حقيقة التجانس العالمي

نشأة النّظام العالمي الجديد بإمبرياليته المتوحّشة تُفسّره غيرة ثقافة مشوّشة ودول لا تمتلكُ نسيجاً قوميّاً إزاء ثقافة عريقة ذات قيم حضارية متينة. وربّما هي أيضاً غيرة مجتمعات فقدت المعنى وأشكال المقدّس بمعطياته الرّوحية حيال ثقافات لازالت تُعلي من شأن المقدّس وأنماط التضحيات. ومثل هذا الفهم يجعل من طبيعة الصّراع القائم اليوم يطال بنية الثقافة، وبنية الحضارة في تجلّياتها الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والتربوية والقيمية بما يتجاوز المفهوم الضيّق لصدام الحضارات.
إنّه صراع الغرب ضدّ الإسلام بعد أن انتهى من القومية العربية وهو من أوجد إسرائيل لغرض إنهاء المشروع القومي العربي وتفتيته. واليوم يخوض الغرب حرباً حقيقية ضدّ الإسلام، وإذا رجعنا إلى الوراء آخذين هذا الاستنتاج في الحسبان لرأينا أنّ أمريكا وحلفاءها الأوروبيين قد وصلوا إلى حافة الانهيار والإفلاس من الناحية الأخلاقية منذ غزو العراق. وازدواجية المعايير التي يواصلونها إلى الآن كشفت زيف القيم الديمقراطية التي يدّعونها ولم يتبقّ لأمريكا إلّا التخبّط في مجدها الذّاتي المغرور والتّباهي بقوّتها العسكرية التي لم تعد قادرة على مواصلة وظيفة شرطيّ العالم. وفي الأثناء يستمرّ الدعم الأمريكي والبريطاني لإسرائيل وينكشف نفاق هذه الدول في تعريف الإرهاب وتصنيف الإرهابيين، وفي تعريف العدوان والدفاع عن النفس والقوّة النووية العادلة والقوّة النووية الغاشمة.
هكذا تتحوّل الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل ومن لفّ حولهم إلى دول منبوذة استخدمت الأمم المتّحدة للسّيطرة على دول العالم ومقدّراتها، واستغلّت هياكلها الأمميّة التّابعة لكي تُجيز العدوان الدولي، وتُدمّر الدّول ذات السيادة، وفي أحيان كثيرة تتجاوز المنظّمات الدولية التي لا تكبح جماح الأفعال غير القانونية. ومثل هذه الدّول المارقة عملت على احتلال الدول ذات السيادة، وحرصت على حماية الدول الاستراتيجية الصديقة، فهل تتوقّع أن تستمتع بسيطرتها المطلقة على العالم بالقوّة والضغط الاقتصادي؟
حتماً لا، لأنّ التوازنات الدولية تغيّرت كثيراً سياسة واقتصاداً، والدول الصغيرة التي خضعت للعهر السياسي والاقتصادي وسيلة للبقاء أو المنفعة المادّية التي يجنيها قادتها السياسيون لم يعُد بالإمكان أن تقبل شعوبها الرّضوخ وأشكال الهوان، فقد فقدت الشعوب المستضعفة الثقة في منظومة الأمم المتّحدة وفي الهيئات الدولية التي لم تُقدّم شيئاً يُذكر في معنى الإنصاف الدولي والعدالة الإنسانية، بل استعبدت الشعوب واستغلّتها خدمةً لأسيادها.
إنّ صورة «ترامب» أمام العالم تُماثل صورة «بوش الابن» ، فكلاهما مهووس بالسلطة والكبرياء المغرور، والصورة التي يراها العالم هي لقاطع طريق يحملُ هلوسات مجنونة وهو جاهز لاستخدام  آلة الحرب ضدّ الدول التي لا تمتلك قدرة عسكريّة مماثلة للدّفاع عن نفسها أو الردّ بالمثل.
فهل كوريا الشمالية هي العقبة الكأداء التي ستُوقف غُرور الولايات المتحدة وكبرياءها وغطرستها المعهودة؟ والأهمّ من هذا المأزق الآني لأمريكا أنّ الوضع العالمي يخضعُ اليوم لإعادة التفكير فيه والتوازنات الدولية تتّجه نحو التغيّر، فالمعسكر الذي تقوده روسيا والصين سياسة واقتصاداً يبحث عن وضع حدّ للإهمال الدولي الذي جعل أمريكا اللّاعب الوحيد وواضع السياسة في العالم لعقود.
كاتب تونسي

حقيقة التجانس العالمي

لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية