حركة النهضة في تونس: أنموذج أوفى للإسلام السّياسي يتأرجح بين مساعي الحكم وإلحاح المراجعات

لا يمكننا أن ننكر أنّ حركة النهضة في تونس طوّرت نظرها باتّجاه مفهوم المجتمع المواطني، مجتمع المدنية والتعايش.ولكنّ الأخطر في هذا كلّه أنّ هذا الحزب مازال يرتهنُ لشخص، بمعنى أنّه من الأحزاب الراديكاليّة المنغلقة على ذاتها، ضمن دائرة مصغّرة تتّبع أفكار الشّيخ الملهم أو الأب الرّوحي، ولا رأي للقواعد المنخرطة ضمن هذا الحزب.
فكلّ الخطوات التي أقدمت عليها هذه الحركة تمّت بمعزل عن القواعد، وإن أظهرت نوعا من التّواصل الشّكلي الذي لا يغيّر شيئا. وتتمظهرُ حركة النهضة اليوم كاتّجاه ما بعد إخواني، بالنّظر إلى تطوّر أدبيّاتها التي تجاوزت وعدّلت على نحو ما تنظيرات «حسن البنا» أو «سيد قطب» الذّي مثّل كتابه ”معالم في الطريق” انحرافا خطيرا في فكر الإخوان المسلمين تناقض فيه مع رسالة «البنا» مؤسّس الجماعة.
ولعلّها تنهل أكثر ممّا سمّاها «أبو الأعلى المودودي» بالثّورة السلمية التي طرح فيها مفهوم ”الحاكمية” وأخرجه عن سياق الجهاد ووجّهه صوب تحقيق الانقلاب الإسلامي الشّامل بوسائل غير انقلابية بمعنى تجنّب العمل العنفي والسرّي، وهو الخيار الذي سلكته حركة النهضة بدفع من راشد الغنوشي مُنظّر الحركة الاسلامية ذات الصّبغة المدنيّة في وجه من وجوهها اليوم.
وهي التي بدت في توجّهاتها الاقتصادية أقرب إلى النزعة الليبرالية، بالنظر إلى النّمط الاقتصادي الذي اتّبعته أثناء حُكمها، القائم على الاقتراض والمديونية ومواصلة نهج نظام التجمع الدستوري في رهن البلاد للبنوك الدولية ومنظمة التجارة العالمية. وإنّه وإن كانت أولويات هذا الحزب الليبرالي الإسلامي في تقديري قائمة على بناء دولة الحق والقانون، قبل أيّ شيء آخر، كما يُفهم من أدبيات سطّرها مُرشدها الأوّل.. فإنّ ذلك لا يتعدّى الشعارات الدعائية لا غير، بالنّظر إلى مطلب البحث عن المكاسب في شكل أموال طائلة وُزّعت على هؤلاء قيادة وقواعد كتعويض عن النضال.
واليوم المتغيرات الإقليمية وسقوط رأس حركة الاخوان في مصر دفع النهضة للتخلّي عن السّلطة، ولكنّها وجدت صيغا أخرى للتّحالف مع حزب نشأ كردّة فعل ضدّها وهو «النداء» الذي أصبح مجزّءا ومُشرذما ويتّضح التّحالف بين الحزبين اليوم في توافقهما على قانون المصالحة، الذي يخدم كليهما ماضيا وحاضرا، وترسيخهما لبيروقراطية متعفّنة من شأنها أن تضمن تقسيمهما لمناصب الانتخابات البلدية المقبلة، وإنّ غدا لناظره قريب.
والمسألة هنا موجّهة للنسق التعدّدي إن كان قابلا في المستقبل لاستيعاب أشكال التعدّد السياسي بالنظر إلى مستقبل هذه الأحزاب القائمة على أبويّة روحيّة مطلقة، وهنا يتماثلُ النداء مع النهضة في هذه النقطة تماما وهو ما يطرح سؤالا عن مصير هذين الحزبين بعد الشيخين.
يبدو أيضا أنّ الإسلام السّياسي الذي ارتبط بحركة النهضة وغيرها من الجماعات الاسلامية التقليدية أو الراديكالية يُحاول أن يقترب من الاسلام الشّعبي ويضمّه، وهو ما بدا واضحا خاصّة في فترات الدّعاية السّياسية، وتجلّى أكثر في فترة الحكم بالنّسبة للنّهضة، ليكشف محاولة الإسلام السّياسي أيضا أن يدمج الإسلام الرّسمي الذي يرتبط بجهاز الدولة. وتغفل مثل هذه الاتجاهات الإسلامي أهمّية، لا بل ضرورة أن يحدث تواصل لا اندماجا بين الأنماط الثلاثة، وأن يحتفظ كلّ منها باستقلالية ذاتيّة قائمة عمليّا وتفاعليّا، لا أن تتمّ محاولات أسلمة الإسلام الشّعبي وكذلك الإسلام الرّسمي ضمن أطر الإسلام السّياسي ونمطيّته، وهو الذي دفع بهذا الاتّجاه رغبة في شيوع خطابه الإسلامي كمرجع وحيد لمفهوم الدولة – المجتمع.
تشكّل الدّولة الأساس المحوري في إشكالية العلاقة بين المثقّف والسّلطة والحالة العربية، سواء في تيّارها الإسلامي أو العلماني أو الليبرالي، إنّما كرّست التّقليد الفكري والأيديولوجي ضمن أطر التّقليد السّياسي للغرب. ومن المعلوم أنّ الاسلاميين واليساريين والعلمانيين كذلك كانوا ضحايا الاستبداد وانعدام الديمقراطية، ولكن من جرّب الحكم منهم وتحديدا الاسلاميين لم يعوا ذلك بشكل جيّد، كما يبدو لأنّهم وبشكل من الأشكال كانوا طرفا بعد استلامهم الحكم في وجود الدولة المستبدّة بأنماط قديمة ومستجدّة. ويبدو أنّ فكر الإسلام السّياسي مازال يتأسّس على ترسيمة الجماعة والعدل والقيادة ضمن ترسيمة حكمية أساسها «العدل أساس الملك» شعارا بلا مضمون قيمي أو أخلاقي.
إنّ النظام الديمقراطي نظر وممارسة عملية وآليات تسيير في إطار من النّسق التعدّدي والتّفاعلي، ولكنّ المدقّق في مسار حكم الإسلام السّياسي في تونس، لابدّ أن يتسرّب إليه الشكّ في أن تكون الثقافة الديمقراطية جزء من توجّه قيمي كان موجودا مثلا. فمشهد المحاصصة بدا واضحا في إطار توزيع الحقائب الوزارية، مباشرة بعد استلام الحكم في شكل أبعد ما يكون عن الكفاءة والاقتدار، حلّت محلّه شرعيّة السّجن ومزاودات النضال لتحصيل المكاسب، وهو ما يعكس مراهقة سياسيّة واضطرابا في الممارسة، رغم ماضي الطّرح النظري السّياسي، ما أدّى إلى السقوط في التناقض من منظور «ألف باء» الفكر الديمقراطي. فهذا ليس فكرا ديمقراطيا في صُلب بنيته القيمية ولن يكون، خاصّة والمسار أوغل في الأخطاء والارتباكات، وكان لا بدّ لذلك من نتائج تعكس وهن النّظر وخطأ التوجّهات، وفي الجملة يبقى التحوّل الديمقراطي لهذه الأنظمة مرهونا بقدرتها على مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية النّاجمة عن اندماجها في الاقتصاد العالمي وتحدّياته الكثيرة ضمن نسق العولمة باتّجاهاتها المختلفة.
والاختبار الحقيقي ليس في التنظير والماهوية، بل يكمنُ في طرح برنامج وطني ديمقراطي يتفهّم طبيعة المرحلة وكيفيّة إدارة العمل السياسي، الذي يلينُ أمام التعدّدية في حال استبطانها جماهيريّا، ويستعصي ويدخل المجتمع في اضطرابات وقلاقل ونزاعات في حالة التعنّت في الاستقطاب الأيديولوجي المتصلّب ضمن إطار المرجعيّة، التي تغيبُ عنها المُراجعات.
إنّ الثّقافة الدّيمقراطية ضروريّة لعمليّة الانتقال الدّيمقراطي، والدّيمقراطية ليست حكم الأغلبية بالمفهوم السائد ذي الطبيعة الساذجة، لأنّ الدّيمقراطية الحقيقيّة هي حكم الأغلبيّة، بمُوجب حقوق المواطنة وقوانينها، بمعنى هي حُكم الأغلبيّة، ولكن بشروط تستبطنُها من مضمون المواطنة وموجباتها: الدّولة كمؤسّسات والمواطنة الديمقراطية الكونيّة كأساس وبنية فوقية هرميّة تتعدّى كلّ الأطراف وليست محلّ مُزاودات ونسج على المقاس، مواطنة تتطابق مع الفرد كقيمة إنسانية وهو الفرد المواطن في دولة ديمقراطية ولا يمكن تصوّر السّيادة لدولة ما تتجاهل قيمة الفرد والمواطن، إذ لا تكتمل السيادة دون توفّر عنصر المواطنة بمفهومه القيمي الشمولي والكوني.
ذاك تقدير يحيلنا إدراكا أنّ الانتقال الديمقراطي مسؤوليّة وطنيّة وليست مسؤولية حزبية، والمهمّ ليس من يحكم بل كيف يحكم؟ ويبدو أنّ الإسلاميين الذين اعتبرنا سابقا أنّ من حقّهم أن يجرّبوا الحكم – وهم الذين قضّوا وقتا طويلا في التنظيم والنضال السياسي، دفعوا خلاله ثمنا باهظا يُماثل ما دفعه اليسار زمن الديكتاتوريات – قد أثبتوا فشلا ذريعا في تجربة الحُكم، عندما اعتبروه غنيمة للاقتسام وفق شرعيّات موهومة وخاطئة، من ذلك أنّ شرعيّة السجن تعني شرعيّة السُلطة والجهل الصريح بآليات تسيير الدولة، فالمُحاصصة والاقتسام أفضت إلى غياب الفصل بين مطالب الحزب ومطالب الدولة ومطالب المجتمع ومطالب الفرد المواطن.
هكذا اذن، نُناضل طويلا من أجل الديمقراطية كي نفشل في ممارستها، ويغيب إلى الآن فصل المقال في فهم ألف باء الفكر الديمقراطي والحياة المواطنية. فالديمقراطية هي تحوّل الحالة الوطنية من شعب في خدمة النظام الى نظام في خدمة الشعب، وإذكاء صفة المواطنة والتخلّص من السّلطة الرعوية والأنظمة شبه الإقطاعية التسلّطية والسّلطانية.
ذاك شيء من فهم يدفع باتّجاه القول أنّ الصّراع الحقيقي اليوم هو صراع «القوى» داخل المجتمع يُوازيه صراع «القيم» داخل المجتمع، والحلّ قد يكمن في إيجاد صيغة تناسقية وتوفيقية تجمع بين ما هو «طبيعي» وما هو «خلقي»، فما من صراع بين الأفكار الاّ وهو يخفي صراعا بين أشخاص تأثّرا وتأثيرا. وقد لا تمنعنا الديمقراطية المتدرّجة من أن نكون حاضرين في لعبة الحقيقة والخطأ التي هي لعبة العالم. وعلى هذا الأساس نحن في حاجة إلى مزيد من التعرية الأركيولوجية والثقافية لكلّ المُعوّقات من تصوّرات خاطئة وأيديولوجيات متشدّدة ورواسب دفينة ترسّخت على هيئة مسلّمات لا تُناقش وشكّلت بذلك عقبات فكرية وابستيمولوجية ضدّ أيّ تحرّك حضاري إيجابي أو انطلاقة نهضوية وحداثوية حقيقية من شأنها الارتقاء بالفرد والمجتمع والدولة.
٭ كاتب تونسي وباحث في الحضارة

حركة النهضة في تونس: أنموذج أوفى للإسلام السّياسي يتأرجح بين مساعي الحكم وإلحاح المراجعات

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية