تاريخ الشعب الروسي مثخن بالمعارك الطاحنة، عمليات الغزو والاجتياح، المجاعات والأوبئة، وبين مرحلة وأخرى كانت الطموحات الروسية تستيقظ لقيادة الشعوب السلافية، والحصول على حصة من المستعمرات الأوروبية ومناطق النفوذ، وكانت محطات الفشل كثيرة ومتتابعة ومحبطة، وربما يرجع ذلك إلى أن وفرة الأرض والثروات في النطاق الحيوي لروسيا كان يمثل عاملاً مثبطاً للروس يكبح رغبة أباطرتهم في التوسع.
عشرات الملايين من القتلى وأجيال ضائعة بالكامل بذلت من قبل الشعب الروسي في أكثر من ملحمة للدفاع عن أراضيه، مع المغول الذي تمكنوا من الوصول إلى شرق أوروبا عبر روسيا، وبعدهم الفرنسيون مع نابليون بونابرت، وأخيراً الغزو الألماني. هل كانت الأرض تقاتل مع الروس بظروفها المناخية الصعبة والمتطرفة، ذلك صحيح إلى حد كبير، ولكنه لا يبخس الحس البطولي للروس في شيء، السيناريو كان متشابهاً، صدمة عميقة تليها محاولة للتكاتف والتلاحم، ترتيب الصفوف، وارتداد صاعق، وفي النهاية انكفاء سياسي واستراتيجي وفشل في اقتناص الفرص في ظل وجود شعب يعتقد تماماً أنه استحوذ على كل ما يلزمه في أراضيه، وأن شيئاً لا يستحق أن يدفعه للموت خارجها. كان الروس دائمي التعامل مع التحديات في نطاقهم الحيوي، العثمانيون والسويديون خاضوا حروباً سجالية متعددة الجولات، ولكنهم لم يبدو ذات المرونة والقدرة على الاستجابة إلا في إطار محدود مكاناً وزماناً، وتحديداً مع العصر السوفييتي وغزو كل من بودابست 1956 وبراغ 1968، أما الحرب الكورية والفيتنامية فكانت حرباً غير أصيلة بالنسبة لهم أو بالأصح الفصول الساخنة من الحرب الباردة.
أمام هذه المعطيات يمكن أن يطرح التساؤل حول جدية الروس في تدخلهم الأخير في سوريا، وربما قدرتهم على المواصلة في حرب غير نظامية بأهداف متعددة ومشتتة، وعملياً فإن صولة موسكو السورية أخذت زخمها من تردد أمريكي بدا واضحاً بعد إنجاز الاتفاق النووي مع ايران، فالتصريحات الأمريكية تدلل على عدم وجود رؤية متكاملة يمكن أن تنعكس في خطابهم السياسي تجاه المنطقة، ولكن ذلك لا يعني أن الأمريكيين لا يمتلكون خطوطاً حمراء ستتجاوز البيت الأبيض، الذي يشغله رئيس ديمقراطي، إلى أن تصبح شاغلاً للإدارة الأمريكية بجميع أجنحتها، بما في ذلك غير الرسمية مثل الشركات الكبرى واللوبيات السياسية.
في صيف سنة 2000 كان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون يحاول الحصول على صفقة سياسية تعيد ترميم صورته الإيجابية لدى الأمريكيين بعد فضيحته مع المتدربة مونيكا لوينسكي، وكانت مشاهدته وهو يحاول أن يجد ثغرة صلف ايهود باراك وصلابة ياسر عرفات مسلية أكثر منها مثيرة للتعاطف أو التشويق؛ اليوم أوباما في موقف مختلف، فالأخير حصل على فرصته لدخول التاريخ الأمريكي مع استصدار المحكمة العليا تأييداً لمشروع قانون الرعاية الصحية، الذي يعرف بين الأمريكيين بقانون (أوباما كير) في يونيو الماضي، بعد صراع ماراثوني على امتداد أكثر من خمسين تصويتاً ونقاشاً على مستوى مجلسي الكونغرس، النواب والشيوخ.
الملف السوري موضوع على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة للرئيـــس الأمريكي، ولكنه لا يشتمل على الإلهام السياسي الذي يمثله الاتفاق الإيراني، ويبدو أن أوباما يرى أن الاتفاق النووي يتكامل مع السياق العام لفترته الرئاسية الثانية ويحمل وعوداً سياسية كبيرة، ويحاول الرئيس الأمريكي تجنب أن يستدرجه الملف السوري إلى خارج الإطار الذي وضعه لنفسه منذ يونيو، وكأن أوباما يسدد ديونه للجنة جائزة نوبل للسلام التي حازها سنة 2009، من دون وجود أي مسوغ حقيقي لذلك، جائزة أتت مبكراً عن موعدها بستة أعوام كاملة.
على مبعدة أكثر من 7800 كيلومتر، يبدو الرئيس بوتين متنمراً لتحقيق إنجاز في سوريا، ليعوض ما انتهت له مغامرته الأوكرانية من إحباط، فانتصاره المحدود وغير المكتمل أتى بطــــعم الهزيمة ولم يتمكن الدب الروسي من سحق الإرادة الأوكرانية، وعلى العكس، اتضحت حدود قدرات الشبح الروسي على التأثير في القارة الأوروبية، ولكن التنمر الروسي ومن ثم الانكفاء المفاجئ والمحبط مسألة تستحق بعضاً من البحث التاريخي في التصريحات الروسية قبيل وأثناء حرب 1967 وعلى هامش حرب الخليج الثانية، يدرك أن موسكو ليست الطرف الذي يمكنه أن يواصل إلى النهاية، وذلك يندرج ضمن مجال اختصاص علم النفس الجمعي ربما بأكثر ما يتصل بحقول العلوم السياسية المختلفة.
الحروب العربية تستحضر حالة الشخصنة، حتى لو من طرف بعيد، فجمال عبد الناصر يطرح خصومته مع أنتوني إيدن لتكون بهاراً لصراع اقتصادي سياسي حول قناة السويس مع أزمة 1956، وتختزل حرب اليمن في ثنائية ناصر ـ فيصل، وتصيب العدوى جورج بوش الابن فيضيف إلى قاموس زلاته اللسانية مقولة (هذا الرجل حاول قتل أبي) محرضاً على صدام حسين، ولذلك فإن النظر في الاعتبارات الشخصية للمأساة السورية يجب أن يظل حاضراً، وكثيراً ما تتوارد الأخبار والتصريحات التي لا يمكن فهمها خارج إطار الشخصنة بين الرئيس السوري وخصومه عربياً ودولياً. المهم في قراءة الأطر الشخصية وفكرة قراءة الدافع للتدخل وعمقه السياسي على مستوى البنية الداخلية في موسكو، أنه للمرة الأولى منذ بداية الأزمة تشهد شخصية الرئيس السوري تراجعاً عن حالة الاستعصاء التي احتفظت بها طويلاً، فالدخول الروسي ربما لا يقرأ ضمن دعم الأسد ولكن للاستعداد لمرحلة ما بعد الأسد، كما أن تصريحات كيري بخصوص القبول المبطن ببقاء الأسد لأداء دور معين أو لعبور مرحلة محددة يمكن أن تعكس حالة من اللامبالاة تجاه مصير الأسد، وهو الأمر الذي أشارت له مجلة «ناشيونال ريفيو» منتصف العام الماضي وتساءلت عن تكلفته.
الولايات المتحدة دفعت الاتحاد السوفييتي للانهيار من خلال سياسة الاستنزاف، من دون مواجهة، فبرنامج حرب النجوم وسباق التسلح كان يشكل ضغوطاً كبيرة على السوفييت ويستنزف مواردهم، بينما كان الأمريكيون يتعاملون مع الموضوع بطريقة مصارع الثيران، الذي يلوح بالعلم الأحمر ليدفع الثور لمزيد من الهياج والحركة والإنهاك بالتالي، ولا يمكن استبعاد ذات الاستراتيجية حالياً مع روسيا المتوترة جراء انخفاض أسعار النفط والغاز وتوابع الأزمة الأوكرانية.
الأسد لم يعد كلمة السر في المشهد السوري، ولكنه ما زال واحداً من الشخصيات المركزية، وفي حرب تتصف بالشخصنة، فإن التساؤل هو حول الوجوه الجديدة التي ستطغى على الإعلام بعد تراجع الأسد، منها أبو بكر البغدادي، الذي يمتلك شهية جيدة لذلك، وإن كان يفتقد القدرة على تلوين خطابه بغير الدماء. حسن نصر الله مرشح لأن يشغل حيزاً مهماً في حالة تراجعه، بمختلف خصوماته الجديدة والقديمة، إلى لبنان المضطرب بمشكلات نوعية جديدة تمتحن قدرته على الانتقال من لبنان الطائفة إلى لبنان الشعب، ومهما يظهر من شخصيات فإن القطبين الروسي والأمريكي سيبقيان في الذاكرة بوصفهما أبرز عناوين المرحلة ورعاة حفلة العار التي تكتسي بها الإنسانية، سواء من خلال الفعل أو رد الفعل أو عدم الفعل في كثير من الأوقات.
٭ كاتب أردني
سامح المحاريق