حقق الرئيس الإيراني حسن روحاني فوزاً نسبياً في المناظرة الثالثة والأخيرة التي عرضت مساء الجمعة الماضي على التلفزيون الإيراني الرسمي، وركزت على البرامج الاقتصادية للمرشحين الستة عندما خلع روحاني عمامة «الرئيس» وتحدث مع منافسيه كمرشح للانتخابات لا يكتفي بالدفاع الذي أفقده الكثير من شعبيته في المناظرتين السابقتين، بل يكيل الاتهامات لمنافسيه وللدولة العميقة التي تقف خلفهم، دون أن يشير لرموزها الكبار بالاسم، مسجلاً قدراُ أكبر من الأهداف في مرمى متشددي التيار المحافظ في إيران.
لكن «القوى الخفية» التي تملك الكثير من خيوط اللعبة في البلاد، فاجأت روحاني في اليوم التالي من المناظرة عندما قامت وزارة الثقافة والإرشاد الاسلامي في حكومة الرئيس المرشح، بحظر كتاب «آخر رئيس وزراء»، ومنعت تداوله من الأسواق وكان حقق نسبة كبيرة من المبيعات بعد يوم واحد من صدوره، وهو عن سيرة المرشح الرئاسي المعترض مير حسين موسوي الذي تفرض عليه تلك (القوى الخفية) عبر سلطة القضاء، الإقامة الجبرية منذ فبراير/ شباط 2011 ، مع زوجته الشاعرة والأستاذة الجامعية زهراء رهنورد، والمرشح المعترض الآخر لانتخابات 2009 مهدي كروبي. وقد أثارت هذه الخطوة تساؤلات ظهرت على وسائل التواصل الاجتماعي حول قدرة روحاني على الايفاء بوعوده الانتخابية خصوصاً في شأن ما تحدث عنه في الأيام القلية الماضية، مهاجماً خصومه الذين قال إنهم يفرضون قيوداً غير قانونية وغير شرعية، على الحريات الاجتماعية وكل ما يتصل بوسائل التواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي، ويرفضون جهوده ويضعون العقبات أمامها للحد من «التمييز» على أساس الجنس، ضد المرأة وما يتعلق بعملها ونشاطها في إيران.
وفي خطوة أخرى لها دلالاتها تعرض فيلمه الدعائي للانتخابات إلى الرقابة و حذفت منه هيئة الاذاعة والتلفزيون صورة يظهر فيها وهو يصلي خلف رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام الراحل هاشمي رفسنجاني، وإلى جانبه يقف الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي الممنوع من الظهور إعلامياً والمعزول بأمر قضائي.
وكان روحاني قال في المناظرة إنه سيعمل على فك عزلة إيران داخلياًوخارجياً، في إشارة أيضاً إلى جهوده التي تعثرت في فترة ولايته الأولى، لرفع الاقامة الجبرية عن موسوي وزوجته، وكروبي.
تكتيك الجولة الثانية
ويمكن القول بعد أن وضعت حرب المناظرات أوزارها، رغم أن روحاني أبدى مع منافسَيه محمد باقر قاليباف وإبراهيم رئيسي رغبة في إجراء مناظرات جديدة كلاً على إنفراد، فإن تواجد المرشح الاصلاحي النائب الأول للرئيس إسحق جهانغيري، في المناظرات السابقة، سجل علامة إيجابية عن دعم الاصلاحيين لروحاني، كمرشح وحيد، وهو سينسحب من السباق الانتخابي وكذلك سيفعل المرشح المعتدل عن «كوادر البناء» المؤيدة في الأساس لرفسنجاني، لكي لا تتشتت أصوات الناخبين المؤيدين لجبهتي الاصلاح والاعتدال، والتي تصب كلها في خانة روحاني.
وتركز الحملة الانتخابية لروحاني على حسم المعركة في الجولة الأولى يوم الجمعة المقبل خصوصاً بعد تشكيل معتدلي التيار الأصولي(المحافظ) جبهة عريضة أعلنت دعم روحاني، من أبرز رموزها مستشار المرشد الأعلى ومسؤول التفتيش في مكتبه، الشيخ علي أكبر ناطق نوري الذي كان نافس خاتمي في الانتخابات المثيرة في 1997 لصالح المحافظين، وهي إشارة أيضاً إلى أن المرشد خامنئي يقف على مسافة واحدة من المرشحين بعد شائعات روجت أنه يؤيد انتخاب رئيسي.
وبالنسبة لباقي المحافظين فإنهم بنوا تكتيكهم على فرض الانتقال إلى الجولة الثانية، حيث ينوون الابقاء على مرشحين إثنين في سباق يوم الجمعة المقبل، في انتظار آخر استطلاعات الرأي، قد تطيح بالمرشح الأضعف، وهو حتى الآن مصطفى مير سليم، وخوض الانتخابات بمحمد باقر قاليباف وإبراهيم رئيسي. ولكن مع افتراض أن الاستطلاعات إذا تغيرت بقوة لصالح أحدهما، فربما يخوضون السباق بواحد مقابل روحاني، وهو أمر مستبعد حالياً على الأقل، لأن الأصوليين المتشددين يعتمدون كثيراً على «القوى الخفية» التي تأمر أتباعها بالنزول جميعاًً الى صناديق الانتخابات بينما الكثير من المترددين وحتى مؤيدي الاصلاح والمعتدلين، فهم لن يتشجعوا كثيراً في المشاركة، إذا انتقلت الانتخابات إلى جولة ثانية.
تكتيكات الحملة الانتخابية
قبل المناظرة الأخيرة، ظهر ضعف روحاني واضحاً أمام منافسيه الذين راهنوا كثيراً على إخفاقه في تنفيذ أبرز وعوده الانتخابية خلال فترة رئاستة الحالية. ومع إطلاق المعارضين في الخارج وبينهم مؤيدون للإصلاح حملة «مقاطعة الانتخابات» بات روحاني يشعر معها بالقلق بسبب فقدانه دعم عدد من رموز الإصلاحيين، إذ طفت مؤخراً على السطح بعض الخلافات خصوصاً حول عدم قدرة الرئيس على إطلاق سراح السجناء السياسيين ومن أبرزهم موسوي ومهدي كروبي، كما أنه فقد بالفعل دعم شخصية قوية نافذة مثل الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني الذي توفي مطلع العام الحالي.هذا الأمر وضع روحاني على مفترق طرق وهو يعلم جيداً أنه لو تخلى عن أسلوبه الهجومي الحالي أمام منافسيه ، فانه سيضعف موقفه أمام الرأي العام الإيراني خصوصاً المترددين وهم كثيرون جداً. كما أنه يخشى من أن استمراره في أسلوبه الهجومي ضد منافسيه قد يضعه في مواجهة أشد مع المرشد علي خامنئي في الوقت الذي لم يتبق سوى أيام قليلة على موعد الاقتراع.
أي طريق سيسلكها روحاني ؟
في العاشر من مايو/أيار الماضي وفي جامعة الإمام الحسين التابعة للحرس الثوري بطهران شن السيد خامنئي هجوماً شديداً على الطريقة التي سلكها المرشحون للانتخابات الرئاسية في مناظراتهم التلفزيونية وخطاباتهم الانتقادية ضد بعضهم البعض، ودعاهم بشكل صريح إلى تغيير أجواء الانتخابات والتوجه نحو التهدئة في حملاتهم الانتخابية في الأيام القليلة المتبقية على موعد الانتخابات الرئاسية.
وفسر كثيرون تصريحات خامنئي بانها لم تكن سوى تحذير لروحاني نفسه الذي قد يشعر أنه أصبح في مواجهة المرشد، خصوصاً وأن خامنئي قال أمام عدد من قيادات الحرس الثوري البارزة بينهم الجنرال قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» إذا أقدم أي شخص على خطوة من شأنها زعزعة أمن البلاد، فمن الطبيعي أنه سيواجه رد فعل منا بشدة وسيتلقى صفعة قوية».
وجاء تحذير خامنئي بعد أيام من تغيير روحاني أسلوبه في المناظرات التلفزيونية، من الدفاع إلى الهجوم، فيما التزم خامنئي الصمت أمام الهجوم الواسع وغير المسبوق من قبل التيار الأصولي وأنصاره ضد روحاني وباقي مرشحي تيار المعتدلين.
فتصريحات خامنئي لم تشر إلى ما يقوم به المرشحون من التيار الأصولي في حملاتهم الانتخابية وهجومهم الواسع ضد الإصلاحيين، ورد خامنئي على ما قاله روحاني حول التجارب الصاروخية وعرض صور لمدن صاروخية تحت الأرض وكتابة الشعارات على تلك الصواريخ ووصف روحاني تلك التجارب بالمسرحية لتخريب جهوده (آنذاك لإبرام الاتفاق النووي)، وقال خامنئي « إن المدن الصاروخية هي الداعم والضامن لأمن المدن الصناعية …. ونحن نملك تلك الصواريخ وصواريخنا دقيقة جداً. وكما نكافح من أجل القضاء على الفقر والحرمان في المجتمع، فنحن نعتبر فتح «حيفا» و « تل أبيب» من أهدافنا الأساسية والرئيسية».وفي إشارة واضحة لروحاني الذي تبنى بقوة برنامج الدفاع عن حقوق الأقليات الدينية وحقوق القوميات وحظي بذلك على دعم إمام السنّة في زاهدان مولوي عبد الحميد، قال خامنئي أيضاً « إن على المرشحين الحذر أن لا يثيروا الخلافات الدينية، والجغرافية، واللغوية والقومية في البلاد».
وماذا بعد؟
ما يهم خامنئي في الانتخابات المقبلة هو أن يذهب الناخب الإيراني إلى صناديق الاقتراع حتى لو لم يقترع لهذا المرشح أو ذاك، دون أن يظهر أي رغبة في فرض هذا الرئيس أو ذاك ، وملمحاً أنه سينفذ ما يختاره الناخب عن طريق صناديق الاقتراع، و لن يغامر من جديد ويواجه احتجاجات شعبية كالتي اندلعت في 2009 بسبب إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد الذي أدار ظهره له بوضوح منذ الأيام الأولى لولاية رئاسته الثانية ، وحتى بعد رفض ترشيحه في انتخابات يوم الجمعة المقبل.
ومع ذلك لا يمكن التكهن تماماً بما سيجري في الأيام المقبلة إذا أخذنا بنظر الاعتبار الأجواء الانتخابية الملتهبة قبل أيام قليلة من الاستحقاق الانتخابي، فسلامة الانتخابات أمر لا يتعلق بقرار المرشد وحده ، وهو مرتبط بمدى التزام باقي الأجهزة الموازية كالأجهزة الأمنية من أبرزها الحرس الثوري بموقف خامنئي، وما إذا كان الحرس الثوري مستعداً للمخاطرة والدخول في مواجهة جديدة مع الشارع الإيراني، كما أن هذا الأمر يتعلق بردة فعل حسن روحاني وأنصاره من المعتدلين بما فيهم الإصلاحيون، على افتراض أن يحصل تلاعب ، وإن كان مستبعد جداً ، لصالح مرشح من متشددي الأصوليين.
نجاح محمد علي