أجمل الأخبار من هوليوود تلك العريضة التي وقعها أكثر من 50 ألف ممثل بديل «الدوبلير»، مطالبين بالاعتراف بهم، كفئة منافسة بين فئات جوائز الأوسكار. هؤلاء الذين يبثّون الحياة بصفحات مكتوبة، وبسببهم يذهب الناس إلى السينما، كما يقول بهلوان له باع طويل في المصلحة. عامة الناس يعجبها في السينما، ويشدها إليها، تلك المشاهد التي لم يقو عليها بطلهم ونجمهم المحبوب، وغالباً ما يلعب المشهد ممثل بديل، مغمور، مجرد ساعٍ إلى الرزق، بلا وجه، ولا صوت، ولا اسم.
تذكرت «ثورة الكومبارس» السوريين. وكان هذا عنوان حلقة من السلسلة الكوميدية التلفزيونية المعروفة «بقعة ضوء». كان هؤلاء هم عديد الشعب، أولئك الذين يروحون ويجيئون في أسواق المسلسل من دون أن يشتروا شيئاً لأنفسهم، العمال الذين يوصلون موائد الطعام الفاخرة من دون أن يتذوقوها. هم الجثث المرمية في ميدان المعركة. هم الخاسرون. هم الذين يرفعون أيمن زيدان وسلوم حداد وسوزان نجم الدين إلى ظهور خيل يخاف ركوبها هؤلاء النجوم، لكنهم مع ذلك يظهرون وكأنهم فرسان أزمانهم. العمال المياومون، الذين لن يحصلوا إلا على سندويشة فلافل وخمسمئة ليرة سورية (ما يساوي عشرة دولار أيام الدراما الذهبية)، ووعد بأنهم سيبقون على قائمة المنتج. في النهاية، سيكون هؤلاء أول القتلى في الواقع، حين تقوم الثورة في بلدهم، لأن النجوم الأصليين وقفوا مع القاتل، فقط لأنه وعدهم بدور البطولة. لقد حان الوقت لنقول يحيا الكومبارس، من مات منهم، ومن بقي على قيد الحياة. يحيا صنّاع الحياة.
ليس مفاجئاً نزول أنصار «حزب الله» ومحبي حسن نصرالله إلى الشوارع بعد حلقة «أم بي سي» الساخرة عن نصرالله، كذلك هتافاتهم الطائفية والبذيئة، فتلك مشاهد مكررة، سبق أن شوهدت في بيروت، وفي أمكنة عديدة من سوريا لمقاتلي الحزب. لكن اتهام الإعلامي نديم قطيش، صاحب برنامج «دي أن أي» على قناتي «المستقبل» و«العربية-الحدث»، بأنه هو من قلّد نصر الله في تلك التمثيلية التلفزيونية التي طيّرت عقول الحزب وأنصاره، كان مضحكا للغاية.
قطيش نفسه رد عليهم بالقول، وما الذي كنت أفعله من ثلاث سنوات؟ هل كنت أضع قناعاً؟! وهو يشير إلى برنامجه الذي سخر فيه مراراً وتكراراً من نصرالله، بل بدا أن البرنامج لا عمل له سوى تلك السخرية من «السيد» ومواقفه وخطاباته وتحليلاته.
فما الحكاية؟ هل يريد ذاك الجمهور أن يقول إن نصرالله لا يجوز تجسيده في عمل فني! أم أن هناك غضباً سينفجر عند أي احتمال؟
لقد مضى ذلك الزمن الذي كانت ترفع صور ذلك الرجل في عواصم عربية عديدة، الآن ما بيد المقهورين، ضحايا «حزب الله» ومن يقف وراءه، إلا سلاح السخرية، ومن الواضح أنها السلاح الأمضى في وجه الطغاة والقتلة. وهذا أضعف الإيمان.
التلفزيون الجزائري أوقف مذيعاً عن العمل لأنه ذكر اسم الرئيس بوتفليقة من دون ألقابه المعتادة، من قبيل «سيادة»، أو «فخامة». لم يكن محقاً بالطبع ذلك المذيع، فما الرئيس، في تلك البلاد، غير هذه الألقاب؟!
لا أدري لماذا أتذكر بالذات فيديو رئيس الوزراء الهولندي وهو يمضي إلى عمله بالدراجة الهوائية، مخترقاً الزحام وشوارع المدينة، لا شك أنها ليست رياضة وحسب بالنسبة له، هي بالتأكيد فرصة أن يعيش الحياة كما ينبغي. أسواق وبشر وازدحام. لا أتخيله سيعتب على صحافي كان يهرول وراءه للتو، وسقط منه سهواً أن يقول «سيدي الرئيس».
هذه الأوهام والألقاب عربية خالصة، وليس غريباً أن تجد الأمر ينسحب حتى على الناس العاديين، الذين يفضلون التمسك بالألقاب.
على هؤلاء الحكام التريث قليلاً، إلى ما بعد التخلي عن الكرسي ليعرفوا أي ألقاب حقيقية يستحقون. انظروا كيف أنهم سرعان ما يستحقون لقب المخلوع والمحكوم والمجرم والمطارد.. ذلك ما يبقى للتاريخ.
منذ الاستقالة التاريخية للزعيم جمال عبدالناصر، إثر هزيمة العام 1967، وخروج الجماهير المصرية في اليومين التاليين مطالبين إياه بعدم التنحي، خرجت جماهير كثيرة بعد ذلك، مراراً، مطالبين زعماء آخرين بعدم التنحي، لقد فعلها أيضاً الرئيس المطارد علي عبدالله صالح، استقال وأومأ لحزبه كي يخرج في اليوم التالي كي يهتف مطالباً بعودته. الرئيس محمود عباس لم يضطر للاستقالة، هو فقط هدد ولوح بإعلان استقالته فخرج عليه الشرق والغرب مطالبين إياه بالبقاء.
النقيب هاني شاكر، نقيب الفنانين المصريين، كذلك الأمر، لقد استقال أخيراً، بسبب الهجوم الإعلامي الشرس الذي ناله حين أبلغ وزارة الداخلية عن «حفلات ميتال يروج أصحابها لطقوس عبادة الشيطان».
فكان أبو الليف (مطرب) أول المطالبين بعودته عن الاستقالة. أرسل له يقول «أنت ربنا بعتك للمرضى والغلابة والأيتام، وبنرجوك ترجع عن قرارك، وبشكرك على وقفتك ووقفة مجلس النقابة معي، ولن أنسى هذا الموقف أبداً، أنا اتكتب لي عمر جديد».
هذا في وقت نظم عدد كبير من الموسيقيين، وعلى ذمة صحف مصرية، وقفة احتجاجية أمام نقابة الموسيقيين في وسط البلد تنديداً بمهاجمة الإعلام لهاني شاكر. كما قام أعضاء مجلس النقابة بتقديم استقالة جماعية والتهديد بدخول اعتصام مفتوح في حالة عدم تراجع هاني عن القرار.
لكن شاكر عاد عن استقالته بالطبع، كيف له أن لا يعود وكل هذه الحشود تنادي، كيف، وهو أساساً خاض تلك الحرب الدموية حتى وصل إلى مكان يدافع فيه عن تلك الحشود.
كاتب من أسرة «القدس العربي»