حقوق المرأة في تونس تستند على إرث إصلاحي عريق

حجم الخط
4

مع أن القرارات الأخيرة في تونس، المُكرسة للمساواة في الإرث بين المرأة والرجل، تُلامسُ مناطق حساسة، متصلة مباشرة بالنص الديني، لم تكن ردود الفعل السلبية عليها تُوازي ما أثاره القرار السعودي بالسماح للمرأة بقيادة السيارة. ربما يُعزى التفاوت بين ردود الأفعال الحادة في المجتمع السعودي، والقابلية التي تلقى بها التونسيون الإجراءات الأخيرة، إلى أن المرأة التونسية اقتربت من أعلى مراتب المساواة مع الرجل، فيما ما زالت شقيقتها السعودية بالكاد تضع أقدامها على درجات السُلم الأولى.

الكابتن منشاري تطير على أجنحة المُصلحين

إذا كانت المرأة السعودية، على سبيل المثال، ستقود السيارة اعتبارا من حزيران (يونيو) العام المقبل، فإن الكابتن التونسية علياء المنشاري قادت طائرات الأيرباص منذ ثمانينات القرن الماضي. ويعود اختلاف سرعات الترقي الاجتماعي، حسب مصطلحات قادة الاصلاح في القرن التاسع عشر، إلى التاريخ الطويل من التنوير، الذي ساهمت في صنعه النخب التونسية، إذ تبنى قسم واسع منها، قضية تحرير المرأة، منذ بواكير القرن الماضي، بوصفها مفتاحا لتطوير المجتمع وتحريره من السيطرة الاستعمارية. ومن ضمن هذه الرؤية بادر مثقفون وكتابٌ تونسيون إلى الدعوة لإرسال البنات إلى المدرسة، قبل إنشاء مدارس خاصة للبنات، كانت أولاها في الأول من أيار (مايو) 1900 في العاصمة تونس، وإن اقتصر عدد الطالبات المسجلات فيها على خمس فقط. لكن الفتاة ظلت محرومة من التعليم إن كان تعليما دينيا في جامع الزيتونة، أم حداثيا في المدارس الفرنسية. ومع حلول العام 1908 انطلقت مدارس عدة في تونس وسوسة والقيروان ونابل، ما مهد لانضمام فتيات إليها. وكان من نتائج تلك الموجة الأولى أن وقفت سيدة اسمها منوبية الورتاني لتتحدث، وهي سافرة، على منبر الجمعية الثقافية «الترقي» في 15 كانون الثاني (يناير) 1924 مطالبة بتحرير المرأة من القيود العتيقة، ومنتقدة ازدواجية المثقفين. وخاطبت منوبية الحضور مُعاتبة، وقد بدت عليها الحماسة لإصلاحات كمال أتاتورك، «عندما يُحقق الأتراك نصرا اجتماعيا تسعدون هنا في تونس وتقيمون الأفراح، أليس الأجدر بكم أن تقتدوا بهم في ذلك؟».

رائد تحرير المرأة

بعد خمس سنوات اعتلت منبر الجمعية نفسها سيدة أخرى تُدعى حبيبة المنشاري، وكانت سافرة أيضا، لتتحدث في موضوع الندوة، منتقدة بعض التقاليد المفروضة على المرأة، ومنها ارتداء الحجاب، وحضت على خلعه. لم يكن كلام السيدتين صيحة في واد، إذ كانت النخبة التونسية آنذاك تتابع الجدل الجاري في مصر بين أنصار الحجاب ودعاة السفور، وتطلع على كتابات قاسم أمين وتتفاعل معها بالسلب كما بالايجاب. وألقى المثقف الزيتوني طاهر الحداد (1908-1935) حجرا في البركة حين أصدر كتابه الجريء «امرأتنا في الشريعة والمجتمع»، في 1930، داعيا إلى تعليم البنات وإفساح المجال أمام المرأة لتشارك في الحياة الاجتماعية، مع الحرص على التأصيل الشرعي لجميع الأفكار التي جاء بها. غير ان الذين عارضوه كانوا أكثر من الذين ساندوه، وشنت عليه الأوساط المحافظة حربا نفسية عاتية، فاعتزل المجتمع ومات بعد خمس سنوات.
ساهمت تلك الحملة في الحد من حماسة الآباء لإرسال بناتهم إلى المدارس، إذ لم ترتد البنات المعاهد الثانوية سوى اعتبارا من 1944، بعدما افتُتحت في تونس مدارس تُقدمُ تعليما مزدوجا تُسمى المدارس الفرنسية العربية. وبعد مضي عشرة أعوام على تلك البداية لم يتجاوز عدد الفتيات في الإعداديات والثانويات 1060 طالبة، حسب المؤرخة سلوى الخضار. وفي السنة نفسها (1954) أي قبيل الاستقلال، لم تجتز اختبار الثانوية العامة سوى 50 فتاة. مع ذلك لعبت المرأة دورا بارزا في نشأة المجتمع المدني في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال التنظيمات التي بعثتها، ومنها الاتحاد التونسي للنساء المسلمات سنة 1944 والفرع النسائي لجمعية الشبان المسلمين في السنة نفسها، ونادي الفتاة التونسية في 1954. وتقول الدكتورة خضار إن تلك المنظمات شكلت رافدا للحركة الوطنية، وكانت النساء يجتمعن في الحمامات العمومية والزوايا والمساجد، خوفا من ملاحقات الشرطة الاستعمارية.

الحداد وبورقيبة

أبصر تعليم البنات انعطافا غير مسبوق مع تعميم التعليم وإقرار إجباريته بعد الاستقلال، إذ صار الآباء الذين لا يأخذون بناتهم إلى المدرسة يُعاقبون بالسجن. والأرجح أن الزعيم الحبيب بورقيبة (1903-2000) ظل يحمل مشروع طاهر الحداد في صدره، فكان سنُ قانون للأسرة يمنح المرأة حقوقها، من أولى التشريعات التي حرص بورقيبة على سنها، بعد نهاية الاحتلال الفرنسي، في 13 آب (أغسطس) 1956، حتى قبل أن يُصبح رئيسا للجمهورية في العام التالي. وقد فاجأت خطوته جميع الأوساط الحداثية والتقليدية على السواء، لا بل صدمتها، ولذلك فإن الرجلين يشتركان في النزعة الإرادية. غير أن الفرق الجوهري بين الحداد، الأقلي والمضطهد وبورقيبة أن الزعيم بات حاكما يُمسك في قبضته بدواليب الدولة. وهناك فرق آخر لا يقل أهمية عن الأول، وهو أن المصلح/الرئيس نزع سلفا أسلحة الاعتراض من أيدي رجال الدين، عندما أشرك فقهاء المذاهب الأربعة في صوغ مُدونة الأسرة، التي أخذت من كل مذهب أفضل ما فيه من أحكام تنزع نحو المساواة بين الرجل والمرأة، عدا التساوي في الميراث.
كرس الإطار القانوني الجديد وضعا بات مقبولا ومألوفا يبتدئ من منع تعدد الزوجات إلى تمكين المرأة من الوصول إلى المراتب العليا في الدوائر الحكومية وأجهزة الدولة، بما فيها الوزارة، بالإضافة إلى وجودها المتنامي في القطاع الخاص. ومن ثمار نزع القيود البالية عن المرأة أن نسبة الطالبات في التعليم الثانوي اليوم تفوق نسبة الذكور وتصل إلى 52 في المئة، كما أن نسبتهن في مؤسسات التعليم العالي متقدمة أيضا، إذ بلغت 51 في المئة من العدد الإجمالي للطلاب. وباتت المرأة اليوم تشكل غالبية العاملين في بعض القطاعات التي تحتاج إلى التأني والرصانة والجدية مثل الصحة والتربية والإعلام. ومن المُصادفات الجميلة أن كاتب هذه السطور حضر مناقشة رسالة تخرُج لطالبة في كلية الطب، وكان أعضاء لجنة المناقشة الخمس طبيبات.

مُرشحة للرئاسة

أكثر من ذلك، خاضت المرأة معارك سياسية بعد ثورة 14 كانون الثاني (يناير) 2011، وانتزعت مكانا مُميزا في «المجلس الوطني التأسيسي» (الجمعية التأسيسية)، الذي وضع دستور الجمهورية الثانية. وفي هذا السياق تم للمرة الأولى إقرار التناصف الأفقي والعمودي بين النساء والرجال في إعداد قائمات المرشحين للانتخابات البرلمانية، ما جعل حصة الرجال مُساوية لحصة النساء. كما لعبت المرأة دورا محوريا في الحركات الاحتجاجية التي أدت إلى إسقاط حكومة «الترويكا» (ائتلاف من ثلاثة أحزاب بقيادة «حركة النهضة») في مطلع 2014. وظهرت بصمتها الواضحة في الدستور الجديد، الذي أكد البند 46 منه على أن «الدولة تلتزم بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة وتعمل على دعمها وتطويرها»، مُشددا على ضرورة التمسك بـ»مُكتسبات دولة الحداثة في ما يتعلق بحقوق المرأة وضرورة عدم الاكتفاء بها والسعي نحو تدعيمها»، فيما أقرَ البند 21 أن «المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواءٌ أمام القانون من غير تمييز». ويُعتبر الدستور التونسي الوحيد في العالم العربي الذي يُقرُ حق المرأة في الترشيح لرئاسة الجمهورية، إذ رفع الحاجز الذي وضعه دستور 1959 على تقلدها الرئاسة.
غير أن كثيرا من رجال القانون وعلماء الاجتماع والخبراء يؤكدون أن هناك بونا شاسعا بين المرجعية التشريعية المتقدمة والواقع الصعب الذي تعيشه قطاعات واسعة من النساء، أسوة بالعاملات في المصانع والبيوت والفلاحات في الأرياف، اللائي لا تسمح أوضاعهن بالاستفادة من المكاسب التي تمنحها لهن القوانين. كما أن قسما كبيرا من الفتيات المتخرجات من الجامعات ومراكز التكوين يُواجهن مرارة البطالة وشظف العيش، وخاصة في المحافظات الداخلية. ويبقى موضوع المساواة في الإرث حتى الآن إعلانا سياسيا أطلقه رئيس الجمهورية وليس أكثر من ذلك، لأن الآلية التشريعية عبر مجلس النواب لم تتحرك لإقراره قانونيا، وإنما اكتُفي بتشكيل لجنة لوضع مسودة ترسل إلى المجلس لاحقا، ولا يُعرف متى ستجتمع اللجنة.

حقوق المرأة في تونس تستند على إرث إصلاحي عريق

رشيد خشانة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية