حقل ميرمية في أفينيون

حجم الخط
1

أهداني صديق شاعر حقلاً بحاله من الميرمية، قال لي على الهاتف؛ لقد عثرت على ذلك الحقل هنا، في أفينيون الفرنسية، أخذني (والكلام ما زال للصديق الشاعر) صديق فلسطيني بسيارته واعداً إياي بمفاجأة، وهناك، وجدت نفسي أمام ذلك الحقل، وفي مساء أفينيون هبت تلك الرائحة الخالدة (لا أدري إن كان الصديق قد قال شيئاً عن قمر يضيء الحقل، لكن إنْ لم يقل فلا بد من هذه الإضافة)، كنتُ إزاءها مثل من يكون في لحظة إشراق، أترى كيف يشرق طفل وتلتمع عيناه أمام حقل مديد في فيلم سينمائي؟ لقد كنت كذلك أمس.
أما الهدية فكانت حين قال صديقي الشاعر، لقد تذكرتك على الفور، ألم تكتب أكثر من مرة عن تلك العشبة؟
بلى، لقد كتبت بالفعل. أول شيء افتقدته إثر ابتعادي عن دمشق كان تلك العشبة المرّة. كنت أكتفي بوريقة منها في أبريق الشاي للحصول على النكهة الفريدة، صحيح أننا نبدأ بالتعرّف إلى تلك العشبة إثر مرض ما، أو ربما إثر كل مرض، فهو وصفة ناجعة لكل شيء، لكن حين نكبر لن تعود تلك المنفعة، إن صحّت، هي الهدف، فالمهم هو ذلك الطعم الخاص، فلن يكون سهلاً الاستغناء عنه، حتى لو لم تكن العلاقة يومية مع تلك العشبة. سيهب طعمُها ورائحتها دائماً من حقول الذاكرة.
أول الحنين إلى تلك العشبة اندلع في ضواحي بيروت. كنت متلعثماً هناك، ولا أعرف كيف أحصل على مسمار في الجدار من أجل حبل غسيل. كذلك كان من المستبعد، عدا عن كونه نوعاً من الترف، أن أصرخ بالناس بحثاً عن حفنة ميرمية. كان من المضحك أن ينتابك الحنين إليها، فيما أنت محاط بجبال من الميرمية، فما أن خرجت بضعة كيلومترات فقط عن المدينة، إلى دوحة عرمون، المطلة على البحر، في أول طلوع الجبل، حتى عثرت على بضع شجيرات أمام الباب، تماماً أمام الباب. لم أكن رأيتها من قبل كشجرة، بل عاشرتها كحفنة يابسة صُرّت بإحكام. هكذا كانت دائماً، حفنة، لا تنقص ولا تزيد.
إذاً ها هي، شجيرة صغيرة بأوراق دائمة الخضرة، مائلة إلى اللون الرمادي، وبملمس ناعم. وحين تزهر ستعطي زهراً أزرق مائلاً إلى البنفسجي. وما عليك إلا أن تقطف أوراق الشجرة وتحوّلها إلى تلك الحفنة في تلك الصرّة.
لن تكترث إلى مختلف الأسماء التي قد تسمعها هنا وهناك لتلك النبتة؛ من حشيشة مريم، إلى القصعين، والقويصة، والعيزقان، والسالمية، والجعساس والناعمة والشيّالة والفاقس ولسان الأيل. وحتى لو سمّاها محمود درويش في قصيدته «حالة حصار» ب «مَرْيَمِيّة» حين قال «قلبي يفيضُ برائحة المرْيَمِيّة»، سيظل اسمها الأحلى ميرمية، ولعل الشاعر الراحل أراد أن يعود بالاسم إلى أسطورة استخدامها، حيث تقول الحكايات الشعبية إن امرأة استجارت بمريم العذراء كي تنقذ طفلها من الحمّى، فظهرت السيدة العذراء في منام المرأة، ونصحتْها بأن تخرج إلى البرية، فتقطف وتغلي من تلك العشبة لتسقي ابنها.
في باريس، لم تغب صرّة الميرمية عن البيت، رغم أننا لم نعثر في هذه المدينة بعد على «بزورية» دمشقية، ولا داهمتْنا حقول أفينيون. لكن هنالك دائماً يداً ما ستنقذك في الوقت المناسب. آخر حفنة وصلتني كانت من الفلسطيني الشهم أبو عطاالله، المقيم في فرنسا منذ عقود، وهو المتحدر من قرية جفنا، الواقعة على بعد كيلو متر ونصف إلى الشرق من مدينة بيرزيت.
لا أدري لماذا أشعر الآن أن هذه القبضة من تلك العشبة الخالدة هي أقرب إلى سرّ، يدور من بيت فلسطيني إلى بيت، روح صغيرة تعود من المخيم هناك، في دمشق، أو بيروت، أو كلّس، إلى قرية في فلسطين، ثم تطوف في كل أرض يسكنها الفلسطينيون. تلك العشبة المرة، قد تجدها في أمكنة كثيرة، لكن لن يستعذبَها غيرُ الفلسطينيين.

كاتب فلسطيني سوري 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية