غريب أن يستمر إلى الآن برنامج «المسامح كريم»، الذي يقدمه الإعلامي النجم جورج قرداحي، على قناة «أبو ظبي»، في البلد نفسه، الذي أوقف برنامج «الملكة أحلام»، للأذى الذي ألحقته «الملكة»، بسبب «أنا»ها الهائلة، بالمشاركين والجمهور على السواء.
لقد أتاحت حلقة من برنامج قرداحي، جرى تداولها أخيراً لسبب غير مفهوم، فهي تعود إلى حوالي عام مضى، للإطلالة على كم الأذى، الذي يحمله البرنامج، لمشاهديه، ولبعض أبطاله الذين يزجّون في مواجهات تراجيدية بكل معنى الكلمة.
زوج مصري يجد نفسه في الاستديو، بناء على دعوة من قرداحي، قبالة زوجته، أم أبنائه، التي هجرها بسبب خيانة. خيانة تتلخص برسائل غرامية مكتوبة، ومهاتفات مع شاب.
يرفض الزوج أن يسامح، وبدلاً من المسامحة سيقرر الزوج «مش ح تشوفي عيالك تاني»، ويعتبر أن الزوجة تقع في خطأ لا يقل فداحة، حين تعلن القضية على الملأ في هذا البرنامج. هنا سيطمئنه قرداحي أكثر من مرة «إنت شو دخلك، الفضيحة إلها».
المتتبع للتفاصيل سيرى أن البرنامج لا همّ له إلا أن يكون مشاهَدَاً وحسب، حتى ولو على حساب «الضحايا». واضح أنه لم يفكر بالأثر الذي سيتركه إعلان خيانة مثل هذه، لم يفكر بأبناء الزوجين، ولا بالأهل، أو كيف سيتعايش الزوجان، الطليقان ربما، في محيط بات يعرف تفاصيل قضيتهما.
يشفق المرء لموقف الزوج، وحتى لموقف الزوجة التي قد لا تعي أي مصيبة حملتها لعائلتها، هي التي قررت الذهاب بنفسها إلى برنامج القرداحي. يحزن المرء للمضاعفات التي يمكن أن تحدث لاحقاً. في وقت سيكون البرنامج أدار ظهره ومضى لضحية أخرى.
يعيش برنامج «المسامح كريم»، لمذيعه الوسيم النجم، على قصص رثة، من القعر، ينتعش من ثقافة الفضيحة، قد لا يعتب المرء على إعلام شره ومتوحش يريد أن يملأ الساعات بأي شيء، لكن العتب على الفعاليات الحقوقية، ومواثيق الشرف المهنية، خصوصاً في ذلك البلد، الذي يمنع المغنية أحلام لثقل ظلها، ويسمح لهذا التوحش أن يسرح ويمرح، في طول «أبو ظبي» وعرضها.
غنّت المطربة اللبنانية القديرة نجاح سلام أخيراً في «دار الأسد» (الأوبرا) في دمشق. كذلك استمعتْ إلى موسيقيين سوريين يعزفون ويغنون أغنيات سلام الوطنية.
الحفل جاء، كما قدّمه الإعلام الرسمي السوري، في الذكرى السبعين ليوم الجلاء، وإيماناً بـ «النصر الآتي». لذلك كان بديهياً أن تغني السيدة اللبنانية «سوريا يا حبيبتي».
في زمن آخر، مضى، كنا سنغني معك تلك الحبيبة، أما وقد جئت اليوم، محروسة ببنادق الشبيحة وأموالهم، متخطية بكل الرعاية والأمان، وعلى أكف الراحة، عشرات الحواجز بين دمشق وبيروت، الحواجز نفسها التي أذلّت أهلنا وروّعتهم، فقد حقّ القول إن سوريا التي تغنين، غير تلك التي غنيناها معك ذات يوم، وغير هذه التي تغنّيها الآن. «ساعة النصر إلا ربعاً». هكذا قدم المعنيون حفل نجاح سلام.
هكذا أيضاً هي سوريا التي تغنيها سلام؛ سوريا التي نحب، إلا ثلاثمئة ألف سوري شهيد، آلاف المعتقلين، عشرة ملايين لاجئ، ومئات المدن والقرى المدمرة بالبراميل المتفجرة.
الدراما العربية لن تنهض على أيدي كتّابها ومخرجيها المعتادين، فهنالك «بشائر» أن النهوض سيأتي من مكان آخر، من جنوب بغداد، حيث ألقي القبض على «عصابة درامية»، تحتال على الضحايا بتأليف تمثيليات تضعهم في موضع المتهم، ثم تبدأ المساومة.
ومن بين أشهر التمثيليات واحدة توهم سائق سيارة بأنه دهس مواطناً، فيؤخذ الأخير إلى مشفى، ويخرج أمام عيني المتهم المزعوم ملفوفاً بالشاش الأبيض ومعصوباً، ثم يجري التفاوض مع السائق المتهم من أجل ديّة كبيرة قبل أن تصل الأمور إلى المحاكم.
ما هذه إلا حكاية، غداً ستكون هوليوود كلها في خدمة عصابات الدراما. هذه واحدة من مرات قليلة تكون فيها الدراما في خدمة الحياة بهذا الشكل الواضح!
فيديو طويل شاهدناه يصوّر الإفراج عن الطفلة الفلسطينية الأسيرة ديما الواوي، منذ إطلاقها على حاجز جبارة جنوب طولكرم، وحتى وصولها إلى يدي محافظ المدينة.
دقائق طويلة من إلحاح الكاميرات وأسئلة الصحافيين، التي تحثّها بلا رحمة على قول كلمة. فيما البنت صامتة، ذاهلة، لا تلوي على عبارة واحدة، حتى من قبيل رد التحية. (لم أستطع، أنا العامل في حق الإعلام أن أتفهم هذا الاقتحام الصحافي البغيض).
صمتها وتوهانها محزن حقاً. هذه المرة تصدمنا وحشية إسرائيل، من دون أن نرى دماً، أو نسمع إطلاق رصاص.
لعلها نبذة عن حال الكثير من الأطفال، إذ تقول تقارير إن بضع مئات من الفلسطينيين القصّر يقضون عقوبات الآن في سجون الاحتلال، في زيادة ملحوظة لأرقام القاصرين في سجون الاحتلال.
إسرائيل هي أصل كل بلاء، وهي المسؤول الأول والأخير. غير أنها واحدة من مرات قليلة، يشعر المرء فيها بالأسى لهذا الحال، أكثر من امتلائه بشعور البطولة، ولأن يكون هذا مصير الأطفال الفلسطينين، هذه العذابات لا يستحقونها.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى