حرب بلا بارود

حجم الخط
0

■ بعد ساعات من انكشاف أمر الاختراق الإلكتروني المزعوم لخوادم شركة سوني العالمية، من قبل كوريا الشمالية وتمكنها من إعطاب الملفات التي حملت فيلماً تشهيرياً بالزعيم الكــــوري، اعلن الرئيـــــس الأمريــكي عن نيته معاقبة بيونغ يانغ على خطوتها، واعتباره الأمر حادثاً خطيراً، وتوعده بألا يمر هذا الحدث مرور الكرام.
وبهذا انتقل عديد الصحافيين نحو دائرة التكهنات بطبيعة الرد الأمريكي المرتقب. هل سيكون ضربة عسكرية أم عقوبات اقتصادية أم تعطيلا واضحا لتدفق المعونات الإنسانية التي تتلقاها كوريا الشمالية الغارقة في همومها المتراكمة؟ سويعات قليلة فقط مرت حتى جاء الرد الأمريكي، الذي ما زالت تخشاه كل دول العالم، وهو قطع الإنترنت عنها، لاســـــيما أن أمريكا تحتفظ لنفسها بإدارة الشبكة العنكبوتية بصورة ترعب الجميع. إذ لم يبق مؤتمر واحدٌ في العالم متخصص بالإنترنت والاتصالات إلا وأثيرت فيه قضية إدارة الإنترنت وتحريرها من هيمنة دولة بعينها، واتخاذ الخطوات الكفيلة بتدويل هذه الإدارة. لكن الولايات المتحدة الأمريكية وقفت بكل حزم سداً منيعاً ضد هذا التوجه، إلى درجة ممارسة الضغوط الكبيرة على دولٍ عدة لوقف النقاش في هذه النقطة.
ويعود سر هذا التمنع لقناعة أمريكا بأهمية الإنترنت في حياة الناس وانتشارها بمعدلات فلكية، ووصول كل البشرية مع عام 2017 إلى خدمة الإنترنت، الأمر الذي يعطي أمريكا القدرة الأولى على السيطرة على المعلومات وتوظيفها أمنياً، ليس فقط على قاعدة «المعلومات قوة»، بل أيضاً على قاعدة أن التحكم بالمعلومات أيضاً قوة.
وأمام هذا وذاك ثارت الصين الشعبية على هذا الاحتكار فاستحدثت شبكتها الخاصة ومنصتها الخاصة بالتواصل الاجتماعي، رغبة منها بالخروج من العباءة الأمريكية القسرية في هذا المجال. لكن هذه الخطة البديلة لم تنجح حتى تاريخه في الوصول إلى عدد أكبر من البشر المستخدمين للخوادم الأمريكية والملتزمين بشروط مؤسستي الإنترنت الأمريكيتين الأيانا والأيكان.
وبالتالي لا أستغرب أن تكون كوريا الشمالية قد بدأت بنقل الوصول إلى الإنترنت إلى الشبكة الصينية جزئياً وبصورة لاسلكية، خاصة ما له علاقة بمنظومتها الأمنية وإدارة منصات الصواريخ الاستراتيجية، التي يعتقد الخبراء بأنها أصلاً لم تكن في يومٍ من الأيام تستند في إدارتها إلى العمود الفقري الأمريكي للإنترنت، أو مزودي خدمات نقل الإنترنت عبر الكوابل البحرية الشائعة التي تهيمن أمريكا على معظمها. إذن لم يعد من المستغرب اليوم أن نعيش حرباً بلا بارود ولا دخان، تماماً كما قيل ذات يوم عن الحرب الباردة وحرب النجوم ومسلسلات جيمس بوند الشهيرة. وأن يستخدم سلاح الإنترنت كمنصة عقابية، فهذا لم يعد مستغرباً وإن جاء متأخراً، لكون البعض قد بدأ تقنياً بالخروج عن السيطرة الأمريكية على عالم الإنترنت.
اليوم دخلنا في معارك غريبة لم تكــــن تعرفها البشـــرية إطلاقاً، وربما سنشهد المزيد من المعارك غير التقليدية لا تكون الغلبة فيها للنار والبارود والسلاح
التقليدي وإنما للمعلومات وحرب التحكم بها والسيطرة عليها.

٭ كاتب فلسطيني

د. صبري صيدم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية