالفرنسية)، وأقرّ نموذجاً واحداً لكل التقسيم الاداري اللبناني: تقسيم بطابقين، الأقضية، ومجموعات الأقضية التي هي المحافظات.
الأقضية لها حيثية تاريخية رمزية أكبر من المحافظات، خصوصاً بالنسبة لمناطق الجبل. المحافظات تبدو مقارنة بها أكثر اصطناعية. أكثرها «حيثية» تبقى محافظة جبل لبنان، مع استمرار تعايش صعب بين مفهومين عن الجبل: المحافظة الادارية التي تحمل الاسم، وجبل لبنان «التاريخي» / المتصرفية الذي كان يمتد حتى جزين جنوباً، وزحلة شرقاً، وبشري وزغرتا شمالاً، ما يجعل محافظة الجبل، خصوصاً مع سلخ أقضية الشمال الماروني عنها وضمها إلى محافظة لبنان الشمالي، «جبلاً خارج نفسه».
لم يكن التدبير الذي اعتمده الحاكم ليون كايلا يتطلع للاستدامة كل هذا الوقت، لكنه تحول إلى أكثر شيء مستديم في تركيبة الدولة اللبنانية، حتى يبدو الأمر وكأن قسمة أقضية / محافظات لا فكاك منها. في الوقت نفسه فإنّ اتفاق الطائف الذي دعا في وقت واحد إلى اعادة النظر في التقسيم الاداري، والى اعتماد المحافظات كدوائر انتخابية بعد اعادة النظر هذه، والى انتهاج لامركزية ادارية موسعة، كان يفتح المجال لاعادة البحث في موضوع الهندسة الادارية للجغرافيا اللبنانية، ويضع العراقيل أمامها في آن، طالما لم تراجع في عمقها ثنائية «أقضية ومحافظات»، وهي ثنائية من مفارقاتها ان العاصمة بيروت، هي محافظة وقضاء في الوقت نفسه، في حين تتوزع باقي المحافظات إلى مجموعة أقضية.
الاقفال الذي يعاني منه النظام الدستوري والسياسي منذ سنوات حول موضوع القانون الانتخابي، والعجز عن التقدم باتجاه «اللامركزية الادارية الموسعة» التي قال بها الطائف (وهي مقولة ملتبسة نظرياً)، والعجز عن اعطاء أبعاد جغرافية اقليمية سوية للسياسات وأيضاً للخلافات الداخلية، كل هذا يرتبط في مكان ما، بهذه الثنائية التي أقامها كايلا عند دمج نظامين اداريين، واحد يعني متصرفية الجبل، والثاني يعني المناطق المسلوخة من ولايتي بيروت ودمشق، بما فيها مدينة بيروت نفسها، دون أن تكون هناك حيثيات معاشة لهذه المحافظات، ما خلا الجبل، الذي ذوب شماله وجنوبه وشرقه في المحافظات الأخرى، وتحول غربه إلى ضواح محيطة ببيروت، بل إلى مدينة أكبر من بيروت وتبتلعها بمعنى من المعاني (هذا وقد انتقل القصر الجمهوري من داخل العاصمة إلى خارجها، اي إلى الجبل / بعبدا، في مرحلة ما بعد الاستقلال).
في الوقت نفسه، قوانين الانتخاب التي اعتمدتها الوصاية السورية في لبنان التسعينيات مالت لاحياء «لامركزية الجبل»، احياء نظام القائمقاميتين، لجعل الزعامة الدرزية سيدة الموقف جنوب الجبل (الشوف وعاليه)، وتحكيم «مجتمع الأعيان» على القسم الشمالي من المحافظة، فكانت الانتخابات تعتمد القضاء، أو قضائين معاً، كدائرة انتخابية في الجبل، والمحافظة في باقي المحافظات. مع تنويعات عجيبة من قانون لآخر عشية كل استحقاق، لاضعاف فريق وتقوية آخر.
الثابت في زمن الوصاية كان استعادة منطق «القائمقاميتين» لاخضاع مسيحيي الجبل، وبالاستفادة طبعاً من الأحقاد القديمة وتلك التي طورتها الحرب. كان ذلك قبل «مصالحة الجبل» التاريخية عام 2001، بين الموارنة والدروز، لكن هذه المصالحة لوحدها، من دون اعادة النظر في منطق التقسيم الاداري، وليس فقط في توزيع التقسيمات، ادارية كانت ام انتخابية، لا يمكنها أن تقدّم «الحل الجبل لبناني» للمسألة اللبنانية، علماً أن حلّ هذه المسألة أن يكون جبلا لبنانياً اولاً، او لا يكون، ما دامت «الأقضية»، أي فلسفة الترابط ذات السمة التقليدية، بين الناس والأمكنة، التي تطورت في جبل لبنان المتصرفية، هي التي سادت الجغرافيا اللبنانية ككل، في حين شكلت فكرة «المحافظات» ضروباً من الفصام والافتعال المؤاتية للتطور غير الاجتماعي وغير البيئي للتجربة اللبنانية.
هذه الثنائية «أقضية ومحافظات» هي العمق الاداري لنموذج من اللامركزية، لمتصرفية مسكونة بكوابيس القائمقامية، ومعطلة لذاتها بذاتها أو معطلة للكل من طرف الجزء، والتي تبدو قوية المراس على الاستمرار هكذا لوقت طويل.

٭ كاتب لبناني

ثنائية الأقضية والمحافظات: العمق الإداري المركزي للفراغ

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية