في تقريره الذي زاد عدد كلماته عن مليوني كلمة حول الحرب الظالمة والكارثية والمدمرة على العراق عام 2003، لم يأتِ جون تشيلكوت بما يمكن اعتباره جديدا، أو لم يكن متوقعا.. لم يأت سير جون في تقريره، بنتائج لم يحذر منها اصحاب الضمائر الحية من الساسة البريطانيين، وهم قلائل، قبل بدء الحرب، ولم يكن متوقعا من تشيلكوت أن يأتي في تقريره بغير ما أتى به.
فتشيلكوت كما توني بلير رئيس الوزراء صاحب قرار الحرب، هو ابن المؤسسة والنخبة السياسية الحاكمة، وإدانته له لو حصلت ما كانت لتقتصر عليه فحسب، بل ستطال مجمل المؤسسة الحاكمة، حكومة ونوابا صوتوا لصالح قرار الحرب من الحزبين الرئيسيين العمال الحاكم والمحافظين المعارض. ما يعني غالبية أعضاء البرلمان.
وللتاريخ فإن الحزب الوحيد الذي صوت بكامل نوابه ضد الحرب حينها هو «الديمقراطيون الأحرار». يضاف اليهم طبعا عدد محدود من نواب المحافظين وكذلك العمال، في مقدمتهم الراحل وزير الخارجية روبين كوك، الذي استقال من منصبه احتجاجا، والراحل توني بن الذي قاد حملة شعبية معارضة للحرب نجحت في تنظيم تظاهرة ضمت أكثر من مليوني شخص، لم تشهد بريطانيا بحجمها في تاريخها. وكذلك جيريمي كوربين زعيم العمال الحالي الذي ظل رئيسا للجنة مناهضة الحرب حتى توليه زعامة الحزب قبل عشرة اشهر، وتحديدا في منتصف سبتمبر الماضي، وهو يتعرض منذئذ لحملة «اغتيال شخصية»، من قبل من يفترض ان يكونوا رفاقا له في الحزب.
وتحقيق تشيلكوت هو تحقــــيق من المؤسســة السياسية البريطانية القائمة حول نفسها، لذا لم يكن غريبا، بل كان متوقعا ان يتوصل سير جون إلى الاستنتاجات نفسها وأن يصدر تقريره بالصورة التي صدر فيها، بعد 7 سنوات من الإعداد، وتكلفة بلغت نحو 10 ملايين جنيه استرليني.
فإدانة تشيلكوت لبلير كانت ستعني إدانة للمؤسسة البريطانية الحاكمة، بجرائم حرب، وما لهذه الإدانة من تداعيات مالية وسياسية. فماليا سيكون من حق الشعب العراقي ملاحقة بريطانيا بقضايا ودعاوى تعويض تصل ربما إلى مئات مليارات الدولارات عما ألحقوه بالعراق من قتل مئات الاف البشر وتدمير بناه التحتية وتراثه الخ. أما سياسيا فستعني ملاحقة الساسة البريطانيين وتقديمهم لمحكمة الجنابات الدولية على الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب العراقي والويلات التي ألمت بالعراق خلال الحرب وبعدها وحتى يومنا هذا.
كذب تشيلكوت في استنتاجاته كما كذب بلير عندما قال إنه لم يتصور الكارثة التي حلت على العراق بعد الحرب. فالعارف بأبجديات العمل السياسي كان سيتوقع النتائج الكارثية للحرب الانغلوأمريكية التي أتت على البشر والحجر، وأطلقت عن سابق إصرار ومعرفة، مارد الفتنة الطائفية والإثنية من قمقمه لتفتيت العراق كأول حلقة من مسلسل التفتيت في المنطقة.
والمؤسف حقا أن كذب بلير أو تشيلكوت كان لصالح بلدهما، بينما أيد الكثير من المثقفين العرب والمعارضين العراقيين ممن فقدوا البصر والبصيرة، المخطط الانغلو أمريكي للحرب على العراق، إما بحسن نية للتخلص من نظام صدام، أو لغرض في نفس يعقوب، على حساب العراق، الوطن والشعب والتاريخ والحضارة.
كان هذا موقفهم وهم يعرفون جيدا ان هدف الحرب لم يكن إسقاط نظام صدام، بل هو الوسيلة، لتنفيذ مخطط المحافظين الجدد في الادارة الامريكية الجاهز للانقضاض على العراق. وعندما حان الوقت وسقطت حجة أسلحة الدمار الشامل، اتخذوا من جرائم نظام صدام، رغم مرور حوالي عقدين ونصف العقد تقريبا على توليه السلطة، الذريعة التي وجدت آذانا صاغية لدى العديد من أقطاب المعارضة العراقية في واشنطن ولندن وطبعا بعض العرب افرادا وحكومات.
وأكدت نتائج الحرب ان نظام صدام لم يكن قط هو المستهدف، بل العراق، العراق بنفطه وثرواته ونسيجه الاجتماعي والتعايش السلمي بين اطيافه ودياناته وطوائفه وإثنياته وأعراقه.
العراق كان المستهدف وليس صدام الذي كان أصلا مفروضا على الشعب العراقي يحكمه بالحديد والنار، بالترهيب والتعذيب والقتل والذبح، لاكثر من ربع قرن.. لم تحرك واشنطن ولندن خلالها ساكنا لنجدة الشعب العراقي من جرائمه وطغيانه.
25 سنة تقريبا استخدم فيها صدام كل أشكال القتل والتعذيب حتى السلاح الكيماوي ضد ابناء شعبه، ولم تتحرك «النخوة الإنسانية» في البيت الابيض ولا في 10 داونينغ ستريت.
25 عاما قتل فيها ملايين العراقيين والمعارضين السياسيين في الحروب وتحت التعذيب، ولم تحرك واشنطن أو لندن، التي شهدت بعض عمليات الاغتيال ضد شخصيات معارضة، ساكنا. وعلى مدى هذه السنوات وبدلا من التحرك لوقفه وصده وردعه لو افترضنا حسن النوايا، شاركت واشنطن ولندن، في تعزيز نظامه عسكريا وسياسيا بما يخدم مصالحها في المنطقة.
كل ذلك كان باديا لكل عين أرادت ان ترى، وهي بالتأكيد ليس اعين اطراف كثيرة في المعارضة العراقية التي فضحت الحرب اغراضها وادوارها وعادت إلى العراق على دبابات امريكية وبريطانية. فكان هؤلاء يكيلون تهم الخيانة والعمالة، لكل من كان يحاول التعبير عن رفض لهذه الحرب، أعماهم كرههم لصدام، ولا نلومهم في كرههم له والرغبة في تصفيته، عن مصلحة الوطن. وعندما كانوا يذكّرون بان امريكا ومعها بريطانيا وتاريخهما يشهد، لا يمكن ان تضحيا بمواطنيهما وجنودهما من اجل عيون الشعب العراقي أو أي شعب آخر.. يردون: «يحصل اللي يحصل بس المهم نخلص من صدام».
وها هو البعض منهم وبعد اكثر من 13 عاما يعضون اصابعهم ندما حيث لا ينفع الندم، فقد سقط نظام صدام ولا أسف عليه، وسقط معه العراق في بحر من الدماء بعد مقتل مئات الالاف من العراقيين، وادخل في دوامة العنف والتقسيم والتشرذم الطائفي والاثني والعرقي.. وليس في المستقبل المنظور ما يشير إلى إمكانية الخروج من هذه الدوامة، ووقف شلال الدم ووقف نهب ثرواته، بوجود نظام مثل النظام القائم في بغداد الذي عمته الاحقاد الطائفية حتى اصبح لا يختلف عن «داعش». وفتحت الحرب العراق على مصراعيه امام اجهزة مخابرات دول العالم للعبث به، وها هو الموساد الاسرائيلي يسرح ويمرح ويفعل ما بدا له بدون حسيب أو رقيب في اقليم كردستان واماكن اخرى.
لم تكن الحرب على العراق الا بداية المخطط الانغلو امريكي القائم على إعادة تفتيت المنطقة، بعد ان انتهى مفعول الاتفاق الفرنسي البريطاني المعروف بـ»سايكس – بيكو». وهذا ليس تخمينات ولا تحليلات والشواهد عليه كثيرة.
تكررت مأساة العراق في ليبيا، التي تتحدث الفوضى هناك عن واقع الحال. وتدخلت الدول الغربية وخرجت، والنتيجة نعيشها بعد خمس سنوات.. بلد ممزق لأقاليم تحكمه عصابات متقاتلة ولا دور يذكر للدولة المركزية، لا يفهم من ذلك تبرئة لنظام القذافي الذي طغى وقتل ونهب هو وابناؤه وحاشيتهم ثروات الشعب الليبي.
وطبعا الشيء ذاته يتكرر في سوريا.. حيث انطلقت الثورة الحقيقية فيها على النظام الديكتاتوري الدموي في دمشق.. ولكن سرعان ما اختطفت وركب موجتها اكثر من 170 تنظيما باسماء ما انزل الله فيها من سلطان، تمولها دول واحزاب عربية وإقليمية وغير اقليمية كل وفق مصالحه، وها هم «حلفاء الشعب السوري المفترضون» الذين ساعدوا إلى جانب النظام في تدميره وتفتيت نسيجه الاجتماعي والاثني، يتخلون عنه الواحد تلو الاخر، وآخرهم الرئيس التركي اردوغان، الذي كان اول من قطع العلاقات مع النظام واحتضن «المعارضة» وتعهد بمساعدة الشعب السوري، ها هو يلحس مواقفه السابقة ويبدي استعداده للتعامل مع هذا النظام كما فعلت من قبله دول غربية لم تأخذها حميتها الانسانية كما في العراق، للعمل على اسقاط نظام الاسد. وسيبقى الوضع في سوريا على ما هو عليه، لا غالب ولا مغلوب وتتواصل المعارك بين جميع الاطراف المتطاحنة بما فيها النظام، ويتواصل انقسام الوطن السوري مع استمرار اعمال القتل والتدمير.. ويبقى الخاسر الوحيد هو الانسان السوري العادي واللاجئ.
ولضيق المساحة نذكّر فقط بالاوضاع الكارثية في اليمن.
وهذا يدفعنا لطرح التساءل التالي: لماذا لا يعتمد عرب القرن الواحد والعشرين عموما على انفسهم وقواهم الذاتية وهي جبارة، للتخلص من طغاتهم؟ وكيف وبدون حياء يطالبون الولايات المتحدة علنا واسرائيل خفية، العون لتخليصهم من انظمة هي صانعتها وتعمل على بقائها خدمة لمصالحها، راح الزمن الذي كان يتستر فيه عملاء امريكا وجاء الزمن الذي يتفاخرون فيه بعمالتهم لها وحتى لاسرائيل… بئس هذا الزمن.
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح