إعلان أمريكي شغل حيزاً كبيراً من مواقع التواصل الاجتماعي إعجاباً ومشاركة وتعليقاً. إنه إعلان تجاري لـ «أمازون» يصوّر زيارة يقوم بها شيخ مسلم إلى منزل قس مسيحي. من دون أي كلام، تشيع الصورة أجواء إنسانية دافئة، منزل ومكتبة عامرة وفناجين ساخنة وضحك. جلسة لن يعكر صفوها إلا ألم بالمفاصل لدى الرجلين عند النهوض بحكم العمر، ألمٌ لن يلحظه إلا من كان يحمل أحاسيس مرهفة كهؤلاء.
لدى انفضاض اللقاء، وفي اللحظة ذاتها يلجأ كل إلى موبايله، إلى موقع «أمازون»، حيث لا بدّ أنك ستجد ما تريد. وهنا فحوى رسالة الإعلان الترويجية، لكنها رسالة محمولة على هذا الإحساس العظيم بالآخر، إحساس يدفع كل منهما ليعين الآخر على عبادته وشؤون حياته. في اللحظة ذاتها تصل الهدية ذاتها لكلا الرجلين: واقيات للركبتين، كتلك التي يستعملها الرياضيون، ثم نرى الرجلين هذا في مسجده وذاك في كنيسته يركعان باطمئنان، بركبتين محميتين.
الإعلان جرى تداوله بكثرة مع تقدير عال لرسالته، ولذكاء إعلان تجاري محمول على رسالة إنسانية ملحة. ولكن لم يخل الأمر مع تعليقات انتقادية شديدة رمت الإعلان في «كعب» يصعب توقعه، كانت بخصوص دقّ الفناجين بين الرجلين، على اعتبار أنها عادة تخص رفع الأنخاب لدى تناول الخمور، انتقادات لم يخفف من وقعها حرص الفيلم الدعائي على تصوير البخار الساخن المندفع من الفناجين.
«الجزيرة»، القناة الإخبارية، اهتمت بالإعلان وبثّته مع تعليق مرفق يقدّر أهمية بثّه في أوقات الذروة، حيث بطولة كرة القدم الأمريكية، وبعد أسبوع واحد من وصول ترامب، المجاهر بالعنصرية إلى البيت الأبيض. لكن سؤال «الجزيرة» في ختام التعليق ليس مفهوماً البتة، ويصعب معرفة إلام يلمّح، عندما قالت «يبقى هناك تساؤل جوهري؛ ما الذي دفع مؤسسة ربحية كأمازون إلى السباحة ضد تيار جارف تتزعمه هوليود في تنميط صورة العرب والمسلمين، لتسير وحدها في حقل أشواك في وقت انقسم الأمريكيون على أنفسهم بشأن الآخر؟».
إلحاح «الجزيرة» على «التساؤل الجوهري» يوحي بأن الأمر ليس مجرد صيغة أدبية، بل بأن غموضاً وسراً كبيراً يحيط بفعلة «أمازون». فبالله عليكم يا «جزيرة» قولوا لنا ما الحكاية وراء الإعلان؟
تلفزيون عون كابوس للسوريين
عجيب كيف يتحوّل اختراع تلفزيوني للضحك إلى كابوس! هذا ما حدث لدى مشاهدة كاميرا التلفزيون الخفية، التي بثتها القناة التابعة لحزب الرئيس اللبناني ميشيل عون «التيار الوطني الحر»، وأثارت ضجة لم تنته حتى الساعة، كاميرا هي فخ لمواطن جاء يبحث عن عمل فوجد نفسه أمام حاجز ملفق أهانه وجرّده من ثيابه وأجبره على وضعيات وكلام مهين.
لم نكن بحاجة لمعرفة جنسية الشاب المهان كي نستفز، فالإهانة هي أولاً لإنسان، وهي للمشاهد مثلما هي للشخص موضوع الإهانة. إهانة لا يطلقها إلا من هو مهان في العمق، ولا يميز ما تعني كرامة الإنسان، تلك التي ينبغي احترامها حتى لو كانت لعدو، كما في حالة العدو الأسير، الذي لا يجوز أن تعرضه الكاميرا في أوضاع مهينة، بل لا يجوز أن تعرضه في الأساس.
كان الأمر مهيناً، لنا كمشاهدين، وكنا نعتقد أن الشاب لبناني، أما وقد ثبت أن الشاب، موضوع المقلب، سوري الجنسية، فذلك يوحي أن الأمر مدبر ومرسوم وما هو إلا رد على ممارسات نظام الوصاية السوري في لبنان، رد في المكان الخطأ، في وقت تعتبر فيه علاقات حزب القناة إياها في أحسن حال مع النظام السوري.
طالب كثيرون، لبنانيون قبل غيرهم، بمقاضاة القناة، إلا أن ظهور الشاب السوري وتأكيده على أنه وافق على العرض لجم البعض. يستغرب البعض أن يبتسم الشاب للكاميرا بعد تلك الإهانات وأن يقبل تالياً بالعرض. إنه دون شك فرح الخارج من كابوس. أن يكون الأمر «مقلباً»، فهو حتى لو كان مهيناً، أرحم من كابوس مهين وقاتل.
لكن أن يرضى الشاب لا يعني أن نرضى نحن كمشاهدين، فهناك إهانة للعموم لا ينفع معها اعتذار.
الرئيس والحسناء
مفهوم أن يتدخل الحراس الشخصيون للرئيس بوتين مذعورين لإبعاد سيدة حاولت الاقتراب من الزعيم الروسي أثناء مشاركته في قمة «أبيك» في العاصمة البيروفية ليما، مفهوم إذا تذكرنا العبارة الشهيرة التي قيلت لعمر بن الخطاب «حكمتَ فعدلتَ فأمنتَ فنمت»، وقد نام من غير حجّاب ولا حرّاس. ذلك أن من ارتكب كل تلك المظالم حول العالم، وفي سوريا وحدها أهوال وجرائم للتاريخ، من أين له أن ينام، أو ينام حراسه.
لكن ليس مفهوماً كيف تجد في العالم من يهديه خير بلاده، خصوصاً أن تصنع له حسناء من البيرو (كما لو أنها بينيلوب في الأسطورة اليونانية المعروفة) بيديها كنزة الصوف، من خيرة الصوف الذي اشتهرت به بلادها.
فوق ذلك، لن نجد على «يوتيوب» ذلك الفيديو الذي يصوّر ذعر الحراس، سنجد فقط فيديو ما بعد الحدث، حين فهموا أن تلك السيدة ما هي إلا معجبة، سيأتون بها إليه، فتقدم هديتها.
هل هكذا التاريخ؟ يحذف مشهد الذعر، ويبقي مشهد كنزة الصوف المهداة من يدي حسناء البيرو؟ هل هكذا التاريخ أيضاً، يحذف مشهد مجرم البراميل المذعور، ويبقي مشهد الفاتح؟
«رأفت الهجان» و «الشيخ حسني»
يبدو أن لكلٍ حصّته من الفنان المصري محمود عبد العزيز. لقد فوجئ الناس بنعي فريد للمخابرات المصرية للفنان الراحل، مع إشادة استثنائية به. التفسير الوحيد لذلك هو أن مسلسل «رأفت الهجان» الذي لعب عبد العزيز دور البطولة فيه هو من بين أعمال قليلة تكرّس رجل المخابرات المصري كبطل وطني، وبطل درامي يطمح المشاهدون لتقمص شخصيته. عدا ذلك، لن تجد، سواء في الدراما أو في الواقع، دوراً نظيفاً لرجل المخابرات.
هذه الأيام بالذات تحتاج مصر السيسي لأي شبهة بطولة، حتى لو في غابر الأيام، لرجل المخابرات، غير تلك «البطولات» التي لا تعرف عملاً سوى ارتكاب المجازر في ميادين مصر في وضح النهار، وتعذيب المواطنين والناشطين تحت التعذيب في السجون، من المصري خالد سعيد، إلى الإيطالي ريجيني.
قد تكون قسمة عادلة في النهاية، للمخابرات «رأفت الهجان»، وللبسطاء «الشيخ حسني» بطل «الكيت كات» الساحر.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى