حظوظ النّاس

حجم الخط
3

يرفض البعض فكرة وجود الحظ في ما يعتقد البعض الآخر أن الحظ موجود وبقوة، وهو من يقرر أن يرفع أشخاصا ويسحق آخرين. وتبقى مسألة الاعتراف هذه متعلّقة بظروف الشخص نفسه.
يقول مثلنا العربي: «حظ أعطيني وبالبحر ارميني»، ذلك أن الحظ وحده ينشل الغريق من البحر، وينشل الفقير من الجوع والعراء ويقلب حياة المرء مئة وثمانين درجة. ثم ألف رحمة تنزل على شاعرنا العظيم أحمد شوقي حين قال :
والحظ يبني لك الدنيا بلا عمد… ويهدم الدعم الطولى إذا خانا
لكن هل الحظ فعلا موجود؟
قائل يقول إن الحظ تفسير لائكي للمعجزات. وقائل آخر يقول: إن الكسول وحده يرى نجاح المجتهدين حظا. من مع؟ ومن ضد كل هذه المعطيات؟
الكاتب الفرنسي جان شاردون رأى في ما رأى، أن الكاتب شخص محظوظ لأنه منح موهبة الكتابة. لكن هيكتور بيرليوز رأى غير ذلك، إذ في مفهومه أن الحظ في الحصول على موهبة يحتاج لحظ لتبرز وتبقى. ربما لأنه عانى طيلة حياته من قلّة التقدير المادي لأعماله، رغم كل ما حظي به من تقدير معنوي. وغير ذلك حين تحدث عن الحظ لم يكن يعرف أن لقاءه بهارييت سميثسون في مسرح الأوديون في باريس لم يكن سوى ضربة حظ غير طبيعية، إذ ما الذي دفعه لحضور مسرحية هاملت باللغة الإنكليزية التي لا يفقه منها كلمة واحدة، ليرى هايرييت ويقع في عشقها. وطبعا بعد حالة العشق وهالة الجنون الإبداعي التي عاشها في تلك الفترة، ما كان يجب أن يذهب بعواطفه بعيدا بعد إنجازه لسمفونيته الشهيرة «السمفونية الساحرة»، فقد أغرم بها غراما عظيما وظل يكتب لها على مدى سنوات وهو يشتغل على مقطوعاته، ثم دعاها عن طريق صديق لتحضر السمفونية، فعرفت أنها ملهمته وتمادت مشاعرهما حدّ دخول قفص الزواج الذي كشف عن حقيقة لم يتوقعها، وهو اختلاف حاد في الطباع حوّل لهيب الحب كله إلى رماد ذرته الريّاح. يجب قراءة مذكرات برليوز حول الفصل الأخير من حياة هارييت. وفي زمننا حيث الإعلام يلقي الضوء على كثير من الحالات الفنية والإبداعية نكتشف مبدعين تحولوا إلى نجوم بضربة حظ مبكرة، ومبدعين آخرين احترقت أجمل سنوات حياتهم في العطاء والعمل يموتون منسيين في كواليس الحياة، وهم في فقر وعوز يراه الناس ولا يفعلون شيئا حيال ذلك.
أمّا الأسوأ على الإطلاق فحين نجد شخصا فاسدا تماما، صورة معبّرة عن الرّداءة الحيّة، ولكنّه يصنف إعلاميا واجتماعيا على أنه «فنان»..
ومن هذا النموذج نجد أسماء كثيرة، لامعة وثرية وناجحة وكل ما تقدمه لجمهورها أقل ما يقال عنه أنّه رديء.
كيف يحدث ذلك؟
أنا التي أسأل لأنني أقف في صف المندهشين والمصدومين… وأبحث دوما عن إجابة شافية لضميري المحترق وعقلي المنتفض وذوقي الذي يسيؤون إليه.
في بيروت التقيت سائق تاكسي حكى لي حكاية غريبة عن صديق له حصل على تسع شهادات دكتوراه، فيما هو لم يحصل حتى على شهادة البكلوريا، ولم يخرج من لبنان ولا مرة، ولم يعرف في حياته لا سفرا بطائرة ولا بباخرة، وقد عاش الحرب كلها في بلده، تزوج وكوّن عائلة ومنحته الحياة أبناء صالحين وأحفادا رائعين، لكن صديقه رغم علمه وجذور عائلته الميسورة لم يوفق في أي من زيجاته الثلاث، ترك ابنا في بريطانيا، وله ابنة في أمريكا ومن حسن حظه أنه لم ينجب من زوجته الثالثة التي خانته وهربت مع عشيقها إلى اليونان. يسرد صاحبنا الحكاية حتى يصل إلى النهاية التي لم أتوقعها حين يخبرني أن صديقه أصيب بمرض عضال وعاد إلى بيت أهله في حيه العتيق قرب بيته، وبعد فراق دام سنوات طويلة وجد السائق صديقه، ولكنه معطوب الحال، وهو من يهتم به لأنه عاجز عن العمل، ولا أحد من الأقارب أو الأهل يسأل عنه. قال لي «كنت أعتقد طيلة حياتي أنه أكثر حظا مني في كل شيء إلى أن عاد بهذه الحالة فعرفت أني أنا المحظوظ ولم أكن منتبها لذلك. المحظوظ من ينتبه أنّه ينعم بنعم الله عليه».
قصة تشبه قصص بعض من ربحوا أوراق اليانصيب بملايين الدولارات وتحوّلت حياتهم إلى جحيم بسببها، إلى أن تبعثرت تلك الثروة التي نزلت عليهم من السماء وعادوا إلى أيام فقرهم فاستعادوا حياتهم السابقة، طبعا بعضهم يخسر حياته السابقة إلى الأبد ولا يعرف أبدا كيف يسلك طريق العودة، والبعض الآخر تقوده الثروة وبريق الحظ المزيف إلى حتفه ويمكن اكتشاف قصص عجيبة غريبة بهذا الشأن عبر شبكة الإنترنت وكلها من واقعنا القريب والرّسالة واحدة «حظك جيد إلى أن ترى الأسوأ منه» ….
تأتي المسخرة الحقيقية من الحظ إذن حين يأتي متخفيا في عباءة برّاقة، يمنحك كل ما تريده دفعة واحدة ثم يتفرّج عليك وأنت تتخبط في «خرابيط» لم تألفها إلى أن تقع مغشيا عليك. ضربة الحظ إذن لا تكفي ليهبط وحي السعادة علينا ويملأنا بطمأنينة يلزمنا قليل من الحكمة لنعرف كيف نصرف هذه العملة النّادرة.
هل فهمتم يوما لماذا يترك الرّجل زوجة جميلة وذكية وبنت حسب ونسب وينزل لمستوى العاهرات مثلا؟ كل المبررات تناقض منطق العقل والحظ معا، فإمّا هذه المرأة « اللقطة» قليلة الحظ، وإما أن الرّجل كثير حظ ولكنّه قليل عقل… ولهذا ربما يقال «العقل زينة» ونقطة على السطر.
في عالمنا العربي قلة العقل أو قلة الحظ تدفع بالبعض إلى بيعه أو شرائه، والبائع يدّعي أنه يجلب الحظ ببعض الشعوذات وزبائن دكاكين الحظ ما أكثرهم في كل العالم، وهم من كل المستويات المعيشية والاجتماعية والثقافية.
لكن هناك شيئا لا نفهمه حين تتعلّق المسألة بالحظ، فالشخص الذي يدفع مبالغ كبيرة لجلب الحظ لماذا لم يخطر بباله أن البائع – المشعوذ لوعرف كيف يجلبه لجلبه لنفسه أولا.
ثمة ما نغفل عنه يقول أطباء علم النّفس، إنه علاقاتنا في الحياة وإلى أين نذهب بتلك العلاقات وكيف نستثمرها، ولا داعي للتوقف هنا عند علماء الفلك حين يصرون أن المريخ هو سبب خراب بيوتنا أو كواكب أخرى… يقف الطب النّفسي عند محطّة واحدة مهمة وهي علاقاتنا وطريقة استثمارها، وهذه الأخيرة تبين قدرة الشخص على إدارة تلك العلاقات وإبقائها دوما في صالحه. إن فسّر البعض أن هذه نصيحة لتشجيع علاقات المصلحة فإن ما نسميه علاقات بدون مصلحة غير موجود في علم النّفس، لأنّ الصداقات المبنية على المحبة فقط لها أبعاد فيها مصالح معنوية، من دون أن ننسى أن بعض العلاقات تسمم حياتنا فعلا ونصنفها على أنّها صداقات، وهذا موضوع آخر قد نتوقف عنده ذات يوم…
بالمبدأ لنجرب نصيحة علم النفس ونكتب أسماء من نعرفهم ونحدد علاقاتنا وماذا نريد منهم لمساعدتنا، ثم بعد التجربة سنعرف إن كان الحظ سيلعب معنا لعبته.

شاعرة من البحرين

بروين حبيب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية