حرق معاذ: تطهروا من «دواعشكم» أولا

حجم الخط
20

كلما ظن المراقبون أنه وصل إلى الحضيض في انعدام الإنسانية، ومعاداة كافة القيم الدينية والعربية والحضارية، يأبى «داعش» إلا ان يفاجئ الجميع بجرائم جديدة تعجز اللغة عن توصيف بشاعتها، ولا تصدر إلا عن كائنات لا تستحق شرف الحياة.
كان من المفترض أن نستكمل اليوم تحليل أحداث الذكرى الرابعة لثورة يناير، التي كنت شاهدا عليها في القاهرة الأسبوع الماضي، إلا أن ثمة أحداثا مروعة فرضت نفسها على الأمة، بل زلزلت وجدانها منذئذ لا يمكن تجاهلها.
واستحقت جريمة حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيا أن تتصدر الجرائم الدنيئة التي ارتكبها التنظيم حديثا، وإن كانت للاسف الشديد ليست الوحيدة، وحتما لن تكون الأخيرة. إذ قامت إحدى أذرع التنظيم في سيناء بجريمة لا تقل بشاعة، عندما شنت الخميس الماضي هجوما بقذائف الهاون في منطقة سكنية داخل مدينة العريش، ما أسفر عن مقتل نحو ثلاثين جنديا وخمسة عشر مدنيا، أغلبهم نساء واطفال. ثم قام بذبح الرهينتين اليابانيين، لينضما بذلك الى قائمة طويلة من الضحايا الأبرياء، نعرف أولها لكن يصعب رؤية نهاية لها. ناهيك عن اكتشاف مقبرة جماعية ضمت عشرات المدنيين الايزيديين، أغلبهم نساء وأطفال قرب سنجار في شمال العراق. وتطول القائمة، لكن لا يمكن تجاوز خطف رجل دين مسيحي وقتله وتدمير أقدم الكنائس في مدينة الموصل، وهدم سورها الأثري، ثم إحراق آلاف الكتب العريقة (بما في ذلك الموجودة في بعض المساجد)(..).
كل هذه الاهوال في حق البشر والحجر ودور العبادة والقيم الثقافية وتراث الحضارة الإنسانية حدثت في أسبوع واحد.
ولو شاهدنا أي جريمة من تلك التي ارتكبوها بأعيننا، لربما شعرنا بأنها لا تقل بشاعة عن حرق معاذ، إلا ان صور النيران التي التهمته، وحرقت معه قلب أمة باكملها، جعلتنا نكتشف اننا لسنا امام مجرد جماعة ارهابية لا دين لها الا التوحش، بل عصابة من المرضى الموتورين، لا تعمل عقلا، ولا تعرف وازعا من دين او قيم، ولا تراعي قواعد او مصالح، بما في ذلك مصلحتها الخاصة.
لقد بدت الأمة كلها محبوسة مع معاذ داخل القفص، تتألم من السنة اللهيب، لكنها شعرت ايضا كأنها «داعش» شاركت، بفعل أو لا فعل، في إشعال النيران، فاختلطت مشاعر دفينة بالذنب وجلد الذات، بهول الحزن والصدمة امام الفاجعة.
ولم يستطع النحيب والبكاء ان يخفي صوتا في عقل الأمة ووجدانها يذكرها بأن «داعش» ليس سوى «منتج ثقافي» خرج من أصلابها الفكرية والايديولوجية والاجتماعية، وان اجتثاثه مستحيل من دون جراحة لا تجبن عن استئصال مواطن المرض في تكوينها.
ثم أبى «داعش» إلا ان تكون الصدمة مكتملة الأركان، فنشر ما زعم انها فتوى تبيح القتل حرقا، وجاء فيها: «إن الأحناف والشافعية ذهبوا إلى جواز التحريق مطلقًا، وأن تفسير المهلب ابن صفرة لقوله صلى الله عليه وسلم: (النار لا يُعذب بها إلا الله)»، ليس هذا النهي على التحريم، بل على سبيل التواضع». 
وأضافت: «الحافظ ابن حجر قال «يدل على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد سمل النبي أعين العرنيين بالحديد المحمي.. وحرق خالد بن الوليد بالنار ناسًا من أهل الردة». بل زعم ان خلفاء راشدين فعلوا ذلك فقال «لما أتى قوم من أصحاب عبدالله بن سبأ الحميري إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال أحدهم: (أنت هو)، فقال لهم: (ومن هو) قال: أنت الله، فاستعظم رضي الله عنه الأمر، وأمر بنار فأججت وأحرقهم بالنار، وفي ذلك يقول رضي الله عنه: لما رأيت الأمر أمراً منكرا أججت ناراً ودعوت قنبرا، مولاه، وهو الذي تولى طرحهم في النار، فهذا الخليفة الراشد رضي الله عنه أحرق أناسا بالنار».
وبالفعل فان مثل هذه النصوص موجودة في كتب تراثية، مثل البخاري، اكتسبت قدسية مزيفة، جعلت بعضها «أصح الكتب بعد كتاب الله» وهو ما لم يـــرد في أي من من أصول الإسلام.
ولقد أحسن الازهر بإصدار فتوى تبيح قتل اولئك الارهابيين وصلبهم، الا ان المطلوب منه اكبر كثيرا من مجرد اصدار بيان، اذ يجب اتخاذ اجراءات عملية محددة تتعلق بتنقية التراث والمناهج وحتى العاملين فيه من «الدواعش».
ولقد تحدثنا في الماضي عن الكتب التي تفتح ألف باب وباب للتكفير والقتل، مثل «وجوب قتل أي شخص اذا أتى بأي قول او فعل يستدل منه على انه مرتد، ثم اكل لحمه»، و»قتل تارك الصلاة حتى وإن يؤمن بوجوبها». وهي موجودة ويدرس بعضها في الأزهر حتى اليوم، رغم انها تحول الدين الحنيف السمح الى دين للقتل. اما بالنسبة لبعض الدعاة التابعين للأزهر والمفترض ان يكونوا رأس الحربة في محاربة التطرف، فكثير منهم يروج يوميا لافكار «داعش» المسمومة. وتناقل المصريون قبل عدة أيام اخبار رفض احد الائمة اداء صلاة الغائب على جثمان احد الجنود المصريين الذين قتلوا في سيناء في مسجد حكومي، معتبرا انه «كافر لا تجوز الصلاة عليه».
وينبغي على كافة البلاد الاسلامية، خاصة السعودية أن تتخذ الاجراءات نفسها في مواجهة الفكر الوهابي، الذي اعتبره مدير منظمة «هيومن رايتس ووتش» مؤخرا «منبعا أساسيا للارهاب». نعم البداية الحقيقية يجب ان تكون نزع «الدواعش» من عقولنا وثقافتنا ومدارسنا ومساجدنا.
واذا كان هناك من يظن ان «غزوات» الدواعش هنا وهناك يمكن ان تحرز إنجازا سياسيا، فانه يحتاج الى التوقف والمراجعة، إذ أن الارهاب يقدم اكبر دعم لاستمرار الانظمة الديكتاتورية، باعتبار انها (على سبيل اهون الشرين) تبقى خيارا افضل بالنسبة الى الغالبية الساحقة من شعوبها.
وقبل يومين فقط قضت محكمة بريطانية بالسجن لثلاثة أعوام ونصف العام على شاب عائد من سوريا لمجرد أنها وجدت أدلة على ترويجه لافكار «داعش»، ولم نسمع صوتا يتهم القضاء بانه «مسيس» او الحكومة بخنق حرية التعبير.
اما في بلادنا فما اكثر وسائل الدعاة والسياسيين والمحسوبين زورا على مهنة الصحافة والاعلام، من الذين «يلمعون» داعش فكرا وتنظيما واجندة لمصالح ضيقة اوغرض في نفوسهم.
ورغم ايماننا القديم والثابت بضرورة الحفاظ على حرية الرأي، مهما كانت الظروف، لكن الواقع اليوم هو ان «داعش» اعلن الحرب ليس فقط على الدول والانظمة الشمولية التي ندينها ونرفضها، بل وعلى الاطفال والنساء والأمن والاستقرار والاقتصاد والثقافة والحضارة والحياة نفسها، وقبل هؤلاء جميعا على الإسلام. نعم لقد فرض علينا حربا شاملة، ولم يترك لنا خيارا سواها.
نعم إنها الحرب.. حرب وجود ومستقبل تفرض قوانينها الخاصة، وتتطلب مواجهة شاملة لا تقتصر على المدافع والغارات، بل تتصدرها حزمة إصلاحات سياسية وتعليمية ودينية وإعلامية وثقافية واجتماعية، لا يمكن الانتصار بدونها.
أما اذا كانت ألسنة اللهيب التي قتلت معاذ، لا تكفي لإشعال نقطة ضوء واحدة في نهاية النفق، او نيران غضب مستحق لا تهدأ الا بنهاية هذا التنظيم، فلا يمكن تصور ما الذي يمكن ان يحدث لتفيق أمة تندفع بحماس نحو الهاوية.

٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»

خالد الشامي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية