جروح الحرب التي لا تندمل

رغم دأب وسائل الإعلام المتسيدة غربياً وعربياً، لم تتم تغطية مؤتمر استثنائي في أهمية وراهنية وإلحاحية المواضيع التي غَطَّاها، وعقد مؤخراً في مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، بالتعاون مع الصليب الأحمر الدولي، ومنظمة أطباء بلا حدود، بعنوان «المؤتمر الدولي لطب النزاعات».
وقد تركزت جهود الباحثين والمشاركين فيه على تسليط الضوء على كارثة «الإنتانات المعنِّدة على كل الصادات الحيوية»، التي تجتاح المنطقة العربية عموماً، خاصة في مشافيها التي تستقبل مئات المصابين، كما هو الحال في ملحمة القهر اليومي الذي يعانيه أهل سورية والعراق، في المناطق التي تئنّ تحت وطأة الخبث الداعشي وأعدقائه من الأمريكان ووكلائهم المحليين من العرب. وهي كارثة طبية بكل ما تعني الكلمة من معنى، حيث أنّ تهالك البنية التحتية للمشافي والمراكز الطبية، التي تراجع بعضها إلى مستوى الرعاية الصحية منذ قرن من الزمان، أيام الحرب العالمية الأولى، بسبب التضييق المهول الذي تعانيه جراء الظروف الاستثنائية التي تعمل فيها، كما هي الحال عليه في أكثر من بقعة على ضفتي نهر الفرات، يسهل إمكانية انتقال تلك الجراثيم بين المصابين، وهي الجراثيم التي أصبحت معنّدة على كل الصادات الحيوية المتاح الوصول إليها لاستخدامها في المنطقة، والتي أصبحت تهدد بتمددها كالوباء لتنال من كل المراكز الطبية في المنطقة العربية والدول المجاورة في المستقبل القريب، ما لم يتم وضع خطة لأجل الحد منها، بتعزيز البنية التحتية لكل المشافي المتهالكة، وتمكينها من تشخيص تلك الإنتانات بشكل مبكر، والحد من احتمالات انتقالها بين مرضاها.
و»الإنتانات المعنَّدة على كل الصادات» التي تعني عملياً وفاة محققة لمن يصاب بها، ليست سوى قمة جبل الجليد الكارثي الذي يحيق بالمستقبل الصحي لأبناء المنطقة العربية، فهناك ما أشار إليه الصحافي المخضرم روبرت فيسك في صحيفة «الاندبندت» عن توثيق فريق من العلماء الإيطاليين لكم هائل من المعادن الثقيلة في جروح ضحايا العدوان الصهيوني على المعذبين من أهل غزة في عامي 2008 و2009، التي تعني في ما تعني زيادة الاحتمالية للإصابة بمختلف أشكال السرطانات والأورام في أجسام المتعرضين لها بعشرات الأضعاف، كما تعني طيفاً واسعاً من الأمراض المخاتلة، لتعدد وتداخل الأسباب التي تشارك في حدثيتها من قبيل العقم، والاعتلالات العصبية، والاضطرابات النفسية، والعته المبكر، وفقدان البصر المترقي.
وهي المعادن الثقيلة من قبيل السيلينوم والتنغستين والزئبق والبلوتونيوم المنَضّب، التي أصبحت شبه ملازمة لكل مرضى السرطان في العراق الجريح، والمتوقع أن تكون كذلك في سورية، إن توافرت دراسات إحصائية في المستقبل. وهي المعادن الثقيلة الناجمة عن استخدام المتفجرات الحربية بأشكالها المختلفة، خاصة تلك الخارقة للدروع منها، وعن التعرض المفرط للغبار الناجم عن تهشيم كل العمران في تلك المنطقة، واستنشاق ضحايا ذلك العسف لغباره مرغمين.
وإذا تجاوزنا غرض الاختزال الحديث عن ذلك الكم المهول من معاقي ومبتوري الحروب في أرض العرب، الذين تقدر أعدادهم في سورية وحدها بما قد يصل إلى بضع مئات من الألوف، فهل يمكن اختزال مأساة تلك الجروح النفسية العميقة التي أصابت وتصيب أجيالاً عربية بأكملها، لم تعرف منذ أن أدركت وجودها ككائن بشري، سوى الاحتراب والخوف والهلع المقيم. ملايين من الأطفال الذين لم يتعلموا في مدارس طبيعية أو لم يروها على الإطلاق، وإنّما تعلموا كيف يفقدون القدرة على الإحساس بالألم أو البكاء، وهو ما يعكس شرخاً نفسياً عميقاً، أشبه ما يكون باكتئاب عميق مُقَنَّع ما زال المصاب به قادراً على الحركة والكلام، من دون أن يغير ذلك من حقيقة البؤس العميق في وجدانه، الذي قلّما تفلح كل التقنيات العلاجية والدوائية في علاج ذلك النمط العميق من الاكتئاب، الناجم عن الرضوض النفسية الشديدة، ما يعني أنّ أجيالاً كاملة تناط بها صناعة المستقبل العربي، سوف لن تكون قادرة على القيام بذلك لأنّها غير قادرة على تلمسه أو الإحساس به، فهي غير قادرة إلّا على الانغماس في بؤسها الوجداني المزمن العميق، باستعارة من توصيف الأطباء النفسيين لذلك النموذج المرضي شبه العضال.
وتلك الجروح النفسية العميقة أخذت تفصح عن نفسها بشكل موارب ومخاتل لدى البالغين أيضاً، وبأشكال أخرى، أصبحت مثل التقاطب النفسي المستشري بين أبناء العرب في غربتهم، حتى أصبحت الحالة شبه المطلقة أن يرى عربي آخر من جلدته، فيشيح ببصره عنه، ويتوارى منه، محاولاً إخفاء كينونته أو عدم التحدث بلغته الأم، متوجساً من ذلك الآخر، واحتمال كونه من ذلك الفريق النقيض، وما قد يحمّل ذلك من احتمالات للشقاق بين الاثنين، وكلاهما في واقع الأمر منغمسان في كربات الغربة التي لا تنتهي.
وهي الحال نفسها التي أصبحت تراها في مجتمعات عربية مزقتها الحروب من قبل منذ بضعة عقود، وتخالها الآن في سلم أهلي ما هو إلا هدوء ما قبل العاصفة، التي تنتظر أوان خروجها من القمقم، من دون أن يمنعها ذلك من الإفصاح عن نفسها، غلياناً وغضباً ملازماً لتكوين شخصية مواطنها المتوجس المتوثب للانقضاض على كل من حوله، من دون أن يلهيه ذلك عن إشهار قرون استشعاره دائماً، لسبر جوهر ذلك الآخر ومعرفة أصله وفصله وانتمائه، واحتمالات أن يكون ضحيته المقبلة أو شريكه في الجريمة التي ينتظر الأوان الملائم للإتيان بها على طريقة قابيل الأثيم.
نعم هي طريقة الأمريكان ومن قبلهم الإنكليز في التفنن في تأليب العرب على بعضهم بعضا، وفق قانونية فرق تسد، التي وثقها المؤرخ الطليعي مارك كورتيس في كتابه «شبكة الخداع، الدور البريطاني الحقيقي في العالم»، وهي الطريقة وثّقها بامتياز منقطع النظير المفكر نعوم تشومسكي في كتابه «الأوهام اللازمة»، التي تقتضي لضمان سيطرة غيلان العم سام على ثروات المنطقة العربية وأسواق التصريف فيها، أن تقوم بما أدمنت فعله في حديقتها الخلفية في أمريكا اللاتينية في أكثر من دولة أصابها «فيروس التحرر واللوثة والوطنية»، ومتلازمة «التفاحة النتنة» بحسب توصيف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، التي تعني محاولة انعتاق شعوبها وتحررها من التبعية المباشرة، أو غيرها لإدارة السيد الأمريكي ومصالحه الاستراتيجية، والتي تعني في حالة العرب نفطهم وتفوق الكيان الصهيوني عليهم وعلى أنظمة الممانعة الخلبية فيهم، التي لم تطلق طلقة واحدة باتجاهه منذ «هزيمة» حرب أكتوبر، ليكون علاجها وفق منهج كيسنجر نفسه بإدخالها في نفق الاحتراب الأهلي والترويع اليومي من المرتزقة المتقاتلين على طرفي النزاع، الذين كانت الولايات المتحدة تضمن بقاء واستمرارية كل منهم بطريقة خاصة، إلى أن يصل حد الترويع حداً يُلزم تلك الشعوب المعذبة على القبول بأي حل تراه الولايات المتحدة ملائماً، سواءً بتنصيب نظام مدني من فئة النواطير الفاسدين المحترفين في النهب المنظم لخيرات أرضهم لصالح الشركات الأمريكية العابرة للقارات، أو إن تعذر ذلك فلا ضير من تسليم دفة الأمور لسفاح عسكري يحقق الهدف نفسه عبر قمع شعبه بالحديد والنار.
هي حالة من البؤس العميم الذي يفصح عن نفسه بأكداس هائلة من الجروح التي لا تندمل، ولن تندمل إلى أن يغير العرب ما في أنفسهم وعقولهم من وعي زائف بنشوة انتصار الفأرة بتحقيق صيد ثمين حينما تُلفي مبرداً مشحوذاً بمخالب أعدائها، وتأخذ في لعقه والتلذذ في ارتشاف كرياتها الحمراء والبيضاء غير مدركة بأنّها في الواقع تلتهم ذاتها.
كاتب سوري

جروح الحرب التي لا تندمل

د. مصعب قاسم عزاوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية