حان الوقت لتنتقل الدولة إلى أسلوب الشراكة والحوار… وإشادة بوطنية الملك فاروق لدوره في نجاح ثورة يوليو

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: معظم ما خصصته الصحف المصرية أمس الأربعاء 5 أغسطس/آب كان لقناة السويس الجديدة، والاحتفالات بافتتاحها اليوم الخميس، الذي قررته الحكومة إجازة رسمية، كما أن الحدث لا يزال يجتذب اهتمامات وحماس الأغلبية، لدرجة أن زميلنا الرسام في جريدة «الأخبار» هاني شمس، أخبرنا أمس أنه كان يتجول في الشوارع لمراقبة فرحة الناس فشاهد مقدم برامج تلفزيونية يستوقف سيدة لها أطفال كثيرين ليسألها عن رأيها في المشروع فقالت له:
– بافكر أخلف بنت واسميها تفريعة.
أما الموضوعات التي جاءت في المراتب التالية من اهتمامات الأغلبية فكانت على التوالي، موجة الحر المستمرة، والمرحلة الثانية من عمل مكاتب تنسيق القبول في الجامعات، والتوقيع على بروتوكولات تسليم الإمارات لمصر عددا من المشاريع التي تبرعت بإنجازها، بمنحة قدرها أربعة مليارات وتسعمئة مليون دولار، وشملت مشروعات تتصل مباشرة باحتياجات الناس مثل، المدارس والمستشفيات والأتوبيسات والوحدات السكنية. كما تواصلت الكتابات الساخرة من الداعية وجدي غنيم لوصفه مشروع القناة الجديدة، بأن طشت والدته أوسع منها. وتعرض نادر بكار المتحدث باسم حزب النور السلفي إلى هجمات عنيفة وساخرة بسبب هجومه على طائرات الرافال الفرنسية، التي أشترتها مصر أثناء وجوده في أمريكا، بمنحة من جامعة هارفارد، وسيكون هذا الموضوع محورا لحملات مقبلة، عندما تشتعل المعارك في انتخابات مجلس النواب، لضرب حزب النور، خاصة أنه بعد انتهاء احتفالات افتتاح القناة ستتجه كل الأحزاب والشخصيات العامة للتركيز على المعركة الانتخابية، بعد الإعلان عن فتح باب الترشح نهاية الشهر الحالي.
وإلى شيء من أشياء كثيرة لدينا….

«المحروسة» قصر متنقل

ونبدأ بقناة السويس وما تثيره من ذكريات ومن تأملات وحكايات واقتراحات أيضا، بدأها زميلنا وصديقنا في «الوفد» رئيس تحريرها الأسبق عباس الطرابيلي يوم الاثنين بسرد تاريخ اليخت «المحروسة»، الذي سيستقله الرئيس السيسي ليبدأ الاحتفال، وقال عباس عن الخديوي إسماعيل: «بناء يخت عظيم في إحدى ترسانات بناء السفن في إنكلترا. تم بناء اليخت، وسافر البحارة المصريون لاستلامه والعودة به إلى الإسكندرية في أغسطس/آب 1865 وأطلق عليه إسماعيل اسم «محروسة». وكانت مواصفات اليخت- في البداية – بطول 145 متراً وعرض 14 مترا.. وكان مكوناً من خمسة طوابق، وعمقه خمسة أمتار.. وبهذه المواصفات اعتبر من أفخم يخوت العالم، وكان يسير بالفحم.. ولكنه خضع لعمليات تعديل عديدة، كانت أولاها عام 1905 لتحويل ماكيناته لتعمل بالبخار، ثم تمت عملية إطالته عام 1949 في إيطاليا، كما تمت إضافة عدد من المدافع الرشاشة القوية، للدفاع عن اليخت ضد أي اعتداء.
واليخت عبارة عن قصر متحرك.. كأنه قصر عابدين، أو قصر القبة أو رأس التين، فيه مثلا صالة للموسيقى وغرف النوم الملكية ومكتبة وغرف نوم صيفية وأخرى شتوية، للملك والملكة، وتزين غرف النوم الملكية حلى من الذهب الخالص، وكذلك ابليكات الإضاءة، وفيه غرفة طعام رئيسية تسع 30 فرداً. وجميع أدوات تقديم الطعام من الذهب ومن الفضة الخالصة. وفي البهو الفرعوني يتصدر بيانو الإمبراطورة أوجيني، الذي صنع خصيصاً لليخت، ولكن أعظم ما في اليخت هو مجموعة اللوحات النادرة التي تظهر كيف تم الاحتفال بافتتاح الملاحة في نوفمبر/تشرين الثاني 1869، التي تجسد صور كبار المشتركين في الاحتفال من ملوك وأباطرة وأمراء العالم.. استقله الرئيس السادات يوم 5 يونيو/حزيران 1975، عندما أعيدت الملاحة للقناة وبجواره ولي عهد إيران وكبار ضيوفه. كما ركبه في رحلته – بحراً- إلى حيفا عام 1979 وكذلك ركبه الملك فيصل ملك السعودية والسلطان قابوس والملك حسين. حقاً.. ما أعظم أعمال محمد علي باشا.. ومعظم أفراد أسرته التي حكمت مصر من عام 1805 إلى عام 1953».

المطلوب الإفصاح عن التكلفة الإجمالية لمشروع القناة

ويوم الثلاثاء طالب زياد بهاء الدين ابن أستاذنا الراحل أحمد بهاء الدين في مقاله الأسبوعي في «الشروق» بنشر الحقائق حول تكاليف ونتائج المشروع وقال بعد أن أشاد به: «من حق الشعب المصري أن يسعد ويحتفل بانتهاء مشروع قناة السويس، فالإنجاز كبير بلا شك، وقد تحمس له الناس منذ البداية وساهموا في تمويله بإقبال غير مسبوق، كما أن إنهاءه في الوقت الضيق الذي كان محددا له أصبح مصدرا للشعور بأن البلد يمكنه مواجهة المهام والتحديات الصعبة، لو توافر الإخلاص والعزيمة والتأييد الشعبي، ولكن لكي يستمر هذا الحماس والتأييد الشعبي فلابد من التعامل مع الشعب المصري باعتباره شريكا حقيقيا ليس في هذا المشروع وحده، وإنما في كل الملفات التي تشغل الدولة والتحديات التي تواجهها، وفي هذا المجال فلدي ثلاثة اقتراحات محددة:
الاقتراح الأول يتعلق بمشروع قناة السويس والإعلان عن التكلفة الإجمالية للمشروع وبنود الإنفاق الرئيسية والعوائد المتوقعة خلال الأعوام المقبلة، والأسس والافتراضات التي تستند إليها هذه التقديرات. هذا إفصاح مطلوب لقطع الطريق على المزيد من الإشاعات، وكذلك للحد من الإفراط في التفاؤل عند تقدير نتائج المشروع وأثاره الإيجابية حتى نتجنب رفع التوقعات إلى الحدود التي لا يمكن الوفاء بها.
أما الاقتراح الثاني فيخص المشروع المصاحب للقناة، الذي لا يقل عنه أهمية بل يزيد، وأقصد بذلك مشروع تطوير المنطقة المحيطة بقناة السويس، والذي ينتظر أن يعلن رئيس الجمهورية عن بدء تنفيذه بمناسبة انتهاء مشروع المجرى الملاحي الجديد. نحن هنا أمام فرصة حقيقية لتحقيق طفرة في الاقتصاد المصري، وفتح الباب أمام استثمارات جديدة وهائلة في مجالات الصناعة والتخزين والخدمات اللوجستية والسياحة، وإنشاء مجتمعات عمرانية جديدة ترتبط بأنشطة اقتصادية واعدة، وليس مجرد مدن في الصحراء، وتوفير ملايين فرص العمل للشباب في مختلف المجالات. ولكن كل هذا لن يتحقق بمجرد الإعلان عن تقسيم هندسي للمنطقة، ولا باستصدار قانون جديد يقدم بعض المزايا الإضافية للمستثمرين، كما أن آخر ما نريده هو أن يتم تخصيص المناطق الصناعية واللوجستية الجديدة إلى مجموعة محدودة من الشركات الكبرى بالأمر المباشر من منطلق السرعة والكفاءة. هذا موضوع يحتاج لمشاركة المجتمع بأسره في فهمه وتقديره والاقتناع به…
وأخيرا فإن الاقتراح الثالث يتعلق بكيفية التعامل مع الملفات والتحديات الكبرى التي تواجه البلد بشكل عام، خصوصا أن الإعلام يبشرنا بالإعلان عن عدة مفاجآت كبرى خلال الاحتفال بمشروع قناة السويس. المفاجآت جميلة ومفرحة، ولكن حان الوقت لكي تنتقل الدولة من أسلوب مفاجأة الشعب بمشروعات وقوانين ومبادرات وبرامج في مختلف المجالات، ولو كانت إيجابية وتحقق الصالح العام، إلى أسلوب الشراكة والحوار والترحيب بمختلف الآراء والاستعداد للرد على التساؤلات والاستجابة للمقترحات…. الطبيعي أن يكون البرلمان هو ساحة مناقشة هذه السياسات والبرامج والقوانين، ولكن إلى أن يصبح لدينا برلمان منتخب فيمكن التواصل مع المنظمات والأحزاب والنقابات والجامعات، التي تزخر كلها بخبرات ومعارف يحتاجها البلد. الشراكة مع المجتمع في وضع السياسات والبرامج ومتابعة تنفيذها عملية مرهقة ولكن عوائدها تستحق الجهد».

سامي عبد العزيز: من يشكك
في عمق قناة السويس الجديدة سنغرقه فيها

ونتحول من «الشروق» إلى «التحرير» في يوم الثلاثاء نفسه لنجد زميلنا وائل عبد الفتاح في عموده اليومي «في مفترق طرق» يهاجم الدكتور سامي عبد العزيز أستاذ الإعلام في كلية الإعلام في جامعة القاهرة وعميدها الأسبق عند اندلاع ثورة يناير/كانون الثاني ويقول عنه: « لا تستغرب إذا سمعت الدكتور سامي عبد العزيز يقول كلامه العنتري: «من يشكك في عمق قناة السويس الجديدة سنغرقه فيها». حماس زائد. وإجهاد في العمل لا يوازيه في الحقيقة، إلا من يريد أن يصور لجمهوره أن «القناة الجديدة» مجرد ترعة.. أو «فوتو شوب»، كلاهما يتحرك من الزاوية نفسها، تقريبا إلغاء العقل واستبدال حشو فارغ به، إما من الأغاني أو اللطم. وهذه ليست جديدة، إنه صراع متكرر بين الطبلة واللطمة… منذ أن تحولت المشاريع إلى «وثائق شرعية..» وليس مجرد «عمل اقتصادي يقوم على العلم والدراسة والاستفادة..»، ولأن الأمر لم يكن وصل إلى مستوى «حرب الطبلة واللطمة» عندما حفر الملك فاروق «قناة جديدة» سنة 1951 ونسيت مع الزمن، لكن السد العالي استمر رمزا كبيرا في معركة عبد الناصر وخصومه، اختفت معه مشاريع أخرى في طي النسيان، مثل «الوادي الجديد..»، لكن لم يقف أحد ويفكر في كونها «مشاريع» لكنها «مساند» لتأسيس الحكم تحقق أغراضها، وتنسى كما حدث بعد ذلك مع «شرق التفريعة» و«توشكى..» و«الدلتا الجديدة» على سبيل المثال. وفي هذا الوضع فإن الطبل المصاحب لهذا المشروع، تواجهه «لطميات» تلعب على نغمة وحيدة «ما تقدرش…».. من دون انتظار لفحص القدرة أو الإرادة وأنواع كل منها. واللطميات بعد قليل، وفي حالة الإنجاز، تضاف إلى رصيد المشروع باعتبارها دليلا على «الغشم» وعدم الفهم.
وكل هذا يحرمنا من أساس كل مشروع: العلم والدراسة والجدوى… كما يمنع من تطوير المشروع أو الاستفادة منه، بل إن هيستيريا صناعة المعجزة، تحرمنا من فرص بديلة في الخروج من أزمات ومشكلات، ولعل البروباغندا المصاحبة لمشروع عبد العاطي الشهير في علاج فيروس سي والإيدز… لم تتحول إلى ملهاة فقط… لكنها منعت أبحاثا حقيقية من الاستكمال هربا من المسؤولية عن فضيحة الكفتة. وهنا لا بد من عودة إلى الدكتور سامي لأنه أستاذ إعلام، عندما يعتبر أن كل سؤال أو نقد، يعتبر تشكيكا… فهو يضرب مهنته والمجال الذي وصل فيه إلى شهرة جعلته يدير حملات البروباغندا الخاصة بمبارك قبل 25 يناير، ويدير كلية الإعلام بعدها، ويستدعي الشرطة العسكرية لطلاب الكلية عندما يعترضون على سياسات الكلية. الخبير ضرب مهنته، لأنها ليست مهنته، وإنما كارت العبور إلى العالم الخيالي الذي يتصور فيه الخبير الذي مهمته «بناء صورة» للمشروع أنه مصارع يقتل الخصوم ويلقيهم في القنال، وهذا وحده دليل يشكك في صحة الاختيارات».

السلطة السياسية غير متعاطفة مع ظهور مبارك

أيضا وفي العدد نفسه من جريدة «التحرير» اتجه زميلنا الناقد السينمائي طارق الشناوي في عموده اليومي «أنا والنجوم» للاشتباك في قضية أخرى هي: «أكثر من ثلاث ساعات وربما امتدت إلى أربع، لأنني لم أستطع مواصلة المشاهدة أول من أمس والإعلامي الصديق وائل الإبراشي في برنامجه « العاشرة مساء» يسأل: لماذا لم نضع صورة مبارك في جدارية افتتاح القناة أسوة بعبد الناصر والسادات والسيسي؟ البعض يحاول أن يجنب السيسي هذا الصراع على طريقة أنه لو كان يعلم لكان له موقف آخر، وذلك لأنهم يعلمون أن مهاجمة السيسي خط أحمر فلا بأس من أن يتحايلوا على الموقف بصب اللعنات على الآخرين، الذين أصدروا القرار من وراء ظهر الرئيس، رغم أنه وعلى وجه اليقين لو لم يكن هو صاحب القرار فقد تم الحصول على موافقته. لا تنس أن احتفالية 6 أكتوبر/تشرين الأول التي أقامتها القوات المسلحة في 2013 لم يذكر فيها أيضا أسم مبارك. إنه قرار سياسي وبالدرجة الأولى يتحمله الرئيس. في مثل هذا اليوم قبل خمس سنوات كانت الفرصة مهيأة كالعادة للمنافقين ليملأوا الدنيا بالهتاف لمبارك، إذ تنصب الزينات وتعلو الرايات وتلون الدنيا كلها بصور مبارك، وسوف يجدها كالعادة المنافقون فرصة لكي يضعوا صور لسوزان وسوف يجدها منافق آخر فرصة أكبر ليضع صورة جمال، مشيرا إلى أنه خير خلف لخير سلف، بينما الإذاعة والتلفزيون لا يكفان عن الغناء «اخترناه.. اخترناه» واحنا معاه لما شاء الله»….. ويبقى السؤال الأهم قبل وبعد افتتاح القناة هو: أين نضع صورة مبارك دراميا وإعلاميا؟ إذ لا تزال تلك المعضلة تحمل قدرًا من الالتباس. السلطة السياسية غير متعاطفة مع ظهور مبارك مجددًا للحياة العامة، أو على الأقل هكذا أنا أقرأ الموقف. الرئيس السيسي من المستحيل حتى الآن أن يذكر في خطاب له أو بيان رئاسي شيئًا عن مبارك، الإعلام الرسمي سوف يستمر في اتخاذ الموقف نفسه وهو الحياد السلبي، الإعلام الخاص لديه مساحة أو هامش ما يضيق أحيانا ويتسع أحيانا في اتخاذ قراره. فضائية «صدى البلد» تحديدًا هي أكثر قناة تتعاطف مع مبارك، ومذيعها أحمد موسى الذي يتصدر عادة المشهد، هو الذي أجرى مع مبارك حوارًا في الذكرى الأخيرة لتحرير سيناء، بعد أن كُتبت الإجابات النموذجية لمبارك واكتفى هو بتسميعها. في الحوار أثنى مبارك كثيرًا على السيسي، ولكن من الواضح أن مؤسسة الرئاسة لم ترحب بهذا الحديث، ودليلي أن مبارك لم يُتَح له الظهور مجددًا، وهذا يعني رسالة للجميع بأنها «مرّة وتعدّي» ولا ثانية لها. القرار السياسي الذي يلتزم به الإعلام الرسمي منذ ثورة 25 يناير/كانون الثاني هو ألا يتم الاحتفاء بمبارك، ولم يتغير الموقف بعد ثورة 30 يونيو/حزيران، والدليل القرار السياسي بعدم وضع صورته في جدارية قناة السويس، ولا يجوز لأحد التشكيك بأن الرئيس لا يعلم».

ذكريات من وحي القناة يجر بعضها بعضا!

وفي حقيقة الأمر فإن وضع الصور الثلاث على الجدارية، ناصر والسادات والسيسي مقبولة بشكل عام أما وضع صورة لمبارك فغير مقبولة بالمرة لأنه لا علاقة له بالمرة بموضوع القناة، بل أن دور السادات لا يماثل دور خالد الذكر، الذي أممها ودور السيسي الذي قام بالحفر الجديد، بينما السادات أعاد فتحها بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول، لأنها كانت مغلقة بسبب حرب يونيو/حزيران 1967، ولو أردنا الخيط على استقامته في حكاية الصور، لكان الأولى الخديوي محمد سعيد الذي وافق على إنشاء القناة، وبدأ الحفر فيها عام 1859، والخديوي إسماعيل الذي في عهده اكتمل الحفر وتم الافتتاح عام 1869 وبجوارها مهندس المشروع الأول ورئيس الشركة فرديناند ديليسبس، الذي كان له تمثال في مدخل القناة من ناحية بور سعيد على البحر الأبيض، وبعد التأميم والعدوان الثلاثي عام 1956 تم نزعه من قاعدته ووجد من يطالبون بإعادته وفاء لمن قدموا خدمات لمصر، وكان أحدثهم رجل الأعمال ومؤسس صحيفة «المصري اليوم» صلاح دياب في عموده الذي يوقعه باسم نيوتن، وأشرنا إليه ثم جدد الطلب يوم الاثنين الماضي زميلنا في «الوفد» مصطفى عبيد وذلك في تجاهل أو تحد للمشاعر الوطنية للمصريين.
وهكذا تستدعي الذكريات التاريخية ويجر بعضها بعضا، ولكننا ننسى مواقف خالدة ومشرفة في تاريخ القناة والصراع بين مصر وإسرائيل، فبعد قيام إسرائيل عام 1948 رفضت مصر السماح للسفن الإسرائيلية أو المتجهة لأحد موانيها من المرور في القناة، رغم أن منطقة القناة بمدنها الثلاث كانت محتلة بالقوات البريطانية، وكانت بريطانيا تكرر جزءا من البترول في معامل حيفا على البحر الأبيض، وكان يصل إليها من العراق عبر الأنابيب، إلا أن حكومة العراق أوقفت تدفق البترول إلى معامل التكرير في حيفا ويوم السبت الموافق 29 يناير سنة 1950 اجتمع وزير الخارجية البريطاني مستر بيفن مع رئيس الوزراء الزعيم خالد الذكر مصطفى النحاس باشا في قصر الزعفران وطلب منه السماح بمرور ناقلات النفط المتجهة إلى حيفا في قناة السويس، لأن الحكومة البريطانية تتكلف شهريا حوالي خمسين مليون دولار بسبب عدم تكريره في حيفا، وفوجئ برد النحاس عليه: «يستحيل أن يمر أي بترول عبر قناة السويس إلى أي معمل من معامل التكرير في بلد يسيطر عليه يهود فلسطين، محال أن أسمح بإرسال شيء قد يستفيد منه اليهود عبر الأراضي المصرية، لا أقبل بمرور البترول الخام عبر قناة السويس ليذهب إلى حيفا لا في الحال ولا في المستقبل.
والواقعة الثانية أخطر إذ تقدمت إسرائيل بدعم من بريطانيا بتاريخ 12 يوليو/تموز 1951 بشكوى إلى مجلس الأمن ضد مصر بسبب منع سفنها من المرور في قناة السويس والسفن المحملة بالبترول المتجهة إلى ميناء حيفا، وفي الأول من سبتمبر/أيلول أصدر مجلس الأمن قراره بالسماح بالمرور في القناة، وقامت بريطانيا وتركيا بتحريك عدد من السفن الحربية بالقرب من الشواطئ المصرية، فردت حكومة الوفد بأنها لن تنفذ هذا القرار ما لم يتم أولا رد حقوق الشعب الفلسطيني .اييه .. اييه ذكريات يجر بعضها بعضا».

الملك فاروق لم يسع للعودة والقفز إلى السلطة

وقد جرنا زميلنا وصديقنا المؤرخ ورئيس مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال السابق ورئيس مجلس إدارة دار الوثائق القومية حلمي النمنم إلى ثورة يوليو/تموز والملك فاروق بقوله يوم الأربعاء قبل الماضي في «المصري اليوم»: «جزء كبير من نجاح 23 يوليو يكمن في الملك فاروق، كان الرجل في سنواته الأخيرة قد زهد في الحكم أو يئس من مهمته، لأسباب عديدة بعضها شخصي وأسري وإنساني، وبعضها يتعلق بالأوضاع العامة في مصر وفي العالم، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، والتحولات الدولية التي أدت إليها، لذا لم يكابر كثيرًا ولم يجادل في التنازل عن العرش، حين طلب منه ذلك، والذي حدث أنه في الصباح الباكر من يوم 26 يوليو/تموز 1952، سمع وهو في قصر رأس التين في الإسكندرية طلقات رصاص تطلق عند بوابات القصر، وعرف أن مناوشات جرت بين الحرس الملكي وعدد من الضباط الأحرار، وسقط أحد جنود الحرس قتيلاً، فصرخ مطالبًا حرسه بالتوقف نهائيًا عن إطلاق الرصاص وقال، «لن أكرر ثانية تجربة توفيق وعرابي»، كان في ذهنه لحظتها ما حدث بين عمه الخديوي توفيق وأحمد عرابي، وانتهى باحتلال الإنكليز مصر، وقبل أن يتنازل عن العرش وأن يخرج من مصر، كان مطلبه أن تؤدى له التحية العسكرية وهو يغادر، وأن تطلق المدفعية له 21 طلقة، وأن يغادر مصر بزيه العسكري، وخرج، بالفعل، مرتديًا زي سلاح البحرية، وهذه معان لم تجد من يتأملها ويقدرها في الرجل وله، وفي كلماته الأخيرة مع اللواء محمد نجيب أوصاه بمصر وبالجيش المصري. وتوقع اللواء محمد نجيب ومن بعده جمال عبد الناصر أن يناوئهم الملك من منفاه، أو أن يحاول السعي للعودة والقفز على السلطة، أو أن يتآمر ويتلاعب مع القوى الدولية والاستعمارية المناوئة لمصر، وكانت كثيرة وقوية، لكنه لم يفعل ولم يثبت عليه أي شيء من ذلك، كان يكره الإنكليز وهو في الحكم، وظل يكرههم بسبب احتلالهم بلاده، وحين تآمروا على مصر وعلى عبد الناصر سنة 1956، سعى إليه الانتهازيون والمشتاقون إلى السلطة والكارهون للأوضاع الجديدة، لكن فاروق لم يفعلها، تصرف طوال الوقت كرجل وطني، وملك خلع عن العرش، وظل يحترم بلاده ويحبها، فتصرف الملك فاروق بوطنية عالية ونبل إنسان حقيقي رحم الله جلالة الملك فاروق، نعم عجز عن إدارة البلاد، ولم يتم إعداده جيدًا لدوره كملك بسبب صغر سنه، لكنه لم يخن بلده أبدًا، وهذا العام يمر 63 سنة على تخليه عن العرش ونصف قرن على وفاته، ويستحق الملك فاروق منا أن نتذكره بالتقدير والاحترام والإكبار، ونحن نحتفي بذكرى ثورة 23 يوليو 1952».

الحرية السياسية غابت عن ثورة يوليو

والمقال الثاني كان يوم الثلاثاء أول أمس في «البوابة» لزميلنا وصديقنا في «الأهرام» المفكر السيد ياسين وقوله عن فترة ما قبل ثورة يوليو وبعدها: «مارس المثقفون المصريون من كل الاتجاهات حريتهم في التفكير والتعبير، وإن كانت قيدت هذه الحرية السياسية في وزارات الأقلية التي حكمت على حساب حزب الوفد، صاحب الأغلبية الجماهيرية الساحقة نتيجة تواطؤ القصر الملكي وسلطة الاحتلال البريطاني. ومعنى ذلك أن الممارسة الديمقراطية الليبرالية كانت منقوصة. ارتفعت الصيحات الرجعية للهيئات والجماعات الإسلامية التقليدية، سواء الأزهر أو الجماعات الدينية المتعصبة ضد ممارسة حرية التفكير وحرية التعبير، وقد شهدت هذه المرحلة حادثتين تاريخيتين مهمتين هما قضية الدكتور طه حسين، حين نشر كتابه عن «الشعر الجاهلي» والثانية هي نشر الشيخ علي عبد الرازق كتابه الشهير «الإسلام وأصول الحكم»، الذي نفى فيه أن الشريعة الإسلامية تتضمن نظامًا سياسيًا محددًا، سواء كان ذلك الخلافة أو غيرها. وحوكم الشيخ علي عبد الرازق، وقام الأزهر بسحب شهادة العالمية منه. ولكن أهم من ذلك أن قضية العدالة الاجتماعية غيبت تماما من الممارسة، ما أدى إلى نشوء مشكلة اجتماعية عميقة، تتمثل في الفجوة الطبقية الكبرى بين من يملكون ومن لا يملكون في ريف مصر وحضرها. ونتيجة لفشل الأحزاب السياسية الليبرالية في حل المشكلة السياسية التي تتمثل في إجلاء قوات الاحتلال البريطاني، والمشكلة الاجتماعية التي تبدو في التفاوت الطبقي الرهيب، قام الانقلاب العسكري في 23 يوليو/تموز 1952 الذي تحول إلى ثورة نتيجة إعلانه وتطبيقه لمفهوم التنمية المستدامة، الذي يقوم أساسًا على تحقيق العدالة الاجتماعية في ظل نهضة صناعية شاملة، بالإضافة إلى الإصلاح الزراعي، غير أن العبرة المستخلصة من الحقبة الناصرية أنها بإلغائها الأحزاب السياسية واعتمادها على الحزب الواحد- سواء اتخذ شكل الاتحاد القومي أو الاتحاد الاشتراكي- فإنها في الواقع تكون قد ألغت بعدًا مهمًا وأساسيًا من أبعاد الديمقراطية، وهو الحرية السياسية. وفي تقديرنا أن افتتاح قناة السويس الجديدة هو إعلان جهير عن قيام مشروع ثوري للنهضة المصرية يحقق التآلف الخلاق بين الحرية السياسية من جانب والعدالة الاجتماعية من جانب آخر في ظل أوسع دائرة لحرية الفكر والتعبير».

الأزهر والشيعة

ولا تزال الخلافات حول موقف الأزهر وشيخه من الشيعة مستمرة، ففي جريدة «عقيدتي» التي تصدر كل ثلاثاء عن مؤسسة دار التحرير «قومية» كتب زميلنا ورئيس تحرير «المساء» الأسبق مؤمن الهباء مؤيدا دعوة شيخ الأزهر لعقد مؤتمر يضم علماء السنة والشيعة وقال: «تأخرت كثيرا دعوة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر لعقد مؤتمر يجمع كبار علماء السنة والشيعة إلى طاولة واحدة في الأزهر، لكنها جاءت في توقيت حاسم لكي يباحث هؤلاء العلماء حول سبل التفاهم والتعارف والتقريب بين أتباع المذهبين، وإصدار وثيقة للتعايش السلمي تحرم على الشيعي قتل أخيه السني وتحرم على السني قتل أخيه الشيعي، وتنزع فتيل الفتن الطائفية التي تفتك بأبناء الملة الواحدة. كان من الممكن أن نختلف مع إيران الدولة والقيادة والثورة حول التوجهات السياسية والمصالح الوطنية، لكن الكارثة أن الخلاف تحول إلى صراعات مذهبية ليس مع إيران الدولة، وإنما مع الشيعة حتى داخل الدولة الواحدة. نسينا أو تناسينا فتاوى مشايخنا العظام بان المذهب الشيعي مذهب إسلامي، من يتعبد به فعبادته صحيحة، وأن الأزهر في عصره الذهبي التي تميز بالانفتاح العقلي والفكري قد اعترف بمذهب الشيعة الزيدية والشيعة الإمامية والأباضية، ولم يضع مانعا على دارس في أن يستدل بأي من هذه المذاهب الثلاثة كاستدلاله بمذاهب أهل السنة الأربعة ونسينا أو تناسينا جهود التقريب والتقارب بين السنة والشيعة، في زمن لم يتحرج فيه ملك مصر من تزويج شقيقته لشاه إيران ولم يتحرج قادة الخليج من إقامة علاقات أكثر من وثيقة مع إيران الشاه، لو تذكرنا هذه الحقائق لأدركنا أن الخلاف مع إيران الخميني كان خلافا سياسيا ويجب أن يظل سياسيا».

موسى حال: ما الذي تستفيده
مصر من نشر المذهب الشيعي؟

أما زميله موسى حال فقد واصل هجومه على زميلنا وصديقنا في «الأخبار» الأديب جمال الغيطاني قائلا: «كان غريبا أن تنطلق دعوة مؤخرا من الأزهر تطلب من الشيعة عدم التبشير في بلاد السنة، خطأ جسيم فهو هنا بلا لف أو دوران يهاجم الأزهر، وعلى وجه الخصوص شيخ الأزهر لدعوته عدم نشر المذهب الشيعي في البلاد السنية، وهنا يثور السؤال: ما العائد الذي نجنيه نحن أهل السنة في مصر من نشر المذهب الشيعي بين العامة؟ ما الذي يستفيده الوضع السياسي والاقتصادي المصري من وراء ذلك؟ الذي يجهله جمال الغيطاني رغم طول عمره وتذرعه بالحفاظ على الأمن القومي المصري، أن السماح للشيعة بالعمل لنشر دعوتهم داخل مصر هو الدمار كله والاستقطاب الذي يهدد الأمن القومي المصري ويضربه في مقتل، فنشر المذهب الشيعي في مصر معناه نوع جديد من الاستقطاب في مصر، وبالتالي يؤدي إلى التنازع والتناحر. الغيطاني يعلن أن من حق الشيعي أن يدعو أخاه المسلم السني إلى مذهبه، ثم يتفتق ذهنه العبقري ويؤكد أن ذلك يفيد المسلم السني… ويبكي الغيطاني بحرارة على تفجيرات «داعش» ضد الشيعة في العراق ولم يذرف دمعة واحدة على ما يفعله شيعة العراق حينما يدخلون مدنا سنية، فهو هنا يعبر عن ولعه وحبه لإخوانه الشيعة كنت أتمنى منه أن يناشد إخوانه في إيران أن يفتحوا أبواب بلادهم لعلماء السنة ليبشروا بالمذهب السني، وما أظن إيران ستسمح له بالتلفظ بهذا الطلب».

البرامج التلفزيونية لن تحل مشاكل
عمرها أكثر من خمسة عشر قرنا

وفي حقيقة الأمر فقد فوجئت مرة ثانية بهذه الحدة والعنف من زميلنا موسى وموقفه الذي بدا أميل لدعاة الفتنة بين الشيعة والسنة، رغم موقفه الوطني والقومي، وعلى العموم فقد كان الغيطاني يواصل في اليوم نفسه في عموده اليومي «عبور» هجومه على شيخ الأزهر: «لم توجه الدعوة إلى إيران لحضور افتتاح القناة الجديدة، خطأ مؤسف على أكثر من مستوى، لقد أضعنا فرصة جاءت بدون ترتيب لإبداء حسن نوايا تجاه بدء صفحة جديدة مع دولة محورية ومهمة في الشرق الأوسط والعالم، وإذا كان الملاحظ نبرة ارتياح لتقارب مصري سعودي بعد توتر خفي، فأقول إنه من مصلحة الجميع أن يكتمل التقارب العربي العربي، بتفاهم عربي إيراني. كما أكدت مرارا لابد من تجنب تأجيج المشاعر الطائفية، وإثارة نعرات عمرها أكثر من خمسة عشر قرنا، يجب تجنب الأسباب التي تؤدي إلى حروب طائفية، وهنا أشير مرة أخرى إلى الدور السلبي الذي قدمه الأزهر في المرحلة الماضية ومازال، بهجوم بعض قياداته على الشيعة والدخول على الهواء في تفاصيل مذهبية لم تحسمها حروب ومآس ونقاشات واجتهادات، فهل تحسمها برامج تلفزيونية، هذا الموقف من الأزهر طارئ على مسيرته وتكوينه، فشيخه هو شيخ الإسلام بكافة طوائفه، وعندما ينحاز إلى مذهب بعينه يضعف من دوره ومكانته، وعندما يصدر بيانات سياسية يرتد بوضعه إلى ما يشبه وضع الكنيسة في العصور الوسطى قبل عصر النهضة في أوروبا».

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية