حتر قتيل «داعش» ومخابرات الأردن والسيسي غاضب سعوديا.. ويهدد بالجيش

في زمن عربي رديء كهذا، أصبح مطلوبا أن تكشف مقدما عن هويتك الدينية والطائفية للأسف الشديد وإلا… ومهما زعمت انحيازك إلى الإنسان والضمير، بغض النظر عن آرائه أو مواقفه، طالما أنها مجرد كتابات سلمية، تبقى عرضة لهجمات «دواعش الحروب الإرهابية والإنترنتية» إن نجوت من أسلحتها القاتلة عمليا كما حدث مؤخرا.
ولن نخشى من عواقب إدانة شديدة لاغتيال الكاتب الأردني ناهض حتر الذي تابعت بعض كتاباته، واتفقت كما اختلفت معه. ومثل كثيرين في مصر، كان بين أول ما عرفناه سياسيا بشأن الاردن أن جهازه الاستخباراتي يعد واحدا من أقوى الأنظمة الأمنية عربيا، وأنه يمثل قوة صلبة حقيقية للدولة.
واعترف أن المشهد المروع لاطلاق النار على ناهض حتر امام المحكمة في عمان، الرمز الوطني للامن والعدالة، قوض تلك الصورة للمخابرات «الرهيبة»، ومعها هيبة الدولة ذاتها. نعم لقد اختار القاتل الداعشي (بغض النظر عن الاسم الارهابي الذي ينتمي اليه) مقر الحكومة ليوجه تحديا، بل تقويضا مقصودا للدولة، خاصة قياداتها السياسية والأمنية، إن مقتل حتر يمثل دليلا على الفشل الحكومي في تطبيق السياسة المعادية للإرهاب والتطرف الديني، وهي المعلنة من الملك شخصيا، الذي يدرك حتما مدى خطورة «داعش» ليس على أمن الاردن فحسب، بل على وجوده نفسه. وهكذا يتطلب الوضع اليوم مراجعة أمنية وسياسية وثقافية وتعليمية وقضائية وإعلامية لمواجهة خطر الارهاب الناتج عن انتشار «داعش».
وعلى الرغم من الصداقة الشخصية القوية التي تربط الملك عبدالله بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (وهو بين اكثر الزعماء العرب زيارة لمصر بعد الرئيس الفلسطيني)، فإن ثمة اسبابا غامضة غالبا تعيق الاسلاميين بمن فيهم المتطرفون في الاردن، من انتقاده، بما بما في ذلك عقد صفقة واسعة مع اسرائيل بلغت عشرة مليارات دولار لشراء الغاز، ويفترض البعض أن السبب يعود إلى أن انتقاد الملك في الاردن «خط احمر» لا يمكن الاقتراب منه. ولكن الامر يختلف بالنسبة إلى لغة «الشجاعة» من المعارضين ضد الرئيس المصري. والواقع أن مصر تعاني أيضا من الإهمال نفسه في تطبيق ما تعهد به رئيس الجمهوية من مواجهة انتشار التطرف الديني المؤيد للارهاب منذ اكثر من عامين، حينما طلب من الازهر المزدحم بعناصر سلفية أن يحارب الفكر المتطرف. ولكن من الانصاف التذكير بأن الوضع في الاردن اكثر صعوبة، حيث أن الاردن يدفع ثمنا باهظا بوجوده قرب سوريا.
وأصبح البعض يتحدثون في الأردن عن انتشار (خلايا نائمة) في مناطق عديدة، وهؤلاء استهدفوا بالفعل قتل عدد من عناصر امنية، بينها ضباط في المخابرات نفسها، بل واتهم بعضها بوجودها في أجهزة معينة، خاصة أن حتر تلقى ثلاث طلقات في الرأس ما يشير عادة إلى تصرف قاتل محترف. وهذا يبدو غير واقعي اذ أن الخسارة التي تكبدتها البلاد بقتل حتر تفوق بكثير اي مضايقات ربما كان يتسبب بها بمواقفه ومقالاته. وطالما أن الجماعات الارهابية، سواء في سوريا أو العراق، تزداد قوة وتحصل على المزيد من الأسلحة والمحاربين، فإن الوضع الاردني بخصوصيته العشائرية المعقدة يمكن فقط أن يزداد خطورة، ما يمثل امكانية انهيار شامل للدولة.

السيسي ونشر الجيش

بين سلسلة الخطابات والأحاديث التلفزيونية العديدة التي ألقاها الرئيس السيسي خلال الايام الماضية، ينبغي التوقف عند موضوعين فارقين. الاول خطابه امام اجتماع مجلس الامن المخصص للوضع في سوريا واختلافه العلني والقوي مع الموقف السعودي بشكل خاص. أما الثاني فخطابه الأخير بعد عودته إلى مصر الذي اعلن فيه للمرة الاولى أن (هناك تخطيطا جاهزا بأن الجيش المصري سينتشر خلال ست ساعات، لاننا مش هنسمح ومحدش يظن اننا هانسيب الدولة).
أما بالنسبة إلى حديثه في مجلس الأمن فكان الأقوى من جهة تأييده لبقاء الدولة في سوريا، بدون اشارة إلى نظام الرئيس بشار الاسد، و»رفض مصر للمنظمات الارهابية مهما غيرت اسمها» (في إشارة واضحة إلى جبهة النصرة)، ثم جاء إلى تعبيره غير المسبوق في غضبه عندما قال «إن من يظنون أن القوات الارهابية يمكن أن تنتصر في سوريا واهمون». وقد حظي خطابه بترحيب اعلامي خاص بين قنوات مقربة من النظام السوري، خاصة انه افتقد عنصر التوازن السياسي الذي كان يتمثل في تأييد مصر للمطالب الديمقراطية المشروعة للشعب السوري، والذي تمثل في استضافة مؤتمر لبعض المعارضين لبقاء الاسد.
ومن الغريب أن السيسي انتظر اكثر من عامين بعد توليه الرئاسة ليكتشف أن «انتصار الارهابيين وهم»، ما يثير أسئلة مباحة إن كان الأمر يتعلق بتراجع متسارع في خصوصية العلاقة مع السعودية منذ وفاة الملك عبدالله في بداية العام الماضي؟ وهل يمثل الخطاب الذي أصبح أكثر صراحة في تصريح وزير الخارجية بالحديث علنا لاول مرة عن (اختلاف مصري سعودي حول سوريا) مقدمة إلى تحول سياسي، خاصة عبر القناة السياسية العراقية المفتوحة حاليا على كافة الجبهات بين مصر وايران بشكل خاص؟ ويبدو أن غضب السيسي لم يكن بعيدا كذلك عن عدم عقد لقاء مع ولي العهد السعودي في مقر الامم المتحدة، رغم أن الاخير وجد وقتا للقاء مع وزير خارجية الامارات؟
اما على مستوى الخطاب الاخير للسيسي وتهديده بنشر الجيش في انحاء مصر خلال ست ساعات فقط، فقد اثار تحليلات متضاربة مصدرها اللغة الملتبسة في خطاباته غير المكتوبة، وطالما حذرنا من عواقبها. ومنهم من ذهب إلى أن السيسي كان يحذر الشعب من الخروج إلى التظاهر ضد النظام، فيما رأى آخرون أن المقصود القدرة على محاربة أي عمليات ارهابية بسرعة شديدة في كافة انحاء البلاد. الواقع أن الجيش المصري، وكما اشرنا سابقا، لن ينحاز إلى غير الشعب في حالة اضطر إلى النزول إلى الشوارع. وأزعم أن السيسي يعرف هذا جيدا حتى انه قال اكثر من مرة إن «الشعب يستطيع أن يعزلني بسهولة اذا اراد ذلك، ولايحتاج إلى مظاهرات كبيرة». ونكرر أنه يكفي خروج خمسين الف متظاهر مصري سلميا ضمن رغبة شعبية حقيقية في الشوارع مطالبين بانتخابات رئاسية مبكرة على سبيل المثال، فإن المؤسسة العسكرية لن تسمح برصاصة واحدة ضد شعبها، بل ستتضامن مع مطالبه، واقرأوا التاريخ، وآخره ثورة يناير.

كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

حتر قتيل «داعش» ومخابرات الأردن والسيسي غاضب سعوديا.. ويهدد بالجيش

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية