رام الله ـ «القدس العربي»: مع تواصل الهبة الشعبية الفلسطينية على الأرض تتواصل هبة أخرى قد تكون الأخطر على إسرائيل من خلال حركة المقاطعة الدولية لدولة الاحتلال وفرض العقوبات عليها وسحب الاستثمارات منها. وباتت إسرائيل تتخوف بشدة من سحب هذه الاستثمارات والمقاطعة الآخذة في الاتساع يوماً بعد يوم. فيما تتخوف على الأرض من الحملات الشعبية الفلسطينية لإعادة إعمار منازل الشهداء وحملة استعادة جثامين الشهداء التي باتت مجدية وأفقدت إسرائيل عامل الردع الذي لطالما تمتعت به.
وبعد وسم منتجات المستوطنات بقرار من وزارء خارجية الدولية الأوروبية، يدرس الاتحاد الاوروبي مطالبة إسرائيل بتعويضات مالية بسبب هدمها لمبان أقامتها في الضفة الغربية وتحديداً في منطقة E1 التي تسعى إسرائيل لتوسيع الاستيطان فيها من خلال طرد البدو وهو ما يوازي حملات المقاطعة الدولية. وهو ما صرحت به مديرة قسم التنظيمات الأوروبية في قسم أوروبا في وزارة الخارجية الإســـرائــيلية، افيفيت بار ايلان أمام لجـنة الخارجية والأمن البرلمانية.
وقالت ان «مصير البناء غير القانوني هو الهدم وإسرائيل لا تتقبل التحليل الأوروبي أن المقصود مساعدات إنسانية». لكنها رفضت عرض معلومات أوسع حول الحوار الدائر بين وزارة الخارجية وسفير الاتحاد الأوروبي في إسرائيل لأن النقاش خلال جلسة لجنة الخارجية والأمن كان مفتوحا. وأشارت خلال النقاش إلى قيام إسرائيل في آب/اغسطس الماضي بهدم 13 بناية للبدو في منطقة م1 وهدم خمسة مبان أخرى في الأسبوع الماضي ومصادرة الخيام التي تلقاها البدو كمساعدة في اليوم التالي للهدم.
وكانت اللجنة البرلمانية قد خصصت جلستها لمناقشة اتساع البناء غير القانوني في منطقة E1 التي تمتد على مساحة 12 كلم مربع في الجهة الغربية من مستوطنة معاليه ادوميم. وقال رئيس الجلسة النائب موطي يوغيف من البيت اليهودي انه تم الكشف خلال نقاش سابق للجنة عن قيام الاتحاد الأوروبي باستثمار 110 ملايين يورو في مشايع المساعدات الإنسانية في الضفة. وتم خلال الجلسة عرض شريط يصور من الجو المباني الجاهزة والمراحيض المتنقلة التي تم نشرها في منطقة E1 لخدمة البدو، بتمويل أوروبي. وقال بار ايلان خلال النقاش: «نعرف عن تفكير الاتحاد الأوروبي بتقديم دعوى يطالب فيها بتعويضات عن هدم المشاريع التي اقيمت بتمويل أوروبي وكل ما يتعلق باتهام إسرائيل بخرق القانون الإنساني في هذا الشأن. لكن إسرائيل هي السيادة ونتوقع التنسيق معها. وقد طلبت إسرائيل الحصول على قائمة بالمشاريع لكنه لم يتم التجاوب مع الطلب. وقررنا اجراء حوار غير رسمي في هذه المسألة، واتفقنا على عدم نشر تفاصيله على الملأ. ويشارك في هذا النقاش ممثلو وزارة الخارجية ومنسق عمليات الحكومة في المناطق ومقر الأمن القومي والسفير الأوروبي في البلاد».
ويتضح من النقاش انه يعيش في منطقة E1 اليوم حوالي 12 ألف شخص غالبيتهم من البدو الذين انتقلوا إلى هناك في السنوات الأخيرة. وقال نائب رئيس الإدارة المدنية العقيد اوري منداس خلال النقاش انه تم خلال 2014 بناء 974 بناية في منطقة E1 وتم هدم 408 منها. وتطرق منداس إلى خطة الإدارة لتحديد مناطق للبدو في هذه المنطقة وقال انها تواجه مصاعب. «فعندما تبحث عن امكانية تنفيذ خطة كهذه يجب أخذ كل المعايير وفحص ما إذا كان ذلك يلائم السكان». وعندها قاطعته النائب نوريت كوين من الليكود وقالت: «لماذا يجب ان تأخذ في الاعتبار الجمهور إذا كنا نعرف انه فلسطيني ولم يتواجد هناك؟ هذه ليست أرض محتلة»! وقال النائب بتسلئيل سموطريتش من البيت اليهودي ان الإدارة المدنية لا تنفذ أوامر هدم بيوت البدو والفلسطينيين بدوافع مرفوضة ويجب تحويل الأمر إلى رؤساء المجالس التي يتم البناء في منطقة نفوذها مثل معالية ادوميم. كما اقترح سموطريتش منع وصول مواد البناء إلى المنطقة.
ولم يتوقف الأمر عند التخوف الإسرائيلي من عقوبات جديدة بسبب عمليات الهدم وإنما تعدى ذلك إلى أن اجتمع رئيس حزب «يوجد مستقبل» يئير لبيد في بروكسل مع وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فدريكا موغريني وطلب منها العمل على صدور قرار خلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي القريب ضد حركة BDS وقالت موغريني انها ستعمل في الموضوع لأن الاتحاد الأوروبي يعارض الحركة. وقال لبيد ان الدعوة لمقاطعة إسرائيل تشجع ازدياد الأصوات المعادية للسامية في العالم.
لكن الجديد في حرب المقاطعة على إسرائيل هو ما أعلنه صندوق التقاعد في الكنيسة الميثودية الأمريكية الذي قرر سحب استثماراته من عدة شركات إسرائيلية بينها خمسة بنوك إسرائيلية كبيرة احتجاجا على «ضلوعها في خرق حقوق الإنسان». وهو ملف جديد على إسرائيل مواجهته مع كل ما تواجهه من ضغوطات أمريكية وأوروبية وحرب المقاطعة.
وتضم الكنيسة الميثودية أكثر من سبعة ملايين أمريكي ويسيطر صندوق التقاعد التابع لها على أملاك تقدر بأكثر من 20 مليار دولار. ولا يركز قرار الصندوق على إسرائيل وانما شمل سحب استثمارات من شركات تعمل في عدد آخر من مناطق الصراع في العالم. وجاء في بيان لإدارة الصندوق انه ابتداء من كانون الاول/ديسمبر الماضي دخلت بنوك العمال وليئومي وهبينلئومي هريشون وديسكونت ومزراحي طفاحوت ضمن القائمة السوداء للشركات التي يمنع الاستثمار فيها.
وكما يبدو فقد جاء قرار سحب الاستثمارات من البنوك الإسرائيلية على خلفية ضلوعها في تمويل البناء في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. ويشمل القرار أيضا شركة المعدات الأمنية «البيت معراخوت» وشركة «الإسكان والبناء» أيضا على خلفية عملها في الضفة الغربية.
ويعتبر قرار صندوق التقاعد في الكنيسة الميثودية استثنائيا لأن قرارات كهذه صدرت حتى الآن عن صناديق تقاعد أوروبية فقط. ويعتبر هذا القرار أحد أكبر القرارات التي تتخذها مؤسسة أمريكية في كل ما يتعلق بمقاطعة شركات إسرائيلية بسبب نشاطها في الضفة. وقال مسؤولون في وزارة الخارجية انهم يدرسون القرار حاليا وانه سيتم عشية انعقاد الهيئة العامة للكنيسة في ايار/مايو المقبل إجراء اتصالات هادئة مع رؤساء الكنيسة في محاولة لقلب هذا القرار أو على الأقل تخفيف حدته.
وما يزيد من مخاوف إسرائيل على الأرض هذه الأيام مع استمرار الهبة الشعبية الفلسطينية هو ارتفاع وتيرة الحملات الشعبية التي تعيد إعمار منازل الشهداء التي هدمتها إسرائيل وتضغط على الاحتلال في حملة أخرى لاستعادة جثامين الشهداء وهو ما أفقد الاحتلال عامل الردع الذي لطالما تغنى به. وتتهم دولة الاحتلال السلطة الفلسطينية بدعم هذه الحملات وإن بشكل غير مباشر إلا أنها باتت مصدر قلق حقيقي للاحتلال الإسرائيلي.
فادي أبو سعدى