حاز جوائز وبلغ الأوسكار ويعرض أخيراً في أكثر من بلد عربي: فيلم «عمر» لهاني أبو أسعد: نقاش سينمائي لملف المتعاونين مع الاحتلال الإسرائيلي

حجم الخط
0

قصة حب في براثن الاستخبارات الإسرائيلية

باريس ـ «القدس العربي»: فيلم «عمر»، آخر أفلام المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، الذي بدأ عرضه في أكثر من بلد عربي، يصلح أن يكون مدخلاً لنقاش ملف فلسطيني كبير وشائك، هو ملف المتعاونين من إسرائيل. نقاش لم يفتح بعد كما ينبغي، وتكاد النتائج فيه تكون محسومة سلفاً باتجاه الإدانة والاحتقار ووصمة العار.
فيلم «عمر» (2013) يقدم جزءاً من حكاية هؤلاء، بل يسرد المقدمات التي أوصلت إلى هنا، كما يقدم هؤلاء كضحايا، لا خونة، ولعله يتعاطف مع وضعهم المأساوي، ليصل في النهاية إلى نتيجة لا تحتمل التأويل: إنه الاحتلال، أصل كل الشرور، والآلة الشيطانية الجهنمية وراء كل ذلك. الفيلم يناقش هذا الأمر، وغيره من متعلقات السياسة، كجدار الفصل العنصري، من باب السينما. لا ينطق بأحكام نهائية، بل يعرض الكيفية التي تؤثر فيها السياسة في حياة البشر ويومياتهم. يتعرض عمر (الممثل آدم بكري) بطل الفيلم لهذا الاختبار، فهو شاب عامل في مخبز، يتسلق الجدار يومياً بمشقة للوصول إلى حبيبته ناديا (ريم لوباني) على الجانب الآخر، وهي في الوقت نفسه أخت صديق طفولة له، وقائده في كتائب المقاومة، حيث يجري التحضير لعملية تستهدف جنوداً إسرائيليين. هنا يعرض الفيلم أولاً لعالم عائلي حميم ودافئ، حتى إن كان تحت الاحتلال، إلا أنه ينعم بقصة الحب اللذيذة والحالمة، عالم الصداقة المرح، وتفاصيل العيش البسيط. ولكنه يقدم في قلب ذلك مؤشرات أولى على اتجاهات حبكة الفيلم. منذ البداية نحن أمام مثلث الحب، عمر يحب ناديا وتحبه، بينما أمجد يحب ناديا التي لا تبادله حباً بحب. مشهد اللقاء الأول للأصدقاء الثلاثة، طارق (إياد الحوراني)، وعمر، وأمجد (سامر بشارات) بالإضافة إلى ناديا، سيقول شيئاً مهماً حين يسلط على رسائل حب خفية بين عمر وناديا، ونظرات عذبة متبادلة، بينما لا نلحظ من أمجد سوى شاب يلحس شفتيه إثر رشفة قهوة من يد ناديا، كأنما للقول إن غرام أمجد شهواني محض.
المشهد التالي سيكون أكثر وضوحاً في تحديد ماهية أمجد، حديثه لعمر في الطريق مليء بالمبالغات الصريحة والكذب، سيختمها بزعم علاقة بينه وبين ناديا. كل ذلك سيؤسس لشيء أهم، سنعرف في ما بعد، حين يبدأ الشك بوجود عميل لإسرائيل بينهم، بأن أمجد هو الأقرب لذلك، وبأنه سيكون سهل القياد، ويسهل عمل المخابرات الإسرائيلية مع ميله التلقائي إلى الكذب. عمر، في واحدة من مرات تسلقه الجدار، تتعرضه دورية إسرائيلية، حيث ينكل به الجند، ويتسلون بتعذيبه. سيكون ذلك حافزاً كي يطالب عمر بتعجيل العملية العسكرية التي يتدرب من أجلها، بات هناك حافز شخصي ملح. عند التنفيذ سيتخاذل أمجد قليلاً، ثم ينصاع تحت الضغط، بينما يتبرع عمر بإطلاق النار فيرفض قائده طلبه.

الشك

حين يعتقل عمر ويجري الإيقاع به وإدانته، ستجري مقايضته بإطلاق سراحه مقابل العمل مع الاستخبارات الإسرائيلية. يخرج عمر من السجن موهماً إياهم بأنه سيسلم رأس قائده في كتائب المقاومة، في وقت يرتب فيه كميناً للإسرائيليين، لكن بدلاً من ذلك، وبفضل الخائن الذي بينهم، سيتحول الأمر إلى كمين إسرائيلي ليقع عمر من جديد في الأسر، وهو لن يخرج منه هذه المرة إلا بمقايضة جديدة، وجهاز تعقب يزرع في ساقه. الشك لن يكون مجرد إحساس في صدر عمر، لقد بات هو نفسه أول ضحاياه، أشيع أنه جاسوس، أنكرته حبيبته عند خروجه بسبب ذلك، ابتزه الإسرائيليون بأسرار عن حبيبته، عزز أمجد ذلك عندما قال له إن ناديا حامل من أمجد، بعد أن اعترف الأخير بأن الإسرائيليين ابتزّوه فعمل معهم. حين يعلم قائدهم، شقيق ناديا، سيتشاجر مع أمجد، يشهر المسدس في وجه أمجد فيُقتل به. هنا يحاول الشابان، عمر وأمجد استثمار الحادثة على أنها من تدبيرهما استجابة للمهمة التي أُوكلت إليهما من الاستخبارات. في النهاية تتزوج ناديا من أمجد، بعد أن تنطلي على عمر حكاية الحمل. لاحقاً، بعد أن تنجب ناديا، سيعرف عمر أنه ضُلل هو وغيره وخدع بأكاذيب كثيرة، فيقرر الانتقام. يتصل بالضابط الإسرائيلي ويخبره بأن لديه معلومات جديدة حول قاتل الجندي، لكنه يشترط أن يأتيه بمسدس أولاً. تالياً سيستعمل عمر المسدس لقتل الإسرائيلي ويكون ختام الفيلم. قبل أن يطلق عمر النار سيسأل الضابط «هل تعرف كيف يجري اصطياد القرود في أفريقيا؟»، ثم يطلق طلقته، يليها إعتام. هذه العبارة تحيل إلى حديث جرى في بداية الفيلم بين الأصدقاء الثلاثة، حيث يروي أمجد أن الصيادين يجعلون القرود تدمن على مكعبات السكر، بعدها يحفرون لها حفراً ضيقة يمدون فيها أيديهم من أجل السكر، عندها، تعلَق يد القرد هناك فيجري إلقاء شبكة الصيد عليه بسهولة، أي كما اصطاد عمر ذلك الضابط الإسرائيلي. ننوه إلى هذه الحكاية للإشارة إلى أن الفيلم لا يترك كلمة قيلت أو حكاية أو إشارة إلا ويستثمرها لاحقاً.
ثيمة الشك في الفيلم ليست جزءاً من حبكة بوليسية، فاللغز يسيرٌ بالنسبة للمشاهد، عصيا على ضحايا الاستخبارات. الشك بالنسبة لعمر أقرب إلى هواجس عطيل، ذاك الذي يقع ضحية حبكة مماثلة تدفع به إلى قتل ديزدمونة. الشك بمثابة إثم، وحل تتخبط به الضحية. صحيح أن بطل الفيلم يستعصي على التلوث بإثم العمالة، لكن لو فعل لكان المشاهد أقرب إلى التفهم، الأمر الذي يجعل المرء بالفعل يتفهم ويتخيل كيف أوقعت الاستخبارات بأمجد فجعلته عميلاً، هو الذي في النهاية يحلم كالجميع بزوال الاحتلال، فهو الذي يطلق النار على الجندي، ولم يكن من فراغ أن الكاميرا تلتقطه وهو يبتسم راضياً بعد التمكّن من الجندي.
كانت اللحظة التي يشعر بها عمر محاصراً يتخبط في فخ الاستخبارات هي الأكثر إيلاماً في الفيلم، فجأة نجد أن البطل الذي قدم صموداً أسطورياً تحت التعذيب يبكي أمام الجدار. كان المشهد تالياً لعودة رجل المخابرات إليه ليكلفه بمهام جديدة، محاولاً ابتزازه من جديد بأسراره القديمة. عمر يقف أمام الجدار محاولاً تسلقه مرة تلو المرة من دون جدوى، يبكي، شعور حاد بالهزيمة، إلى أن يأتي رجل مسن عابر يحاول أن يساعده ويرفعه ويشد أزره، لا شك أنه إعلان غاضب من المخرج على القيادة الفلسطينية التي تركت الأجيال الشابة في لجّة التخبط.
غير أن معرفة حقيقة ما جرى، حين يزور عمر حبيبته السابقة، ويكتشف بالمصادفة أنها لم تكن حاملاً كما أوهمه أمجد، وألا أسرار لديها، تسقط كل حبكة الشك. يستعيد عمر زمام المبادرة ويسعى إلى استدراج الضابط الإسرائيلي إلى «حفرة مكعب السكر».
فيلم «عمر» (جائزة التانيت الذهبي لأفضل فيلم في المسابقة الرسمية بالدورة 25 في مهرجان قرطاج السينمائي. جائزة المهر في مهرجان دبي السينمائي 2013. جائزة التحكيم في قسم «نظرة ما»، كان 2013) يقول ما يريد بلغة سينمائية رفيعة. لأنه سينما يرى الجانب غير الملحوظ في مصيبة المتعاونين مع إسرائيل، ولأنه سينما يصل إلى طلقته الأخيرة ضد الاحتلال برشاقة وتشويق أفلام المطاردات والأكشن. يستعير أجواء هوليوودية لأبطاله، ليس بعيداً عنها أداء البطل الأساسي آدم بكري، بحركته والتفاتاته المحسوبة، وبكلامه القليل، وقد برع الممثل في ذلك، ولو أنه نجح في تمثيل لحظات الصمود والقوة أكثر من لحظات الضعف والهزيمة. أما بطلة الفيلم فبدت واقعية أكثر من اللازم، بقدر ما كان البطل هوليوودياً، إن جاز التعبير، بدت ريم لوباني في دور ناديا كأنما تقف لأول مرة أمام الكاميرا، كأنها من ذلك الصنف الذي يتقصد المخرج أن يأتي به من الحي نفسه الذي ينوي تقديمه، وفي هذا نقطة قوة لأدائها، هذه البدائية في أدائها، ولباسها، وتداخل الأحرف في كلامها منح قصة الحب واقعية وبراءة قصص الحب الأولى. «عمر» فيلم هائل الصنعة، صنع فقط بمليون ونصف المليون دولار، وصور في ثمانية أسابيع في ظروف أقرب إلى المعجزة، وحاز ذاك العدد من الجوائز، ووصل إلى الأوسكار. يستحق النضال الفلسطيني أن يكرم بسينما كهذه.

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية