حجر رشيد: ابن وحشية قبل شامبليون

حجم الخط
12

تقول السردية الغربية، التي صارت بمثابة نسخة وحيدة معتمَدة على نطاق كوني، إنّ الضابط الفرنسي بيير ـ فرانسوا بوشار عثر على «حجر رشيد» الثمين، الشهير؛ في إحدى قلاع مدينة رشيد، سنة 1799، أثناء الحملة الفرنسية على مصر. وفي سنة 1822 تمكن الباحث الفرنسي في اللغات القديمة جان ـ فرانسوا شامبليون من فكّ شيفرة الحجر، بعد تنافس فرنسي ـ بريطاني محموم على الاستئثار بالقطعة الأركيولوجية النفيسة.
وكان البريطانيون قد هزموا الفرنسيين في مصر سنة 1801، على نحو ماحق تضمن أيضاً اضطرار المنهزم إلى تسليم جميع ما في حوزته من كنوز الآثار المصرية، المنهوبة، إلى المنتصر. وهكذا لم يتشرّف متحف اللوفر الفرنسي باحتضان الحجر الصغير الفريد، الذي يضمّ نصوصاً باللغتين القديمتين، المصرية الهيروغليفية واليونانية الديموطيقية؛ فذهبت الحظوة إلى المتحف البريطاني، حيث ترقد اليوم تلك التحفة التاريخية واللغوية. الفرنسيون ثأروا لأنفسهم، مع ذلك، حين احتكر شامبليون شرف فكّ وتصنيف محتويات الحجر قبل البريطاني توماس يونغ؛ وذلك حين أسقط من حسابه كليّاً الفكرة الغربية الشائعة عن الهيروغليفية بوصفها مجموعة رموز عن الأفكار والأشياء. إنها أبجدية صوتية، افترض شامبليون، واتكأ على هذا الافتراض لتحقيق إنجاز تاريخي ما يزال الغرب يفاخر به منذئذ.
ما لا تقوله السردية الغربية المكرسة، في المقابل، هو أنّ قصب السبق في فكّ شيفرات اللغتين القديمتين يعود إلى عالِم مسلم يدعى أبو بكر أحمد بن علي بن وحشية النبطي؛ كان، خلال أطوار الازدهار في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، قد وضع كتاباً بعنوان «شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام»، احتوى على شرح وتصنيف لأكثر من 80 أبجدية قديمة ومعاصرة؛ بينها أبجديات السريان والهرامسة والفراعنة والكنعانيين والكلدانيين والنبط والأكراد والكسدانيين والفرس والقبط، فضلاً عن الكوفي السوري، والمغربي الأندلسي، والهندي…
وفي سنة 1806، صدرت في لندن الترجمة الإنكليزية لهذا الكتاب، وأنجزها المستشرق النمساوي جوزيف فون هامر ـ بورغشتال؛ الذي أشار في المقدّمة إلى أنّ المخطوطة «سَلِمت» من أيدي «علماء» الحملة الفرنسية، رغم نجاحهم في الاستيلاء على الكثير من مخطوطات البلد الأصلية. ولأنّ الترجمة هذه كانت قد صدرت قبل 16 سنة من نجاح شامبليون في قراءة حجر رشيد، فإنّ من المستغرب ألا يكون الباحث الفرنسي قد اطلع عليها؛ بل لعلّ الإنصاف يقتضي التشديد على أنّ مقاربة ابن وحشية (في اعتبار الحروف جزءاً من أبجدية صوتية، وليست مجرّد رموز تصويرية) قد تكون وراء النقلة الحاسمة التي جعلت شامبليون يتخلى نهائياً عن الفرضيات الغربية الراسخة آنذاك. هكذا يقول المنطق البسيط، حتى إذا كنّا لا نملك دليلاً يثبت أنّ الفرنسي قد قرأ بالفعل كتاب العالِم المسلم. لكنّ مناقشة افتراض مثل هذا تعني، في جانب آخر، إحقاق حقّ ابن وحشية، في بعض المجد التليد الذي ينعم به شامبليون اليوم.
وللتوقف عند المزيد من هذا الحقّ، يُشار إلى أنّ ابن وحشية كتب في الفلسفة والزراعة والكيمياء، ووضع مجموعة من المؤلفات في السحر والطلسمات، منها «كتاب طرد الشياطين» و«كتاب السحر الكبير» و«كتاب السحر الصغير». وللرجل، في العلوم، كتاب فريد اسمه «الفلاحة النبطية» يُعدّ من أشهر المؤلفات الزراعية القديمة، وثمة مَن يردّ بعض فصوله إلى نصوص بابلية قديمة. ومن المدهش أنه، في فصل خاصّ بالعقائد الوثنية، يقيم صلة مادية مباشرة بين الزراعة وعبادة النجوم، ولا يتوقف عند القواعد الزراعية الصرفة بل يغوص عميقاً في ما يتناظر مع الزراعة من عقائد وخرافات وعبادات وتقاليد عتيقة، سادت في صفوف الأنباط أوّلاً ثمّ انتقلت إلى جيرانهم.
مناسبة هذه الوقفة، عند حجر رشيد وابن وحشية، هي أنّ المؤلفات الكثيرة حول أبحاث المصريات عموماً، واللغات والأبجديات القديمة تحديداً؛ التي تواصل الصدور ـ باستمرار، في كلّ شهر وعام، وأحدثها طبعة إلكترونية من كتاب واليس بدج الكلاسيكي «حجر رشيد»، 1893 ـ إنما تتابع اجترار السردية الغربية ذاتها، التي لا تغمط حقوق أمثال ابن وحشية (وقبله جابر بن حيان، في عمله الرائد «حلّ الرموز ومفاتيح الكنوز»)، فحسب؛ بل تمارس، في العلوم، سياسة النهب ذاتها التي اعتمدتها القوى الاستعمارية بصدد ثروات الشعوب الاقتصادية.
و«المستهام» لغة هو الولهان، المولّه، الهائم، شديد الحبّ… ومن الطريف أنّ ابن وحشية لم يرَ، في ذلك العمل على عشرات الأبجديات القديمة المعقدة، مسغبة ومشقة وعناء؛ بل رجّح فيه الشوق، وأنّ المشتاق هنا مستهام… في استقصاء رموز الأقلام!

حجر رشيد: ابن وحشية قبل شامبليون

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية