يخشى الكاتب المصري يوسف القعيد أن ترسل سفارة إسرائيل في مصر برسالة شكر لصناع مسلسل «حارة اليهود»، وهو أمر محتمل بالفعل، غير أنه ليس دليلاً أكيداً على أن المسلسل صنع كرمى لعيون إسرائيل.
يأخذ القعيد على المسلسل، كما نقلت عنه صحف، أنه يصور فتاة يهودية على أنها فتاة متحضرة ومتقدمة، فيما يصور أخرى مسلمة، على أن والدها بلطجي. ويعترض الكاتب على تناول الفترة التاريخية 1948 وحتى العام 1952، كما يتمنى لو أن المسلسل تناول قضايا أخرى في تلك الفترة من قبيل قضية الأسلحة الفاسدة، وسياسات الملك فاروق، والمواقف السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.
يفترض الكاتب المصري أن أي مسلسل يقارب حياة اليهود في بلادنا عليه أن يظهر آباءهم كـ «بلاطجة»، وبأن لا مناص من تصويرهم بتلك البشاعة، وهو كلام رد عليه مصريون، في جدل مبكر حول المسلسل الذي ما زال يحبو في حلقاته الأولى، بالقول «نعم، كان هناك يهود يعشقون مصر»، قول يليه تعداد أسماء ليهود مصريين بارزين من أمثال المغنية ليلى مراد، وسواها.
بداهةً ينبغي للقعيد معرفة الفارق بين اليهودي والإسرائيلي، لكن يفترض المرء أيضاً أن أديباً من وزنه ينبغي له معرفة أن الدراما ليست موظفة في خدمة السياسة، بل وحتى لو كانت كذلك فإن من الساذج، وربما من الممل أيضاً، أن تقيّد مسلسلاً مخصصاً لحارة اليهود بتقديم سكانه على أنهم أشرار أزليون، وأنهم كانوا على الدوام في مواجهة الأخيار الأبديين، الذين هم نحن.
هذا لا يعني بالطبع أن على الدراما تصوير بلادنا وكأنها كانت نموذجاً للعيش المشترك، فتلك كذبة تفضحها أحوالنا الراهنة كل يوم، كذبة يفضحها مقدار العنف والكراهية بين مذاهب إسلامية، فما بالك إزاء اليهود.
مطلوب فقط معرفة أبسط شروط الدراما، وكذلك أن نتقي الله حين نقوم بتخوين الآخرين، ونرميهم بتهمة خدمة الأعداء.
حصة «نقابة الممثلين»
«نقابة الممثلين» في مصر أصدرت بياناً مطولاً تتعرض فيه بالنقد للأعمال الدرامية التلفزيونية التي تعرض في رمضان الجاري. البيان فصّل في ما يجوز وما لا يجوز تناوله، كما دعا «أعضاء النقابة إلى مقاطعة هذه الأعمال وعدم التورط في إفساد الذوق العام وتشويه الخطاب الاجتماعي الذي يناسب الشخصية المصرية».
اللافت في بيان النقابة هو لغته الوصائية، الأقرب إلى لغة واعظين دينيين، ما دفع بعض المصريين إلى رفضه واعتباره توطئة وتحريضاً لدعاوى قضائية ضد هذه المسلسلات.
نعرف جيداً كيف تتصرف النقابات في بلادنا، ونعرف ما دوافعها؛ يكفي أن لا يحظى نقيب الممثلين بدور في مسلسل ليقيم الدنيا عليه، ويحاول وضع العصي في الدوالايب.
الشماتة في أحمد منصور
أقل ما يقال في تلك الشماتة الظاهرة، خصوصاً لدى بعض مدعي مناصرة الربيع العربي، بتوقيف إعلاميّ «الجزيرة» أحمد منصور، بأنها غير لائقة. إنها تسيء أولاً لفكرة العدالة، هذه التي ليس عليها أن تميز حسب الموقف والاتجاه السياسي.
الكل يعرف أن الاتهامات كيدية، وهي تعبر عن العقلية التي تحكم نظام السيسي في اصطياد معارضيه، عقلية لا تختلف البتة عن أنظمة الحكم المخابراتية السابقة، الجديد فيها هذه المرة استغلال قوانين دولية مظلة لطغيان محليّ.
الشماتة في أحمد منصور، باعتباره يمثل وجهة نظر لا يوافقها البعض، هي ضرب لفكرة العدالة، وهي أمر غير مبشر. يبدو أن أمام عدالة الربيع العربي المقبلة فصول ومواجهات لم تنفع معها كل ورش العمل بخصوص العدالة الانتقالية، هذه التي رعتها غالباً جهات أوروبية، ما دامت الجهات الأوروبية نفسها واقعة في فخ التسييس والمصالح الاقتصادية مع الأنظمة المستبدة.
انجيلينا جولي: صورة ضد صورة
بعض إعلام الممانعة ينكش أرشيف النجمة العالمية انجيلينا جولي، ليبرز «أسوأ» ما فيه، حسب وجهة نظره. هكذا استعاد صوراً لنجمة هوليوود تعود إلى العام 1995 أثناء ترويج أحد أفلامها. صور قد لا ترضي المتلقي العربي، تبدو وكأنها صنعت خصيصاً لتقف مقابل الصور الملائكية لانجيلينا وهي تجول على اللاجئين السوريين في أماكن نزوحهم. مفهوم أن يكره إعلام الممانعة كل لاجئ سوري، حتى لو لم يكن مسيساً، باعتباره خلاصة المأساة السورية، والشاهد الحي على فظاعة النظام السوري. هكذا يصبح مفهوماً أيضاً أن يكره إعلام الممانعة انجيلينا جولي وسعيها الدائم لإبراز مأساة اللاجئين. غير المفهوم أن تتصرف الممانعة على نحو آخر.
جهاد ناصر القصبي
أخطر ما في برنامج الكوميديان السعودي ناصر القصبي «سيلفي» هو أنه يمكن أن يكرس بعض الأمور الشائعة على أنها حقيقة دامغة، من بينها شائعة «جهاد النكاح»، التي قدمها المسلسل في إحدى حلقاته، واستضاف لها الممثلة السورية مرح جبر على أنها «مجاهدة نكاح».
«جهاد النكاح» حكاية اخترعها إعلام نظام الممانعة، ويبدو أن الإعلام المضاد لا يجد ما يضيره في استعمال الرواية الشيطانية ذاتها ما دامت تخدم أغراضه.
هناك أمر خطر آخر على هامش برنامج «سيلفي»، هو محاولة القصبي استثمار نجوميته شرقاً وغرباً، بتنا نفتح الحنفية يطلع منها ناصر القصبي، في برامج الهواة، وفي نشرات الأخبار، وفي أحاديث ومقابلات سياسية، وكلها تظهره هزيلاً للغاية مقابل موهبته الكوميدية الجميلة. فارحمونا رجاءً، وارحموه من إطلالاته الإعلامية.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى