جوزيف عيساوي شعرية الضديد

تمثلت في خاتمة مقالي «جمهورية العرب الشعرية» («القدس العربي» 31/3/2016) بالشاعرين: اللبناني جوزيف عيساوي والعراقي علي نوير، ووعدت بالعودة إلى تجربتيهما بحثا في هذا الإيقاع، الذي يستمد عناصره وأمشاجه من بُنى اللغة نفسها؛ وليس من العروض. وهذان شاعران من بين شعراء آخرين من سائر البلاد العربية، استطاع كل منهما بطريقته، أن يتجرد من رق المدونة الشعرية «الموزونة» وطرائق مقاربتها اللغوية؛ وأن يكتب قصيدة مختلفة مدارها على «الرمز غير المتجانس». وأبدأ بعيساوي على أن أعود إلى نوير في مقال مقبل.
قرأت لجوزيف عيساوي ثلاث مجاميع شعرية هي «على سرير ينكسر» 1999، و»القديس» و»ميت سكران يطلب المزيد» 2014 ؛ وفيها كلها تبني الصورة متخيلها بأشكال مختلفة، على أن الجمع بين «نوافر الأضداد» (عبارة أبي تمام الشهيرة) قد يكون من أخص خصائصها. وهو جمع محوره كلمات متناقضة متعارضة يدفع بعضها بعضا في الظاهر. ولكن الشاعر يدمجها على تعارضها الصارخ في كيان واحد، فتبدو الصورة مزيجا لغويا تنصهر فيه المتناقضات على نحو غير مألوف، وتنعقد غرابة مرسلة قد يصعب إدراكها. وسواء استرسل القارئ إلى هذا الغريب الناشئ في حيز «الضديد» [الأوكسيمور] أو لم يسترسل، فإنه لا يمكن إلا أن يثير استغرابه الجمالي، ويذكي الرغبة في تعرفه. وربما تسنى له في عمل تحليلي أن يرى جانبا من القرابة المعقودة بين الكلمات المتعارضة، وأن يحوز فضل معنى أو دلالة؛ بيْد أن جوانب غير قليلة في الصورة «الضديدة» تظل تغالبه محتفظة بخلب سرها؛ بما يسوق إلى ضرورة التمييز بين إدراك يتناسب والغرابة التي يمكن أن تقهر، وتجربة جمالية تتناسب والغرابة التي تبقى كما هي قارة في ذاتها. على أن الصورة في هذا الشعر، وتحديدا المجموعة الثالثة؛ أكانت بسيطة أم مركبة لا تعرب عن تماثل أو محاكاة شيء بشيء؛ حتى وهي تتحقق بواسطة أداة (الكاف- كأن- مثل- كما…) وهذه الأداة تفقد عنده دلالتها البلاغية؛ فلا تدل على مجرد مشاركة أمر لأمر في معنى، بل على مماثلة أحدهما للآخر في معنى ومساواته إياه أو مطابقته، بل هي ليست قياسية أو تماثلية، وإنما عدول مباغت، عن الاستعمال اللغوي المنطقي أو المألوف، أساسه الاتحاد والامتزاج بين الطرفين، وليس مجرد دعوى الاتحاد التي تقوم عند القدامى على علاقة تشابه وتدانٍ؛ يداخل كل منهما الآخر، ويدوران معا على مبدأ التكافؤ بينهما. وهذا المبدأ هو بعبارة مجازية، رأس الإبرة الذي يترجح عليه هذان الطرفان ويتجاذبان ويتغالبان في مراوحة بين الشاهد والغائب. وأمثلة هذا «الضديد» أكثر من أن أقف عليها في حيز كهذا. من ذلك كلامه عن جسد المرأة، وما هو حميم فيها: «نفقٌ ظلامه نور العالم»، أو قوله في القصيدة نفسها «الأمور لا تجري على قدم وساق/ أين الفخذ والورك؟/ أين الجذع والرأس؟/ الأمور لا تجري، بل تقف بين أصابعي الخمس مسمارا من التعب/ ثؤلولاً من النجوم وكمأة الرعد». أو قوله في «طفولة»: «الشتائم حجارة مستقبل/ لم يلحظه في الساحة أحد».
ففي هذه الصور يتمثل الإجراء اللغوي في تسمية شيء أو حقيقة باسم شيء آخر، أو حقيقة أخرى ليست منه في شيء؛ بل تتميز عنه تميزا كليا. وتكون العلاقة القياسية تطابقا، مداره على كلمتين تربط بينهما علاقة حملية إسنادية أو معرفة ينتج عنها «ضديد» أو «رمز غير متجانس» يتعدى التركيب اللغوي إلى الأبنية التخييلية. والجميل هنا أو «القوي» كما أفضل، أن الجملة الشعرية تبدو إخبارية تؤمن للمعنى قابلية التصور والوضوح التي هي من مواصفات اللغة اللاشعرية؛ على أن هذه «الإخبارية» أو «النحوية» المستوفاة لا تتعدى التركيب، إذ ينشب الإغراب في الكلمة المجازية ويقدح فيها روح الأشياء، ويكون الإيقاع في دوامات الماء وليس في جريان النهر.
ومثال ذلك أيضا هذه الصور الافتراضية في قصيدة «قطط»: «أجائعة مقدار اللوعة في موائها؟ لو كنت بوذيا لأطعمتها/ مصريا قديما لعبدتها/ لو ميكي ماوس، كنت لاعبتها بين السيارات المسرعة/ غير مبال بألف موت وبعث». وهي صور «لاعقلانية» أو هي «ذاتية داخلية»، أو «صوفية» لا بالمعنى الحصري الديني، وإنما الاستبصاري؛ كما في «لعاب الشيطان»: «حبوتُ في الشعر قارئا كهوف الفناجين/ كانت بصمة الإصبع في القعر كلمة القدر الأخيرة/ قدر يرسم نماذج من الحيوان/ الطير وفجوات الكون…»، أو في «اليد المكسورة»: «سكتت الموسيقى، فإذا الحانة مزبلة أصوات/ همهمة خنزير/ زئير وحشي يطوق الغابة / كابوس كلب/ غثرات جرذ…». وقد لا يخفى أن مدار هذه الصور على المعاني الحافة، وهي الدلالات المتجاورة التي يستحضرها الشاعر القارئ؛ أو هي تدور بخلده على مقتضى تجربته وثقافته. ولعل هذا ما يفسر كون المعنى الحاف يقع في أكثر من سجل، حتى ليبدو أشبه بمفهوم جمعي يشمل أبعادا شتى: رمزية وخيالية ووجدانية وانفعالية متعددة المعاني، كثيرا ما تسهل تفتح المعنى أو الدلالة في الصورة «الضديد». نقول هذا حتى لا يذهبن الظن إلى أن المعنى الأول المباشر، هو البين أو الواضح الجلي، وأن المعنى الحاف هو الخفي أو المضمر الكامن، بل هما قطبان لمعنى واحد، وأن صياغة المعنى الخفي هي كشف المعنى الجلي نفسه. يبني جوزيف الصورة بما تبنى به الأملوحة عادة أي بملء «المعنى الشاغر». ونعرف أن من وظائف اللغة الثابتة التخاطب والتواصل. ولذلك من الطبيعي أن يكون كل جزء في اللغة قابلا للفهم. فإذا استعمل المتكلم كلمة في معنى مختلف، أو هو استعملها على مقتضى المعنى المتداول، وقصده منها معنى آخر؛ فإن المحصلة ليست الغموض كما هو الشأن في اللغة الخاصة؛ وإنما المعنى المزدوج.
والكلمة هنا أشبه ما تكون بـ»اسم بلا مسمى»، أي اسم موضوع على جوهر أو عرض، ولكن من دون تعيينه أو تمييزه، لأن مسماها لا هو بالمعلوم ولا هو بالمعين. ومن المفيد أن نذكر في هذا السياق بضرورة التمييز بين إشارة إرادية تواصلية «مشفرة» وأخرى غير إرادية أي تعبيرية تتعلق بالمشاعر والانفعالات التي تثيرها الأشياءُ- الكلماتُ في النفس. ونعرف أن المعجم يمثل نظاما وسيعا من التصنيف والترتيب. وكل تصنيف إنما يقوم على إجراء مزدوج: اختياري وتجريدي حيث يُستصفى قاسم مشترك وتجرد الخواص الذاتية. وبهذا المعنى فإن اللغة تشظي الواقع وهي ترتبه، وتحوله إلى عناصر جزئية أكثر فأكثر بما يجعلها تجرد جزءا من هذا الواقع نفسه. فالكلام على «قطة» مثلا هو تجريد مختلف أنواع القطط أو جواهرها وأعراضها، أي اختزال القطة في هرة الشارع . والهرة بهذا المفهوم لا وجود لها: فهناك أنواع من الهرر أو القطط: قطة البوذي وقطة المصري القديم وميكي ماوس. وغني عن الذكر أن الكلمة الشعرية غير المعجمية التي تتأدى على «معدل» وتحتكم إلى قاسم مشترك؛ وفيها لا تؤخذ الصفات أو العناصر المتفارقة بالحسبان، إلا إذا انتقلنا من الكلمة الجنس إلى أنواعها.
والخلاف بينهما خلاف لغوي مرده إلى كلمة ممزوجة تنعقد في صورة لتنتج عقدة دلالية مراوغة أي معنيين اثنين يمثلان معا في النص، على تغايرهما أو تباينهما. وليس لهذه العقدة من آلية سوى آلية التكثيف والإيجاز التي تعالج جسم الدال نفسه، وذلك بتحويله إلى كلمة ممزوجة. وقد لا نجانب الصواب إذا اعتبرنا الكلمة الشعرية كلمة «هجينة» أو نوعا من تداخل الأصول أو من عدوى الكلمات، يوحد دلالات كلمتين حتى لا فكاك بينهما. ومثال ذلك أيضا: «خفان في القفص المعلق/ عابرة تسأل البائعة: أعصفوران هما؟/ ــــ بل خفان يحلمان بالطيران/ العابرة في سرها، سأبدل حلمهما المجنون بلذة السير على الطرق/ والتعثر بفتات الصغار على الرصيف». ففي هذه الصورة يتحول الخف إلى كرامة وأمر خارق للعادة [عصفور]، ويتعدى المعاني الموضوعة له. وفيها تتركز الدلالة في الشيء نفسه من حيث هو واسطة العقد بين الخف (المشي) والعصفور (الطيران). والأمر أعمق من كونه تشبثا، من الشاعر بالشواذ اللغوية المردودة، وتصريحا منه بمخالفة اللغة، فالصورة الافتراضية القائمة على الضديد، هي بطبعها «مخالفة»، أو إخبار غير مألوف يمكن أن يخالف القواعد السياقية الماثلة في معنى الكلمات نفسه. وهو يخص الكلمات مثلما يخص الفكر وبنية نظام الإدراك نفسه. والاستعارة ممكنة في اللغة لأن هناك استعارات أكثر من أن تحصى في نظام الإدراك عند أي منا، بل أن هذا النظام نفسه، من طبيعة استعارية بالأساس. ونقدر أن شعرية النص في تجربة جوزيف عيساوي، تكمن في قدرته على توظيف هذا النظام.

كاتب تونسي

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية