صور حبيب الشرتوني التي ملأت الصحف اللبنانية ووسائل الاتصال، تشير إلى شاب ذي لحية خفيفة ينظر إلى البعيد بعينين حالمتين، أما صور بشير الجميّل فتحمل تعابير شاب في الرابعة والثلاثين ممتلئ بالرجولة، تحوّل من قائد ميليشيا إلى زعيم كاريزمي.
شابان مسيحيان مارونيان من جبل لبنان، الثاني شيخ ابن شيخ وابن زعيم حزب الكتائب، قفز إلى الزعامة متجاوزا شقيقه الأكبر، ليصبح رئيسا للجمهورية على إيقاع جنازير الدبابات الإسرائيلية التي اجتاحت لبنان. والأول شيخ أيضا، لكن آل الشرتوني لم يُعرفوا كزعماء سياسيين، عُرف منهم بعض اللغويين، وعلى رأسهم رشيد الشرتوني مؤلف كتب قواعد اللغة العربية. والشابان انتميا إلى حزبين تأثرا بالموجة الفاشية الأوروبية.
بشير يكبر قاتله بعشر سنوات، والشابان لم يعودا شابين، الشرتوني اليوم في التاسعة والخمسين، وبشير، لو بقي حيا، لكان في التاسعة والستين، لكن صورهما نجت من حفر الزمن على الأجساد والوجوه. موت بشير أبقاه شابا، واختفاء الشرتوني أنقذه من الزمن. رجلان من خارج الزمن، حكايتهما انتهت منذ خمسة وثلاثين عاما، لكن التركيبة اللبنانية ترفض الاعتراف بمرور الزمن، وها هي تستعيد الماضي عبر المجلس العدلي اللبناني الذي استفاق من غفوته المديدة وأصدر يوم الجمعة 20 تشرين الأول / اكتوبر 2017 حكما بالإعدام على الشرتوني المختفي وعلى شريكه نبيل العلم الذي أشيع أنه مات في البرازيل. (كلنا يذكر كيف منع حزب الكتائب عام 2014 إقامة جناز تذكاري له في مدينة جبيل بالتواطؤ مع البطريركية المارونية).
وشهدت بيروت مظاهرات ومظاهرات مضادة، ولافتة تهديد عُلقت أمام نصب بشير الجميل في ساحة ساسين، واحتفال صاخب بالإعدام أقيم في الأشرفية في المكان الذي اغتيل فيه بشير ورفاقه. وكأننا أمام ما يشبه تكرارا للمظاهرات التي رأيناها في فيلم زياد الدويري «القضية 23».
أدهشتني سذاجة التركيبة في فيلم الدويري، لكن تكرارها في الواقع، وإن تحت شعارات مختلفة، هو الأكثر إدهاشا، لأنه يشير إلى سذاجة شرائح واسعة من المجتمع اللبناني!
قبل تحليل هذه الظاهرة أود التوقف عند نقطتين:
الأولى هي إدانتي للاغتيال السياسي بشكل مبدئي وحاسم. فالاغتيال أداة تعبّر عن العجز، فإذا كان بشير الجميل قاتلا ومتحالفًا مع الغزاة الصهاينة، فإن محاكمته ليست من اختصاص أفراد أو جهاز حزبي أو آلة مخابراتية. المجرم يحاكمه الشعب ويحكم عليه، أما اختصار الطريق عبر الاغتيال، فإنه لا يختصر شيئا، ويزيد الأمور تعقيدا، ويؤجج الحقد والكراهية، عدا عن كونه مناهضا للقيم الأخلاقية.
والثانية هي رفضي المبدئي الأخلاقي لحكم الإعدام، فالإعدام ليس قصاصا بل هو انتقام يمتهن الحياة الإنسانية.
نأتي إلى المسألة اليوم ونسأل ما هي المسألة؟
هناك أولا اغتيال سياسي ذهب ضحيته العشرات إضافة إلى بشير، وهذا عمل مرفوض ومدان.
وهناك ثانيا التعامل والتعاون مع العدو الإسرائيلي، وهذه جريمة موصوفة.
وهناك ثالثا التعامل والتعاون مع نظام مخابراتي هو نظام آل الأسد، الذي استباح لبنان، وهذه أيضا جريمة. والحق يُقال فإن الطرف السياسي الذي ينتمي إليه بشير تعامل مع الاثنين، بينما تعاملت أطراف الحرب الأهلية جميعها بما يشبه ذلك. وهذه جرائم سياسية قام اتفاق الطائف بغض النظر عنها بل بتبني أبطالها.
على مستوى آخر فإن اغتيال بشير جاء في سياق سلسلة اغتيالات طالت مجموعة كبيرة من سياسيين وزعماء وقادة رأي، فالاغتيال كان أحد أسلحة الحرب الأهلية، ولا يزال إلى اليوم سلاحا يستخدمه النظام الاستبدادي الأسدي وحلفاؤه.
السؤال هو لِمَ استفاقوا على قاتل بشير الجميل ونسوا بقية القتلة؟ قاتل الجميل معروف والقتلة الآخرون معروفون أيضاً. هل نحن أمام مشهد للعدالة أم أمام استخدام سياسي لثوب العدالة؟
إذا كانت المسألة لا تتعلق بالعدالة، في بلد لا عدالة فيه، فإنها انتقام. أنا أعتقد أن لا شيء يبرر الانتقام أو يشرعنه، ولكن لنفترض جدلا أن الانتقام في مجتمع قبلي كالمجتمع اللبناني له ما يسوّغه، فإن الانتقام لبشير تم بشكل وحشي في مذبحة شاتيلا وصبرا. ألا تكفي دماء ثلاثة آلاف بريء كي تروي عطش الانتقام؟
قد يقولون إن المذبحة لا تبرئ القاتل، وهذا صحيح أيضا، فلتكن المحاكمة عادلة إذا، وليحاكم الشرتوني ومعه يحاكم بشير، وإلى جانبهما يحاكم سفاحو شاتيلا، هل هذا ممكن؟ أم أن تقرير المحقق العسكري أسعد جرمانوس في زمن حكم الكتائب برأ القتلة، وبذلك انطوى ملف المذبحة؟ ثم جاء قانون العفو ليسمح للقتلة من كل الجهات بالعودة إلى حياتهم الطبيعية.
من المؤكد أن النظام السياسي اللبناني عاجز عن الاقتراب من هذه الأسئلة، ولعل السؤال الأكثر إلحاحا هو لِمَ لم يُحاكَم حبيب الشرتوني طوال ست سنوات من حكم الكتائب ورئاسة أمين الجميل؟ أين هي القطبة المخفية؟ كلنا يذكر أن أمين الجميل افتتح عهده بإعدام إبراهيم طراف في حديقة الصنائع في مشهد تقشعر له الأبدان، فقد حُمل المجرم إلى حبل المشنقة وهو مغم] عليه إشارة إلى صرامة العهد الكتائبي، فلِمَ بقي الشرتوني كل تلك السنوات في السجن ولم يحاكَم؟
فرّ حبيب الشرتوني من سجنه عام 1990، كتب الرجل وأجرى مقابلات شرح فيها كم هو وحيد، وكيف اضطر إلى مغادرة دمشق خوفا على حياته، وقال إن الجميع تخلّى عنه وتواطأ ضده موجها نقدا مباشرا إلى رئيس حزبه في رسالته الشهيرة إلى قناة «الجديد».
هل تأتي «العدالة» اليوم ثمرة لهذا النوع من التواطؤ، وهل سيُقدّم الشرتوني على مذبح الصراع بين الزعامات المختلفة، ليثبت الرئيس «القوي» أنه ينتقم لبشير بينما عجز حزب هذا الأخير عن القيام بذلك.
نحن أمام مسخرة سياسية وأخلاقية على الطريقة اللبنانية، فولكلور قضائي تضيع فيه القيم وتُداس العدالة، وتصير السياسة جزءا من لعبة الكراسي الموسيقية التي يعزفها الموت. والخطير في الأمر أن هذا الحكم يوقظ أشباح الحرب الأهلية، في زمن أفلت فيه الخطاب الطائفي والعنصري من عقاله.
السؤال هو هل سيكون الحكم مجرد جزء من اللعبة السياسية يُطوى بعد صدوره ويقدم انتقاما وهميا، أم أن التخلي الذي يشير إليه ما رشح من كلمات الشرتوني ومقابلاته، سيكون إعلانا بأن نظام الحرب الأهلية المهيمن، يُمعن في استخدام سياسة التخويف، محولاً حبيب الشرتوني من منفذ لاغتيال سياسي إلى ضحية؟
الياس خوري