جدل الهوية الفلسطينية : برنامج «أرب أيدول» بين المسموح والممنوع

الوقفة التي وقفها الفلسطينيون الثلاثة يوم السبت الماضي يعقوب شاهين وأمير دندن ومحمد عساف، بعد إعلان النتيجة النهائية لبرنامج «أرب أيدول» لا شك أثلجت صدر كل فلسطيني وفلسطينية، وكل عربي وعربية يؤمن بوحدة هذا الشعب وانتمائه العميق لأمته العربية.
فلم يخطر ببال أحد أن واحدا من غزة المحاصرة والخاضعة لسلطة حماس، والثاني من الضفة المحتلة والخاضعة ولو جزئيا للسلطة الفلسطينية، والثالث من فلسطين التاريخية والخاضعة لسلطة الاغتصاب الصهيوني، بل كان المشهد الجميل مرآة لحقيقة الشعب الفلسطيني الواحد الموحد، رغم كل المعيقات المادية والمعنوية.
فعلى الرغم من تمزق هذا الشعب العريق وتقطع أوصاله في بقاع الأرض، وفرض العديد من الحدود والحواجز والهويات وجوازات السفر كرها أو طوعا، إلا أن انتماءه لشعبه وأمته ما زاد إلا عمقا وانتشارا وعلوا، كنتيجة طبيعية لإنشاء هذا الكيان الغريب الذي زرعته القوى الاستعمارية الغربية في قلب الأمة العربية. لقد ذكرنا المشهد الرمزي الذي جسده الفنانون الثلاثة بوحدة الشعب الفلسطيني في كل فلسطين، المجزأ جغرافيا إلى ثلاثة تجمعات كبرى تكاد تتساوى في العدد، وهي غزة والضفة وفلسطين التاريخية.
الذي يحز في النفس أن ضغوطا مورست وتدخلات سياسية كبيرة تضافرت لمنع الفوز النهائي أن يكون من نصيب ابن مجد الكروم قضاء عكا، الذي لا أحد يختلف على تفوق أدائه بشكل غير مسبوق، وكان هناك إجماع بأن أداءه كان خاليا من أي شائبة، وأن «صوته الأكمل» وأنه لم «ينشز ولو مرة واحدة». وأود أن أؤكد أنني لا اشكك في قدرات يعقوب أو استحقاقه للقب وأبارك له من كل قلبي، لكن الذي أتحدث عنه مسألة أكبر بكثير من قضية اللقب ومن يستحقها أكثر. المسألة تتعلق بالهوية الوطنية لنحو مليونين يعيشون في فلسطين التاريخية وفرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية دون خيار منهم. فهل أصبحوا إسرائيليين وهل الهوية هي مجرد وثيقة سفر؟
بدأت الصحف الإسرائيلية منذ تألق أمير دندن تشير إلى جنسيته الإسرائيلية نوعا من الغمز في نقاء تمثيله للشعب الفلسطيني، الذي ما فتئ أمير يكرره بكل حزم. وكتب أوفير جندلمان، المتحدث باسم نتنياهو، في تدوينة على صفحته «على فكرة لو فاز أمير دندن سيكون الأرب أيدول أو محبوب العرب الجديد إسرائيليا». هذا قول حقير يحاول أن يفصل نحو مليوني فلسطيني عن عمقهم العربي وانتمائهم لشعبهم الفلسطيني، بل ادعت صحيفة إسرائيلية أخرى أن إشراك الفلسطينيين من فلسطين التاريخية كان قرارا إسرائيليا، لحرف الأنظار عن المظاهرات والاحتجاجات التي كانت تنظم كل يوم جمعة ومسموح لهم أن يصلوا لمراحل متقدمة، أما الفوز فغير مسموح به. أما وقد اقترب أمير دندن من فوز محقق بناء على الكفاءة ليس إلا، فلا بد إذن من تدخل السياسة لتهدم ما كان يمكن أن ينجزه الفن.
الهوية ليست جواز سفر

لا أريد أن أدخل في تفاصيل الدراسات الأكاديمية العديدة حول تشكل الهوية الجماعية، ولكنني فقط سأستفيد من دراسات الأستاذة جنيفر جونز من جامعة فلوريدا، التي ترى أن هناك عدة عوامل تتفاعل لتكوين الهوية الجماعية لمجموعة من السكان تعيش في منطقة جغرافية لمدة طويلة، بحيث تنتج خبرة مشتركة تتبلور في مجموعة من السمات الاجتماعية والثقافية واللغوية والسياسية ومنظومة القيم والمعتقدات والرموز الجماعية، التي تجعل شخصا ما يشعر بالانتماء لتلك المجموعة، وتشعر تلك المجموعة بأن هناك مزايا عديدة تميزها عن غيرها وتربطها ببعضها بعضا وبالتأكيد ليس جواز السفر واحدا منها.
ومن بين العوامل التي يجمع عليها المختصون في مسألة تعزيز الانتماء للهوية الوطنية الأصيلة التهديد الخارجي. فكلما كان هناك خطر يهدد تلك المجموعة العرقية اللغوية الثقافية المتجانسة، انطوت على نفسها وتمسكت ببعضها بعضا وعضت على معتقداتها وعاداتها بالنواجذ، حتى لو أظهرت للخارج صورة مغايرة كنوع من الحماية. وكلما زال الخطر الخارجي وشعرت المجموعة بأن إظهار التميز والانتماء لم يعد يجلب المتاعب، تبدأ بعد ذلك عملية التلاقح والامتزاج مع الآخر، لتتشكل إثر ذلك سمات جديدة للهوية الوطنية. فمثلا كادت كيبيك تنفصل عن كندا في السبعينيات بسبب الضغط والتمييز والإهمال، وعندما تعلمت الحكومة الدرس واستثمرت كثيرا في كيبيك ورفعت كل القيود واعتمدت الفرنسية لغة رسمية للبلاد، انحسرت حركات الانفصال تماما.
ومن يتابع الشأن الفلسطيني بعد نكبة 1948 يكتشف بسهولة أن أقليتين سكانيتين تمسكتا أكثر من غيرهما بالهوية الوطنية، بل وبلورتا أشكالا من النضال الجماعي الذي يعزز هذا الانتماء: الفلسطينيون الذين بقوا في ديارهم ولم يرحلوا، لكنهم وجدوا أنفسهم محاطين بعدو قومي ينفي وجودهم ويصادر أرضهم ويعتقل نشطاءهم ويفرض عليهم أحكاما عرفية قاسية. والفلسطينيون الذي هاجروا إلى لبنان والذين وجدوا أن العديد من الفرص مغلقة في وجوههم، وأن بطاقة السفر التي منحت لهم لا تضمن لهم حقوقا، وأن حواجز المكتب الثاني تقف على أبواب كل مخيم تمارس كافة أنواع التمييز والقهر. بدأ نضال الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية ضد الوجود الصهيوني الطارئ بعد أن هدأ غبار المعركة فورا، وتلمس الناس هناك طريق السلامة الجسدية أولا. لقد كان التمسك بالهوية الوطنية التي تميز الفلسطيني عن هؤلاء الأغراب هو العنوان الرئيس للمراحل الأولى من النضال. ومن هنا نفهم شعر محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وراشد حسين، وروايات إميل حبيبي، وانتشار الشعراء الشعبيين والمغنين وإقامة حلقات الدبكة في الأعراس، والاعتداد بالملابس الفلسطينية الأصيلة والعادات والتقاليد واللغة العربية، وصولا إلى انطلاق الحركات الوطنية المناضلة وأهمها «حركة أبناء البلد» في أم الفحم عام 1972. كان الشاعر راشد حسين يقول إن قصائد الغزل التي نكتبها نوع من المقاومة، ودرويش وصف القصيدة بأنها بطاقة إلى السجن، وكتب رائعته المشهورة «بطاقة هوية – سجل أنا عربي»، وزياد خاطب الصهاينة قائلا «باقون على صدوركم كالجدار». صحيح أن النكبة خلفت فراغا قياديا في الداخل كما يؤكد المؤرخ إميل توما، لكن هذه الأزمة كانت مؤقتة حيث تبلورت ثلاث قوى: القوى الشعبية الوطنية التي تصدت لسياسة الاضطهاد القومي، والتي انحاز لها الشيوعيون العرب تاركين خلفهم رفاقهم اليهود الذي يدعون إلى الاندماج، والقوى القومية التي مثّلت البرجوازية الصغيرة والتجار والمثقفين بينما تشكلت قوة صغيرة وراءها إسرائيل نفسها من شيوخ العشائر والوجهاء وقطاعات من البدو، وحاولت أن تنضم للأحزاب الصهيونية إلا أنها ظلت معزولة ومحدودة التأثير.
بعد مجزرة يوم الأرض 1976 اتجه الفلسطينيون إلى التنظيمات الشعبية الواسعة فشكلوا الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة التقدمية للسلام وحزب التجمع الوطني الديمقراطي وحركة «ميثاق المساواة». ثم تم إنشاء الحركة الإسلامية التي أصبحت تيارا ثالثا قويا إلى جانب الحركتين القومية والشيوعية. لقد جسدت هذه الحركات الجمعية عمق الانتماء إلى نضال الشعب الفلسطيني خاصة، والأمة العربية عامة، تبلور هذا بشكل واضح في مظاهرات 30 أكتوبر 2000 حيث قدمت الجماهير 13 شهيدا لتعمد بالدم عمق انتمائها لشعبها وأمتها.

المواجهة الحتمية

بلغ النضوج السياسي بين الفلسطينيين في فلسطين التاريخية إلى تشكيل القائمة المشتركة (2015) وخوض الانتخابات كثالث قوة في الوطن تعمل على فرض إرادتها المسنودة إلى جماهيرها العريضة. هذا الموقف الجديد أطلق صفارة إنذار داخل المؤسسات الصهيونية، حيث تعتبر النخبة السياسية الصهيونية الآن أن المليوني فلسطيني هم العدو رقم واحد لإسرائيل، كما أن 50% من الإسرائيليين يؤيدون طرد العرب من كل البلاد (استطلاع «بو» مارس 2016).
قبل عام 1982 كانت فصائل المقاومة في الخارج تحمل شعلة النضال الوطني وبعد ترحيل المنظمة من لبنان انتقل مشعل النضال إلى الداخل الواقع تحت الاحتلال المباشر في الضفة الغربية وغزة والقدس، فأطلق الشعب الفلسطيني هناك انتفاضتين عظيمتين، أما الآن وبعد قيام السلطة بدورها في وأد أي محاولة للمقاومة نعتقد أن مشعل النضال في المرحلة المقبلة سينتقل إلى أيدي الفلسطينيين في الداخل ساحة المواجهة الحقيقية، وتأملوا ما حدث في أم الحيران وقلنسوة.
ونقول أخيرا لمن يشكك في عروبة وانتماء أهلنا في فلسطين التاريخية ما قاله أمير دندن على صفحته بعد انتهاء برنامج «أرب أيدول» أحمق من يظن أن بإمكانه تقسيمنا لعرب أرقام أو عرب ألوان فلسنا 48 ولا 67 ولا عرب خطوط خضراء أو زرقاء نحن أبناء الشعب العربي الفلسطيني رغما عن كل من يحاول التقسيم».
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي.

جدل الهوية الفلسطينية : برنامج «أرب أيدول» بين المسموح والممنوع

د. عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية