حريات تونس: للسبسي مثل حظّ الغنوشي!

حجم الخط
15

في وسع امرئ، يتأمل المشهد التونسي الراهن بالحدّ الأدنى من الموضوعية، أن يدخل إلى تقرير «لجنة الحريات الفردية والمساواة»، وخاصة النقاش الساخن حول مساواة المرأة في الميراث، من زاوية خاصة أو غير مألوفة: الانتخابات البلدية الأخيرة، وما تمثله من دلالات سياسية واجتماعية لجهة تنظيمها أو المشاركة فيها أو ما أسفرت عنه من نتائج.
المؤشر الأهمّ هو أنّ المستقلين تفوقوا على مرشحي الحزبين الكبيرين، «نداء تونس» و«النهضة»؛ وأنّ الحزب الأخير تفوق على حزب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء؛ في انتخابات لا تدور حول السياسة والسياسات، بل حول البلديات والخدمات والشؤون المعيشية، أي ميادين الاحتكاك اليومية بين المسؤول والمواطن. هذا بالإضافة إلى المؤشر الثاني المهمّ، وهو عزوف الناس عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع، إذْ لم تتجاوز النسبة 33،7.
في عبارة أخرى، التونسي اليوم في واد، تخنقه مشكلات الاقتصاد والبطالة والتضخم؛ والساسة وأهل الحكم، على اختلاف مواقعهم، في وادٍ آخر يتعالى في جنباته صخب الانقسامات الحزبية وصراع النخب، حتى بين الرئيس الباجي قايد السبسي ونجله، أو بين السبسي ورئيس وزرائه يوسف الشاهد. وهذا لا يقلل في شيء من أهمية مقترحات التطوير والإصلاح التي أوصت بها اللجنة، خاصة في ميادين الحقوق العامة؛ مثل إلغاء عقوبة الإعدام، وتجريم التمييز والتعذيب، وهتك قرينة البراءة، ورفع القيود الدينية على الحقوق المدنية، وحماية الحياة الخاصة، وسرية المراسلات والاتصالات، والحماية الجزائية للمقدسات ولحرية الضمير، وتجريم التعدي على حرية الفنون والعلوم، وإلغاء الرقابة على إنتاج الأعمال الفنية، وتنظيم اكتساب الجنسية؛ وكذلك تلك التي تخصّ المرأة، من حيث ولاية الأولاد وحضانتهم، وإلغاء العدة، وإلغاء رئاسة العائلة، والزواج من غير التونسي…
السجال، مع ذلك، تركز أكثر حول مسألة وراثة المرأة، وهل يجوز للقانون الوضعي أن يتجاوز النصّ الديني، بصرف النظر عن الاختلاف في تأويله؛ كما يلوح أنّ اللجنة أوصت، من خلال تشديدها على أنّ «النظام القانوني التونسي نظام مدني وضعي وليس بنظام ديني»، وذلك رغم أنّ الفصل الأول من الدستور أكد على أنّ تونس دولة «الإسلام دينها». كان طبيعياً، غنيّ عن القول، أن يتخذ السجال صفة الدعاية الانتخابية للرئاسة و«نداء تونس»، على أبواب انتخابات 2019؛ وأن تنقله «النهضة» إلى مواقع الاعتراض الشعبي، أو الشعبوي في بعض الأمثلة، وإلى الحصن الفقهي الأعرق المتمثل في جامع الزيتونة.
ولقد بات واضحاً، بل هو يتضح أكثر فأكثر كلّ يوم، أنّ حزب الرئاسة مطمئن إلى آفاق استثمار السجال، بحيث ينقلب إلى مكسب قانوني وإيديولوجي، و«سبق تاريخي في محيطنا الجغرافي والحضاري»، كما قالت اللجنة في مقدمة تقريرها، «لا مثيل له في باقي الدول التي نشاركها نفس الانتماء». وأمّا «النهضة» فإنه مطمئن، بدوره، إلى أنّ الثوابت الكبرى التي نصّت عليها آيات قرآنية وأحاديث نبوية واجتهادات فقهية قارّة، لن تُمسّ في الجوهر: ليس حين يناقشها مجلس نواب الشعب التونسي، حيث ستمسي ضحية الشدّ والجذب والتعديل والتحوير، فحسب؛ بل كذلك لأنّ اللجنة ذاتها لم تتجاسر على التوصية بالإلغاء التامّ للتمييز الوراثي بين الذكر والانثى، وتركت للقانون أن ينظّم سلسلة معقدة من أنساق التراضي بين الأطراف!
وعلى نحو ما، ولأنّ هوامش السجال أخذت تضيق لتنحصر في تفسير النصّ الديني (كما في اللجوء إلى القراءة الشهيرة التي أشاعها المفكر الإسلامي محمد شحرور، بصدد الآية القرآنية «للذكر مثل حظّ الأنثيين»)، وليس تطبيق نصّ القانون في صحيح منطوقه (أي الإلزام بالمساواة في الإرث، على غرار القوانين الوضعية العصرية)؛ فإنّ ساحة السجال باتت شكلانية ظاهرية لا تخرق العمق، وتقتصر على فريق «حداثي» وآخر «تقليدي»، فانحدرت إلى سوية التناطح والتنابذ بدل الحوار والتفاعل.
بهذا فإنّ للسبسي مثل حظّ راشد الغنوشي، من حيث توظيف 233 صفحة من تقرير يُراد منه الحقّ، ويُجنى من ورائه باطل عميم!

11RAI

حريات تونس: للسبسي مثل حظّ الغنوشي!

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية