جائزة مصرية لفيلم سوري رسمي… هل استحق «أنا مع العروس» ذهبية «الجزيرة»… و«ملك الخواتم» في محكمة تركية

حجم الخط
2

يبدو أن المخرج السينمائي السوري الشاب جود سعيد صدّق فوزه بالجائزة الأولى في مسابقة «آفاق السينما العربية» إحدى تظاهرات «مهرجان القاهرة السينمائي»، وهو العارف جيداً آلية توزيع الجوائز في بلادنا (وفي غير بلادنا أحياناً)، فليس غريباً أن تكون جائزة فيلمه في الدورة الأخيرة من المهرجان استجابة لتوجيه سياسي، كما كانت مشاركة الفيلم من الأساس بتوجيه أراد أن يرفع الحظر عن الأفلام الآتية من دوائر النظام السوري.
سعيد بدا، حين سئل عن مقاطعة الفيلم السوري في المحافل السينمائية في السنوات الأربع الفائتة، منتشياً بعودة تلك المحافل إلى رشدها، وبدا واثقاً كذلك من استمرار تهاوي أحجار الدومينو أمام الفيلم الرسمي.
سعيد قال إن المقاطعة جاءت «بحجج كثيرة، منها أن هذه الأفلام تموّلها الدولة! الدولة ذاتها – وما من شيء تغير في آلياتها وسلوكياتها – موّلت جلّ تاريخ السينما السورية، فكيف نقبل بذاك قديماً ونرفضه حالياً؟ أكرر أنها الدولة ذاتها، تجرّمونها في حماة مثلاً قبل عقود وتقبلون تمويلاً منها في السنوات اللاحقة!»
الرجل لم يقل كلاماً محقاً كما يقول الآن. نعم، إنها «الدولة» ذاتها، التي ارتكبت «حماة»، وترتكب ما ترتكبه اليوم من فظائع روعّت العالم شرقاً وغرباً، ومع ذلك تحظى بجوائز وأبواب مفتوحة ووعود بالمزيد. أنت من يقول الآن إنه النظام نفسه، منذ أكثر من أربعين عاماً وأكثر، فكيف يقاطعه العالم هنا، ويصفح عنه هناك.
إنه العالم الأعمى يا سعيد، العالم الذي سمح لرواندا أن تحدث، ثم أمضى السنوات التالية يقرّع نفسه بالقول «لن يحدث ذلك ثانية أبداً»، تماماً كما قال مع بداية الثورة السورية «إن حماة لا يمكن أن تتكرر». إنه العالم نفسه الذي يصفق لفيلمك المعنون بـ»بانتظار الخريف» في تلميح تهكميّ من الربيع العربي.
لم يقيض لنا بعد مشاهدة الفيلم، لكن من الواضح أنك لم تخف مرة مساندتك للنظام لآخر حدّ، أنت أبرز الناطقين باسمه، وبالتالي لا يمكن أن يأتي من عنده فيلم ينتصر للإنسان.
نتذكر الآن تلك العبارة اللامعة التي افتتح بها كاتب لبناني راحل مقالاً له عن فيلم «لائحة شندلر»: «فيلم ستيفن سبيلبرغ «لائحة شندلر» سيىء، لأنه جيد الصنعة، ويقدم رؤية محرّفة ومغلوطة لمحرقة اليهود، ولأنه يقيم صلة غائية بين هذه المذبحة وقيام دولة اسرائيل».
أرأيت؟ فيلم ينتصر للقاتل لا يمكن أن يكون فيلماً جيداً. أرأيتم يا أشقاءنا المصريين؛ فيلم ينطق باسم نظام البراميل لا يمكن أن يستحق جائزة، حتى لو كان حسن الصنعة.

ذهبية «الجزيرة»

حاز فيلم «أنا مع العروس»، لمخرجيه أنطونيو أوجوجليارو وجابرييل ديلجراندي وخالد سليمان الناصري، على ذهبية «مهرجان الجزيرة الدولي للأفلام التسجيلية»، الذي انعقد أخيراً في الدوحة. صحيح أنه فيلم مؤثر، وهو يصور رحلة وصول لاجئين فلسطينيين سوريين عبر البحر إلى السويد، لكنه فيلم بزوائد كثيرة. فيه الكثير من المشاهد التي تعصر القلب، لكن فيه أيضاً كثيراً من الثرثرة والترهل.
كان يمكن له أن يحوز جائزة ما، ليس ذلك بالمفاجئ، لكن أن يعطى الذهبية بوجود فيلم عامر شوملي «المطلوبون الـ18»، الذي يسجل نضال بيت ساحور الفريد ضد الإحتلال الإسرائيلي في الانتفاضة الأولى، فهذا ما كان صادماً للكثيرين.
«المطلوبون الـ18» هو المرشح الفلسطيني الآن للأوسكار، وهو من بين أفلام تسجيلية قليلة متقنة، مشغولة بعناية فائقة، مزج بين الوثيقة التاريخية والمقابلة الحية والرسوم المتحركة والمشاهد التمثيلية، فيلم بذلت فيه جهود خمس سنوات فجاءت النتيجة مذهلة وساحرة.
نتيجة مثل هذه لعلها تثير تساؤلات حول من هي لجنة التحكيم التي أقرت، وفيما إن كان يجري تأثير ما على قرارها، ولماذا التأثير من أساسه ما دام الفيلمان فلسطينيين، أو في ما يمكن للجنة التحكيم أن تتأثر بانطباعات الجمهور في صالة العرض، وهو ما يمكن أن يفرد له جائزة خاصة تحمل اسم «جائزة الجمهور»، إنها أسئلة على كل حال، وهي برسم الزملاء في إدارة المهرجان.

«ملك الخواتم» في رحلة تركية

حفلت مواقع التواصل الإجتماعي أخيراً بصور متنوعة لشخصية غولم من فيلم «ملك الخواتم» إلى جانب صورة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان. ليس من حقنا الآن الاستنتاج بأن الصورة كانت ترمي إلى التهكم، ومحاولة العثور على مقاربة بين صورة الرئيس التركي وذلك المخلوق السينمائي النحيل، جاحظ العينين، ذلك لأن الأمر بات بين يدي المحاكم التركية التي ادعت على مواطن تركي يبدو أنه كان أول من نشر تلك الصور.
ليس من حقنا، لأن القاضي نفسه اتّخذ قراره بعدما أقرّ بعدم مشاهدة سلسلة «ملك الخواتم» كاملة، وبالتالي عدم القدرة على الحسم بطبيعة الشخصية السينمائية، وفيما إن كان المقصود النيل من الرئيس عبر استعادتها.
هكذا طلبت محكمة تركية من عدد من الخبراء تقييم شخصية «غولم» في الفيلم سيكون بينهم اثنان من الأكاديميين، واثنان من علماء النفس، وخبير في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني.
فهل سيكون من السهل الحسم، أم ستتحول القضية إلى مرافعات سينمائية وبصرية ونفسية بخصوص الدور الذي تلعبه هذه الشخصية في الفيلم، وفيما إن كانت سلبية بالمطلق أم هي مزيج إنساني من الخير والشر؟
هل سنجد أنفسنا أمام قضية مشابهة لدعوى رواية «عشيق الليدي تشاترلي» أمام المحاكم البريطانية، وقد كانت متهمة بالإباحية ولا ينبغي أن تكون متداولة، إلى أن تحولت إلى مرافعات أدبية في معنى الأدب، ووظيفة الكلام الإباحي في النص الروائي.
هل نجد أنفسنا أمام مسار تركي جديد خالص لفيلم «ملك الخواتم»؟ وقضية تسمى قضية غولم؟ مسار لم يكن يخطر في بال صنّاع الفيلم!
مرة أخرى؛ تبدو السينما، الفن عموماً، حقيقية أكثر من الحياة نفسها، مؤثرة وضرورية، كأنما خلقت مع الناس منذ الأزل، لا من مئة عام وحسب.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية