ضقنا جميعاً ذرعاً بشروط لا طائل منها سوى إضاعة الوقت من جهة إسرائيل أو التواطؤ معها لإطالة عمر احتلالها من جانب حلفائها التقليديين.
شروط ابتكرتها إسرائيل وتبناها أصدقاؤها، رغبة منهم في تحويل عملية السلام إلى سلام بلا عملية. الطريف أن شدة الحديث عن تلك الشروط يزداد في كل مرة يتصاعد فيها الجهد الدبلوماسي الفلسطيني أو الدعم الدولي للفلسطينيين!
أحد تلك الشروط هو ضرورة ترك الصراع ليحل من قبل الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وأن أحداً يجب ألا يتدخل من الخارج لفرض الحل، كون هذا الحل يجب أن يستند إلى «تفاهم» الطرفين، وأن التوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على عضوية مراقبة أو عاملة سيّعقد المشهد، وأن عدم موافقة إسرائيل على ذلك التوجه سيعني ألا قيمة لأي قرار يترتب عليه وأن حل الصراع لن يكون إلا بالمفاوضات.
السؤال الكبير هل وجدت مثل تلك الشروط عام 1947 إبان قرار التقسيم وولادة العصابات الصهيونية، وصولاً إلى الإعلان عن قيام إسرائيل واعتراف العديد من دول العالم بها؟ هل طلب من إسرائيل أن تحظى بقبول الفلسطينيين بها كشرطٍ قاطعٍ للاعتراف بكيانها؟ هل قيل بأن دولة إسرائيل لن ترى النور إلا عبر التفاوض؟ وهل سمعنا بأن اللجوء للأمم المتحدة إنما سيعقد الأمر وأن المصادقة على ولادة إسرائيل لن يأتي بالتوجه إلى المؤسسات الدولية؟
لقد استخدمت إسرائيل وحلفاؤها كل الحجج والذرائع والشروط، ولم يتركوا في كتاب السيناريوهات تكتيكاً إلا طبقوه وصولاً إلى السيطرة الكاملة وتفكيك الجغرافية وتفتيتها وفرض الواقع على الأرض، بغرض تبخر الحلم الفلسطيني والطلب من الفلسطينيين أن يكونوا واقعييين. ولو أنني أفردت هذا المقال لسرد قصصٍ في التاريخ المعاصر التي غّير فيها التدخل الخارجي معالم دول أو أنظمة أو حتى جغرافيا، لما اكتفيت بمقالٍ أو مقـــالين ولربما احتجت إلى ثالث.
إسرائيل تعاني اليوم وبدون شك من بوادر عزلة دولية، لذا فهي تستجدي مواجهة شعبية ما، وتسعى لتطبيق اختراعها الجديد بتقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً، وتسعى أيضاً إلى المصادقة على المزيد من القوانين العنصرية، ويطلق سياسيوها وأمراء حروبها تصريحاتهم العنصرية والرافضة لحقنا في الدولة والخلاص، كل هذا يتم وبدون شك لجر المشهد إلى حال المواجهة التي تلعب بموجبه إسرائيل دور الضحية.
لقد نفدت كل الحجج والذرائع بينما العالم الذي استغفلته إسرائيل لعقود لم يعد غبياً أو مغيباً، لذا لا بد من التوجه إلى الأمم المتحدة وإعلان الاستقلال واستقدام قواتٍ دولية ومقاضاة الاحتلال وطرده بالتصويت المباشر من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وتشجيع مقاطعة منتجات الاحتلال ووقف الاستثمارات، حتى ينتهي الاحتلال ويذعن لقرارات الشرعية الدولية، عندها سيمتلك الفلسطينيون حق فرض الشروط و»التشّرط… فحرية لفلسطين مع وقف التنفيذ هي حياة بلا روح في عالم ينبض بالشعارات وسط ربيعٍ لا يزهر.
٭ كاتب فلسطيني
د. صبري صيدم