حرب مكة الفضائية … والجيش السوري مظلوم… والنصر صحوة موت

 

ما الأهم: أن تنتصر في الحرب أم أن تتعافى منها؟ بمعنى أوضح، ما هي القيمة الحقيقية للنصر: أن تخرج من الدوامة أم أن تدخل في صحوة موت؟ أن تضيع البلد أم أن يظل الأسد؟ أن يفتتح «معرض دمشق الدولي»، أم أن يتحول الجيش السوري العظيم إلى فرق بوليسية وشبيحة أثر كالكلاب!
دمشق أمام كاميرا الـ «آر تي» والإخبارية السورية – بتجنن – تبدو للمشاهد قمرة البروج، في حفل الافتتاح، أما طريق المطار فيعج بالأعلام والسيارات والبشر والأضواء وزغاريد الرصاص، وفتيات طازجات كحليب السماء، ووفود من كل حدب وصوب، في اكتظاظ يشبه أعراس القرابين، ثم وفي أرض المعارض، دبكات وأشعار، وتصفيق حار، ورشرشات خفيفة كرذاذ الفرح لنوافير حزينة، ترقص على وقع البكاء الكظيم وتغني: حمد لله على سلامة الشهداء، ومبروك، عادت الشام، وضاعت الأمة! فهل هذا يكفي لكي ننتصر؟
مش مهم يبقى الأسد أو يذهب، ما دام وجوده وعدمه لعبة بيد الأمم لا أكثر ولا أقل، المهم أنهم كانوا هناك في موقع الحدث… أولئك الذين دمروا الشام، لا أستثني منهم أحدا… حضر المجرمون وغاب المقاومون، كأنهم جاءوا لينتقموا من الشهداء.. ألم يكن أولى بهم أن يموتوا ميتة فرعون، الذي هرع جبريل لحشو فمه بالطين والزبل كي لا يعطيه فرصة للتوبة يوم هلاكه؟
المؤسف، أن تستمر الحرب الإعلامية الرخيصة بين المناصرين والمعارضين للأسد معه أو عليه، لتأخذ شكل حرب الولايا، ومماحكات النسوان، أما الشام فقد بيعت في المزاد العلني، ولم يزل العرض قائما، ما دامت الحرب الحقيقية في حقيقة الأمر لم تنته، بل بدأت للتو، وسنرى في الأيام المقبلة ما خفي من هذه الحرب، حيث يعيد الحلفاء والأعداء ترتيب أوراقهم، بسبب تبدل المصالح والصفقات، وهنا فقط ستسقط الوجوه وتنكشف الأقنعة، وسنرى من سيوقع على عقود البيع والشراء والمحاصصة في مغارة الدم في قاسيون، التي لم يجف جرح هابيل فوق جدرانها بعد، وقد غادرتها السماء ولم يبق فيها سوى الغربان، التي تحفر القبور وتأكل الجثث!
المشهد مربك، والفرحة خائفة مترددة، مفتعلة، غشاشة، متنكرة، مؤلمة، يتيمة، مذبوحة، بل مغتصبة وبخسة وكاذبة وضعيفة خائنة مهزومة مكلومة ومنكسة ومولية أدبارها كآخر معاقل الأندلس! فهل سيهم الحزن بعدها؟ ألا يشبه حال أولئك المساخيط الذين يحتفلون بنصر طغاتهم عليهم، بينما يأنفهم الطغاة، بحال ذلك العريس، الذي سأل المأذون عن أجرته بعد توقيع عقد النكاح، قال له الشيخ: على قدر جمال زوجتك، فأعطاه العريس عشر ليرات، وحين رأى المأذون عروسه، أعاد له خمسة قائلا: أنا لا آكل مال الحرام!
حسنا إذن، قل لهم أيها القلم، «إنهم بقرفوا، إعْ»، وأنت تراهم سكارى وما هم بسكارى، أما أنت يا شام، فتعالي أرفع بندقية ذاك البطل الجنوبي فوق هامة الشمس، بما يليق بمن لا يركعون للأوثان، ولا يأكلونها، إنما يصنعونها فقط!

حرب مكة مهزلة «بي بي سي»

عندما زرت المسجد النبوي قبل أعوام قليلة، للمرة الأولى في حياتي، كنت أتمنى زيارة مثوى الرسول الكريم، الذي لم أستدل عليه، فلجأت إلى أحد الشيوخ في باحة الحرم أسأله عنه، فإذا به يهم بضربي وزجري، قبل أن أمنعه مهددة له، ليس بعروبتي ولا بإسلامي للأسف، فهذه شؤون لم تلق عنده ذرة احترام، إنما ببريطانيا العظمى، التي تحمي رعاياها حيثما حلوا، أما ذنبي كما أقره هذا المطوع، فهو: حرمة زيارة النساء للقبر! وهو ما يذكرك ببرنامج عرضته قناة «عشوائيات فكرية» عن كتاب الياباني «نوبواكي نوتوهارا»، (العرب ووجهة نظر يابانية)، الذي قدم فيه تأملا فكريا وأخلاقيا للأمة العربية، بعد أن عايش عربانها لأكثر من أربعين عاما، فكان أول ما لفته، أن تعليم الدين الإسلامي في هذه البلاد لم يمنع من تفشي وتوغل الجهل فيها، وأن الناس هنا متدينون جدا وفاسدون جدا… وأن ثقافة الحلال والحرام والشرف والعار هي الثقافة السائدة، وأن العرب إن أرادوا أن ينتقموا من طغاتهمم الذين يهزأون بهم ويحتقرونهم، يدمرون أوطانهم! وضف على ذلك، تملؤهم الأحقاد والكراهية وصنوف الانحلال، ويحدثونك عن المحبة والتسامح والأخلاق الحميدة، فهل صدق نوتوهارا، أم كذبت الـ «بي بي سي»؟
«بي بي سي» عربي «من أخطر القنوات الفضائية، التي وجب الحذر منها بمتابعتها لا بتجنبها، فرسائلها لاسعة كالثلج، في حقل عربي محترق بل شائط، ومن شاهد برنامجها «حصار مكة» سيدرك معنى ما نسوقه!
الحلقة تعرض لقصة «المهدي المنتظر» بالتزكية، محمد بن عبد الله القحطاني، ورئيسه الحركي جهيمان العتيبي، والتي بدأت في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1979، أول أيام حصار مكة، حيث هتفت الجموع في الحرم بالتكبير والتهليل بعد أن بشرها «خالد اليامي» أحد رجال «جهيمان» تاجر المخدرات السابق، والمتمرد السعودي، الذي ضاق ذرعا ببدع الأسرة الحاكمة، بأن علامات ظهور المهدي اكتملت، مطالبا إياها أن تفسح ممرا لعبور المهدي… وقد فعلت وهي تبكي خشوعا… ويلاه ممن ضحكت من جهلها الأمم!
أما المهدي فهو في الحقيقة محمد القحطاني، الذي بشرته جماعته السلفية بمهديته، لكنه لم يقتنع، وحين أصرت عليه الجماعة مدللة على البشرى برؤيا، قرر الاستخارة، وبعدها اقتنع، والحمد لله، أما السلطات فلم تحرك ساكنا في اليوم الأول، ولكن الأمير نايف بن سلطان ألقى بيانا بعد ذلك ينفي مسؤولية إيران وأمريكا عن الاعتداء على الحرم، ثم وقعت المواجهة الكبرى في أطهر أرض، الأرض التي كان الجاهلي يرى قاتل أبيه فيها، ويكف عنه، حتى خروجه ليقتله، فماذا حدث للمهدي يا ترى؟
«بي بي سي» تقول، إن المهدي لا يقتل، ولا يموت، والتاريخ يقول إنه قضى نحبه في المواجهات، وأعدمت السلطات السعودية كل الناجين وعلى رأسهم جهيمان، الذي ظل ينتظر جيش المهدي حتى آخر رمق، حيث لفظه قبل وصول المدد!
المذيع كاد يبكي، وهو يتلو النبأ الختامي لمعركة الأداء التمثيلي، المطعم ببعض المشاهد الحقيقية، لمصلين حزانى وحمام فزع، وباحة صلوات مهجورة، وأرض حرمين وقفت حركتها النهضوية إثر تغلغل الأصداء السوداء لأولئك المتطرفين، الذين رحلوا تاركين وراءهم إرثهم الذي لم يزل مؤثرا وفاعلا حتى اليوم، عن إساءة آل سعود للإسلام، وضرورة تحرير الحرم من احتلالهم له!
لو أنك تابعت برنامج «الجزيرة» الوثائقية عن الحشاشين، لكفرت بالتاريخ، لأنه لم يغشك، ولم يتحايل عليك، ولم يصدقك، إنما جعلك تغش نفسك به، خاصة لما تعلم أن الحشاشين كانوا عند الغرب رمزا للعشق، وأن الجنة التي يكافئ بها الشيخ القاتل الأجير كانت في حقيقة الأمر إلياذة العشاق… فهل بعد هذا تجد تفسيرا لارتداع المطوع في بداية هذه الفقرة، عن استخدام عصاه؟
يا أيها المشاهد، حجا مبرورا وسعيا مشكورا… ما ظل فيها لا كسر أصنام ولا طير أبابيل، كل ما هناك، عصيان سياحي، وضيافة أرجيلة ببلاش على كورنيش جدة!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

حرب مكة الفضائية … والجيش السوري مظلوم… والنصر صحوة موت

لينا أبو بكر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية