لندن ـ «القدس العربي»: عن دائرة الثقافة والإعلام في حكومة الشارقة، صدر ديوان «بين الماء والظمأ» للزميل الشاعر محمد جميح. يتكون الكتاب من جزئين: الأول بعنوان: مقامات الراعية، والثاني بعنوان شطحات. وذيل الشاعر عنوان الجزء الأول باعبارة «كانت تتبع مساقط الأمطار لفترة من الومن عند الأطراف الشرقية للرمل، ولما رحلت، سكبت هي الأمطار من الجهة الغربية للروح»، كما ذيل الشاعر لعنوان الجزء الثاني من العمل بالعبارة» «لا تكون الحقيقة حقيقة، إلا إذا أشبهت الخيال».
وبدأ الشاعر مقاماته بـ «مقام الوقوف» الذي ذيله بالعنوان «على ضريح الراعية»، وهذه هي الشخصية المحورية في الكتاب بجزئيه الأول والثاني. غير أن مقام الوقوف فيما يبدو دمعة مسكوبة على ضريح هذه الشخصية التي تخاطب الشاعر في نصوصه بقولها: «يا بني»، في إشارة تحيل على تاريخ من الحكي والتأمل وأحاديث الروح.
وضمن هذا الجزء يوجد اثناعشر نصاً كلها تدور حول شخصية الراعية التي حوث الكثير من الحكمة، والأقوال السائرة، والتجارب الروحية العميقة، كل ذلك ممزوجاً بنفس صوفي خالص، مع بعض العبارات الإشراقية التي أجراها الشاعر على لسان شخصية الكتاب «الراعية»، من مثل: « قلت لها: اشتقت إليك. قالت: «أمت نفسك حتى تراني. قلت: لا أستطيع. قالت: «عندما تكتمل أشواقك، ستلقاني هناك، عند الضفة الثانية. لا تقلق، سيدلك الموت على مكاني، وسوف نشرب القهوة، كما اعتدنا عند الأصائل معاً.»
يقول جميح في «مقام الوقوف»، مخاطباً راعيته التي ودعت الحياة: «كيف كان اللقاء على بعد شوقين، والموت على بعد خطوتين؟». ويقول : «هل تصدقين أنني أراك كل ليلة خارجة علي من عند أغنامك، وأنك تطلين عليّ من وراء الكثيب!».
ويقول في موضع آخر من الكتاب: «قلت: الطريق موحش. قالت: وحشة الطريق هي أنس المرعى، فافهم. قلت: الزاد قليل. قالت: زادك بين جنبيك، فلا تنس. قلت: الرحلة طويلة. قالت: بل الراحلة بطيئة. قلت: تعبت. قالت: سترتاح، فلا تعجل، يا بني مصيرك إلى المرعى، فلا تحزن.»
ويلتقي الشاعر راعيته في نص آخر، ويجري حواراً قصيراً: «قلت: أحس بالخواء. قالت: املأ قلبك بالكلمة. قلت: الكلمة أصداء غاربة. قالت: وحدها الكلمات المفرغة من معانيها أصداء غاربة.»
والقسم الثاني من نصوص الكتاب المعنون بـ«شطحات» مكون من عدد من النصوص التي تسير في نفسها على نمط الجزء الأول، غير انها نصوص أقل طولاً، وأكثر تكثيفاً، مع الاحتفاظ بالنفس الإشراقي ذاته، واللغة الصوفية ذات البعد الحكمي الفلسفي. وعدد تلك الشطحات 22 شطحة.
يقول في مقدمة «الشطحات»، في نص بعنوان «من أحاديث الدراويش»: ابتعدوا عني ايها الخطباء، دعوني استمع للخطبة. تنحوا جانباً، أفسدتم علي صلاتي. ما لي ولك أيتها المذاهل…دعيني أصل إلى الله، وأنتم أيها الساسة: ويل لكم، اخلعوا عنكم بردة النبي.»
ويأتي بعد «الشطحات» نص منفرد جمل عنوان «الراعي»، الذي ينفتح في دلالته على النبي «محمد»، الذي تحدثت السير انه كان يرعى الغنم صبياً في شعاب مكة.
يقول أحد مقاطع النص» «عندما جاء، جاء اليتامى بآبائهم…والبنات الوئيدات قمن إليه يربت أكتافهن..وينفض عن شعرهن غبار الجهالات..يا أيها اليتم..كيف يصير اليتيم أباً لليتامى..ومأوى الوئيدات..كيف يصير حمىً لا يرام!»
وافتتح الشاعر نصوص كتابه بنص بعنوان «فاتحة»، جاء فيه: «يا رب جاءني الموج من كل مكان، والمجداف مكسور، والشاطيء بعيد، والسفينة خرقها رجل غير صالح ومضى، إني أرى موجة سوداء تتقدم، عرش الشيطان على الماء، ناراً تحت الموج، نجني من بطن هذا الحوث..أخرجني من هذا التابوت».
يغترف الشاعر من قاموس جمالي صوفي، ويدمج عدداً من العوالم التي تلوح فيها أشباح لفلاسفة، وشعراء ومفكرين، ومتصوفة وروائيين من ثقافات مختلفة في الماضي والحاضر. ويعيد إنتاج هذه الشخصيات ليعيد من خلالها تشكيل عالمه الخاص، الذي تتجلى فيه «الراعية» شخصية محورية، في مجمل نصوص الكتاب.