«جاستا»: حنجلة المارد المثلث الرؤوس

في تصريح لـ»وول ستريت جورنال»، الناطق الرسمي باسم مصالح المؤسسات المالية الكبرى صاحبة الحل والعقد الاقتصادي والسياسي في الولايات المتحدة، صرح وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، مستنداً إلى وزنه المعنوي الاستثنائي كمسؤول تنفيذي أول عن إدارة المحرك شبه الأوحد للاقتصاد السعودي «بأمله باتخاذ الإدارة الأمريكية الجديدة والكونغرس المستجد قرارات تصحيحية، تعدل من مفاعيل قانون جاستا على المملكة العربية السعودية، والعلاقات بينها وبين الولايات المتحدة».
ولم تكد الصحيفة تنشر التصريح الأخير حتى بدأ توالي الدعاوى من أقارب ضحايا ومصابي أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تسجيلاً لدى المحاكم الفيدرالية الأمريكية، بالاستناد إلى منطوق «قانون جاستا» الذي شرعه الكونغرس الأمريكي، والذي يشكل في أسه خرقاً صريحاً للحصانة القضائية في القانون الدولي للدول ككيانات سيادية، بحيث يسمح بمقاضاتها في المحاكم الأمريكية المحلية، ليس بالاستناد إلى مبدأ التحكيم بين الدول، وإنما إلى القانون الجنائي الفدرالي الأمريكي، اعتماداً على ما تم تسويقه ظنياً من أعضاء في الكونغرس الأمريكي ووكالة الاستخبارات الأمريكية بشكل موارب عن علاقة محتملة بين الدولة السعودية وخاطفي الطائرات المستخدمة في عمليات الحادي عشر من سبتمبر تمويلاً ودعاية.
وعلى الرغم من النبرة المتفائلة الحذرة للوزير الفالح، فإن مشروع إدارة ترامب يقوم بوضوح منقطع النظير في طرحه الفظ لمرتكزات سياسته الخارجية إبان حملتة الانتخابية القائم على مبدأ «احتقار الحلفاء بشكل صريح وغير موارب باستثناء اسرائيل» بحسب توصيف الصحافي الطليعي غلين غرينوولد في صحيفة «ذي انترسيبت»، وهو ما تجلى بشكل صريح في مطالبته للحلفاء في اليابان، كوريا الجنوبية، السعودية، ألمانيا وغيرها من دول حلف الناتو، التي لديها أكداس هائلة من الأموال، بأن لا تتوقع حماية عسكرية مجانية من الولايات المتحدة، ويجب أن تدفع مقابل تلك الحماية، وهو ما انعكس بشكل عياني مشخص في ازدراء المستشارة الألمانية وتجاهله لها حين مدت يدها لمصافحته، أمام الصحافيين في البيت الأبيض، ومطالبته ألمانيا بزيادة مساهماتها في ميزانية حلف الناتو بنسبة 2 % من ناتجها القومي، إن أرادت الاحتفاظ بمظلة الحماية الأمريكية من البعبع الروسي المتوثب للانقضاض.
وهو مشروع كلياني يقوم على شعب ثلاثة؛ أولها يقوم على مبدأ تقزيم حلف الناتو لصالح إخراج الأوروبيين تدريجياً من حصة اقتسام موارد ومناطق النفوذ على المستوى العالمي، انطلاقاً من الأزمة التي دخلت فيها الرأسمالية في العقد الأخير منذ الانحسار الاقتصادي عام 2008، والمتمثلة بصعوبة اجتراع الترياق الوحيد الذي تعرفه الرأسمالية للخروج من أزماتها – كما كان في تجربة علاج التراجع الاقتصادي العظيم عام 1929– المتمثل بالدخول في حروب شاملة على المستوى الكوني ينقذ الاقتصاد الحربي فيها دوله من ركودها الاقتصادي، ويفتح أفاقاً جديدة لتصريف فائض الإنتاج في مجتمعاتها في اقتصادات تلك المهزومة، كما كان الحال في اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، كإسفنجة ماصة لفائض رأس المال والإنتاج الأمريكي، والذي يحول دون تحقيقه تعقد قدرات شن حروب بحجم الحرب العالمية الثانية، في ضوء المستوى الذي وصلت إليه تقانة الحروب، خاصة النووية منها، وهي المعادلة المعقدة التي قادت أوباما للتصالح مع الكوبيين وحلحلة العلاقة مع إيران، في سعي لإيجاد أسواق جديدة لتصريف فائض إنتاج الاقتصاد الأمريكي، وهو ما يبدو أنه لن يروق لإدارة ترامب العنجهية، خاصة مع دخول الشركات الأوروبية للاستثمار الشامل عمقاً وسطحاً في إيران وكوبا، بالإضافة إلى اختراقها المتزايد للحديقة الخلفية للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، وهو ما اعتبر المقدمة الموضوعية لخيار الإدارة الأمريكية الراهنة في تسوية العلاقة مع الروس لصالح التقاسم معهم لحصة الأوروبيين من كعكة النفوذ الاقتصادي العالمي، وتركهم فريسة الدب الروسي في حال لم يتأقلموا مع الواقع الجديد.
والشعبة الثانية تقوم على إنهاك الصين في معارك تجارية ترغمها على الرضوخ والتراجع إلى حجمها الحقيقي كدولة عالم ثالث، خوفاً من خسارتها لسوق تصريف منتجاتها في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما لا تطيق تحمله في ضوء الكساد الاقتصادي الفعلي فيها، وهو الذي تمت معالجته لحد الآن بجرعات مفرطة من الكورتيزون، بضخ ما يقارب من تريليون دولار من احتياطياتها النقدية بالعملة الصعبة في الاقتصاد الصيني، لتخفيف حدة آثار الكساد فيه، وعلى أمل تحقيق انتعاش مستقبلي، وهو ما يبدو أنه سوف يبقى في إطار المأمول في ضوء التراجع الاقتصادي الكوني وفي الولايات المتحدة على طلب الانتاج الصناعي الصيني، وأن أفضل الخيارات للصينيين هو البقاء في حالة التوازن القلق الحالية، أو في أحسن الأحوال رشوة إدارة ترامب لغض النظر عن معركته الصينية، ولو إلى حين، عن طريق صفقات بمئات الملايين من الدولارات لشراء عقارات بما يفوق سعرها الحقيقي من صهر ترامب نفسه جيرارد كوشنر.
والشعبة الثالثة تضم اليابان وكوريا الشمالية والسعودية، وتفصح عن نفسها عبر إدامة تجييش الغول الكوري الشمالي لإرعاب اليابان وكوريا الجنوبية به، وإلزامهما بشراء منظومات مضادة للصواريخ الكورية الشمالية بعشرات المليارات بين الفينة الأخرى. وفي الحالة السعودية إطالة أمد المستنقع اليمني، وتعميق انغماس المملكة في أوحاله المعقدة، والاستمرار في اتخاذ كل ما قد يؤدي لتعميق الكارثة الإنسانية في اليمن، خاصة بتقديم معلومات استخباراتية ودعم لوجستي مضلل يقود الطيارين السعوديين لقصف المدنيين اليمنيين، بما ينعكس في زيادة أعداء المملكة يمنياً، وبما يستخدم في الإعلام الأمريكي لتشويه صورة المملكة، وإرغامها بالتالي على صرف الملايين من الدولارات على شركات العلاقات العامة في الولايات المتحدة، في محاولة لترقيع الصورة البائسة التي ساهمت كل الإدارات الأمريكية على اختلاقها وتأطير المملكة فيها، هذا عدا عن التزام المملكة بسداد فواتير العتاد العسكري المطلوب بشكل دائم، الذي من دونه سوف يبتلع المستنقع اليمني الماكينة العسكرية السعودية المنهكة أصلاً، التي كانت آخرها بما يعادل 391 مليون دولار. هذا عدا عن إرغام الدول الثلاث على الاحتفاظ بجل احتياطاتها النقدية في سندات الخزينة الأمريكية، لتخفيف حدة العجز في الميزانية الأمريكية، وتمكين الولايات المتحدة من رفع سقف دينها الذي ما زالت تعتاش عليه خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وعدم تمكينها من تحريكها تحت طائلة رفع الحماية الأمريكية عنها، وهو ما تجلى في عدم قدرة المملكة على بيع أصولها في سندات الخزينة الأمريكية كما هددت قبيل إقرار «قانون جاستا»، وواقع الحال يشي بأنه لا خيار للسياسة السعودية إلا بالإيغال في رشوة الإدارة الأمريكية بعقود شراء جديدة لكل ما يمكن شراؤه أمريكياً، عسكرياً كان أو غيره، على أمل تدخلها في إلغاء ذلك القانون، وهو ما يصب في تحقيق أهداف إدارة ترامب في استنزاف ما تبقى من مدخرات لدى المملكة، أسوة بما ظلت تفعله باليابان وكوريا الجنوبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مع اختلاف الحالة بين الدول الثلاث، بأن المملكة دولة ريعية ليس لها مورد سوى نفطها الملزمة بزيادة إنتاجه لتخفيض قيمته السوقية، الذي من دون إغراق المملكة للسوق العالمية به لكان الاقتصاد الأمريكي انهار فعلياً منذ عام 2008، بحسب العالم الاقتصادي جوزيف ستيغليتس الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد في كتابه الأخير «الشرخ العظيم». بينما اليابان وكوريا الجنوبية دولتان منتجتان لكل ما تستهلكانه، وتستطيعان المطاوعة أكثر في تحمل الاستنزاف الأمريكي لهما، وإن طال أمده.
يقوم المنهج الفكري لإدارة ترامب على تمزيق الحقائق في طوفان من الأكاذيب المختلقة لتأسيس وعي جمعي مشوش، وتوطيد فقدان الذاكرة التاريخية كونياً، وإن البقية الباقية من تلك الأخيرة تذكرنا بأن الأعراب الذين أدمنوا تمثل صورة المغلوب على أمره، هم أنفسهم الذين استنبطوا فكرة (سلاح النفط) في حرب أكتوبر، الذي قاد بعيد استخدامه إلى تراجع اقتصادي شامل في الغرب في سبعينيات القرن المنصرم. وهم نفسهم الذين أشاروا في أدبيات تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 إلى أن «سبيل تحقيق التنمية عربياً هو في التكامل الاقتصادي العربي، عبر اتفاقية تسهيل التبادل التجاري بين الدول العربية، والتعرفة الجمركية الموحدة»، وحتى قبل طرح مشروع السوق الأوروبية المشتركة، وما أفضت إليه من اتحاد بين قوميات أوروبية، بينها ما صنع الحداد، ولا يجمع بينها فعلياً سوى البشرة البيضاء والعيون الملونة.
أما آن للعرب أن يعودوا إلى قطار التاريخ الذي فاتهم، ويصحوا من غيبوبة ذاكرتهم التاريخية، ويحتكموا إلى مقول حكيم حكماء العرب أكثم بن صيفي: «ما حك جلدك مثل ظفرك».
كاتب سوري

«جاستا»: حنجلة المارد المثلث الرؤوس

د. مصعب قاسم عزاوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية