حلب السورية: حاضرة القلعة وشهباء المتنبي

حجم الخط
0

للمدن ذاكرة ترسم هويتها، وبعض المدن تكون ذاكرتها أكثر رسوخاً في ذهن العابرين من الأفراد القاطنين فيها. بعض المدن تسكب روحها على قاطنيها، تؤثر بهم ولا تتأثر.
حلب في ذاكرتي اسم مقرون بمدينة حماة، أجهلها كما أجهل معظم المدن السورية الأخرى. اسمٌ مقرون بحكاية حزنٍ كبير، عن أحداثٍ وقعت في العام 1982، حين حاولت جماعة «الإخوان المسلمين» التمرّد لغاياتٍ سياسية على السلطة الحاكمة، عبر مجموعة من الممارسات العُنفيّة كما يروي البعض، وفي روايات أخرى أتى الحراك المُسلّح ردّاً على المرسوم الرئاسي 49 لعام 1979 الذي أصدره حافظ الأسد وقضى بالحكم بالإعدام على من يثبت انتماءه إلى تنظيم الإخوان المسلمين.
في ذاكرتي البعيدة، المرتبطة بأمكنة أخرى، روي لي ما فحواه أنّ لا سبيل آخر كان سوى فرض السيطرة على المدينة مُجدّداً بالقوّة العسكرية. يروى أنّ الدبابات اقتحمت المدينة. يُروى أنّ المدينة أغلقت على الإعلام وحُجبت عن العالم خلف ستار عالٍ من دخان الحرائق ولا مُبالاة الآخر. يُروى أنّ السيطرة تمّت وعاد الأمن والأمان إلى أرجاء المدينة.
لاحقاً لم يعن اسم حلب شيئاً لي سوى ماضٍ مُندثر، حضارات وتجارة وقصور خلفاء كسيف الدين الحمداني (915 – 967) وشعراء من المتنبي (915 – 965) إلى ابو فراس الحمداني (932 – 968). وبقيت حلب سؤالاً عالقاً في حجرة الصوت، لا أجرؤ على الإجابة عنه: هل قصص الضحايا التي سمعتها من شباب وصبايا كانوا أطفالاً وقت وقعت أحداث 1982 هي الثمن الوحيد، والبديل الوحيد حقاً الذي كان ممكناً لإعادة «الأمن والأمان» لأكبر المدن السورية؟
في شتاء العام 2008 كان لي شرف زيارة حلب التي تقع شمال غربي سوريا على بعد 310 كم من دمشق. وصلت في يومي الأوّل إلى أحد ضواحي المدينة الحديثة. بيوت أنيقة وشوارع عريضة، وهدوء ساكن. في تلك الضواحي – كما أخبرني زميل عمل من أبناء حلب- تعيش الطبقة الجديدة. الطبقة الجديدة في حلب يقصد بها تلك التي عاشت فك الحصار أخيراً بعد عشرين عاماً- تقريباً – من الإهمال والتهميش. إذ أنّ الضربة العسكرية القاصمة وقعت في حماة سنة 1982، لكن السلطة الحاكمة لم تغفر لحلب كونها هي التي بدأت بالاحتجاج عام 1980. والأهم أنّ حلب التي تسكنها غالبيّة من نسيج طائفي واحد هي مركز قوّة في التاريخ الإسلاميّ، علماً أنّها مركز تعايش قوميات، حيث تسكنها أقلياتٌ من الأكراد والأرمن والشركس والتركمان.
بقيادة جيشه استطاع خالد بن الوليد ضمّ حلب إلى خريطة المدن الإسلاميّة عام 637 م، وكانت ذا شأنٍ ثقافي- اقتصادي مهم في الدولة الأمويّة، وكذلك الدولة العباسيّة، لكن عصرها الذهبي كان تحت حكم سيف الدولة الحمداني حين غدت عام 944 عاصمة الدولة الحمدانية.
من هذه اللحظة، انطلق تاريخ من التنافس بين دمشق وحلب حول «مركز قوّة الدولة» حتى أنّ الجنرال الفرنسي هنري غورو أعلن في أيلول /سبتمبر 1920 إقامة «ولاية حلب» التي كانت جزءاً من مُخططه التقسيمي آنذاك لتسهيل حكم الانتداب الفرنسي على سوريا. ولقد أسهمت حلب في الثورة السورية الكبرى ضد الإستعمار الفرنسي، من خلال شخصية إبراهيم هنانو الذي قاد المقاومة من قلب المدينة، قبل أن يضطر إلى مغادرتها نحو جبل الزاوية، ثم جبل الأربعين، مما أجبر الجنرال غورو على فتح مفاوضات مع هنانو. ثمّ نشطت حلب أكثر في مرحلة ما بعد الإستقلال 1947، فكان أول رئيس حكومة وطنية من حلب وهو سعد الله الجابري، أمّا أمين الحافظ فشغل منصب رئاسة الجمهورية عام 1963. ويبقى الأكثر أهميّة على الإطلاق والمرتبط بمجزرة عام 1982 أنّ حركة الإخوان المسلمين تأسّست في مدينة حلب عام 1937.
وعليه، فإنّ حلب خُنقت كما يُشير بعض الباحثين في الفترة الممتدة ما بين 1980-2000، إلاّ أنّ الأمور تغيّرت مع استلام بشار الأسد مقاليد الحكم، خاصة مع فتح السلطة الجديدة للعلاقات الاقتصادية مع تركيا الدولة المجاورة لسوريا شمالاً، بالإضافة إلى توقيع أربع اتفاقيات تعاون مع كل فرنسا، تركيا وبيلاروسيا أعوام 2000-2005-2010 على التوالي، إلاّ أنّ المناسبة الأبرز التي أعادت اسم حلب إلى خريطة الضوء العربية كانت الاحتفاء بالمدينة بوصفها «عاصمة للثقافة الإسلامية» عام 2006.
من جهتي لطالما اعتبرت البيوت الحديثة علب كبريت متناسخة، متشابهة، تفتقد الروح قبل أيّ شيء آخر، فهجرت في زيارتي لحلب تلك الضاحية الراقية كما يفعل الزوّار الحديثون في مدينة غريبة، وبحثت عن حلب القديمة، عن تلك الأزقة والشوارع الضيقة، وعن قلعة حلب التاريخية. أذكر تلك المقاهي الصغيرة على الطرف الآخر من الخندق الواسع الذي تنهض قلعة حلب في مواجهته، وأفكر أنّها لا بُد تدمّرت اليوم في معظمها. أذكر البيوت المخفيّة خلف ستار حجريّ سميك عازلٍ للصوت فلا تبدو الأزقة سوى ممرٍ منحوتٍ من حجرٍ أصم، تتلوّن فيه الروائح وظلال الشمس. أذكر أبواباً خشبية سميكة، بعضها مال إلى السواد من قدمه وقد حفرت فيه التشققات ذاكرة سنين، فحلب واحدةٌ من أقدم المدن المأهولة في العالم.
حلب مدينة لا تفتح ذراعيها للغرباء كما رأيتها في زيارتي، فذاكرتها قد غيّرت طباعها وطباع سكانها التي كانت منذ زمن «الدولة الحمدانية» مدينة تشبه دمشق وحماة وباقي المدن المنكوبة بذاكرة معاصرة حزينة بكتمان أسرارها، تخفي خلف أبواب منازلها حكايات وجعٍ وقهر، وغضب تجمّع صرخة لم تنفجر. حلب التي رأيتها عام 2008 لا تخشى الغرباء. تعتمد على جوهرها الأساسي كمدينة تجارية، على حكمة أبنائها كتجّار ليُقيموا علاقات مصالح متبادلة مع الآخر، لكن ذاك الشعور بعدم الحاجة إلى الآخر قائم ويسكن الهواء. فحلب، كما حماة وسواها من المدن المنكوبة، لم تغفر الصمت الذي لفّ العالم تجاه ألم المدنيين فيها.
البعض يستند إلى تعقيدات هذه الذاكرة وصعوبة التهميش الذي عرفته المدينة طوال عقدين من الزمن في تأخرها الطويل للإنضمام إلى الحراك الشعبي الذي قام في سوريا في آذار/مارس2011، البعض تشنّج واعتبر أنّ حلب تريد أن تعاقب الآخرين الذين لم يكترثوا بألمها فتبادلهم بالمثل. البعض كان أكثر رحمة وقال أنّها فقط تخشى نكث الجراح. لكن حلب تلك المدينة ذات الإرث الثقافي العريق كتبت بالدم في صفحات تاريخ سوريا المعاصر أنّ طُلّاب جامعتها كانوا الأبرز في لعب دورهم التاريخي كشبابٍ ثوريّ. حلب المدينة لم تشارك في الحراك كما فعلت حماة ودرعا وحمص في الأخص، لكن جامعتها هزّ صوت طلبتها الساحات، حتى كان واقتحمت الجامعة.
تحوّل حلب إلى ساحة صراع عسكري مُسلّح بدا خبراً كبيراً، ومُفاجئاً بضخامته في حزيران/يونيو 2012، لكنه منسجم وتاريخ قاس تعيشه المدينة منذ القدم، فقد احتلت مدينة حلب في تاريخها ما بين عامي 974-987 أثناء الصراع البيزنطي السلجوقي، وفي آب/أغسطس 1138 دمّرها الزلزال، ثمّ أعاد «هولاكو» القائد المغولي احتلال المدينة عام 1260، وحلب مدينة كتبت علاقتها مع الحكم المغولي بالدم والنار. إذ طوال قرنين من الزمن تقريباً يهاجمها المغول وتطردهم، يذبحون ويحرقون وتعيد البناء والإستقلال. في الزلزال العسكري الذي يضرب مدينة حلب منذ حزيران/يونيو 2012 التهمت النيران في أيلول/سبتمبر من العام 2012 أجزاءً من سوق حلب الأثري، بدكاكينه القديمة ذات الأبواب الخشبية التي يعود بعضها إلى مئات السنوات، ثمّ في نيسان/ابريل 2013 دُمّرت مئذنة جامع حلب الأموي، وتمّ تحويل المسجد لمقرٍ عسكري.
إلى اليوم وبحكم المعارك العسكرية الدائرة لم يتمكن الأخصائيون من إحصاء حجم الدمار الذي لحق بآثار المدينة المُصنّفة إحدى مدن الإرث الحضاري الإنساني وفق منظمة «اليونسكو». طال القصف العشوائي والهمجيّة الحربية أسوار المدينة وسوقها وأماكنها الدينية وقلاعها وسواها من الأبنية التي يُفترض أنّها محميّة في حالات النزاع وفق القانون الدولي حيث تنص المادة 16 من البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف 1949 على أنّه: «يُحظّر ارتكاب أيّ أعمال ضدّ الآثار التاريخية، أو الأعمال الفنيّة وأماكن العبادة التي تشكّل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب، واستخدامها في دعم المجهود الحربي، وذلك من دون الإخلال بأحكام اتفاقية لاهاي الخاصّة بحماية الأعيان الثقافية في حالة النزاع المسلّح والمعقودة في 24 أيار/ مايو 1954».
وفي ذاكرة حلب أبيات المتنبي: «أتيت أرى الشهباء لكنَّ خيبة/ أطاحت بأحلامي وأدمت صباحيا / لقد بات فيها كلُّ شيء مشوهاً/ فقد ضيعوها واستباحوا تراثيا/ كأنِّي بها أمست بقايا مدينة/ إلى الموت قد أمسى بها النجم هاويا/ طلولٌ وأشباحٌ ووهمٌ مخادعٌ/ وقطاعُ أحلام كفى الموت شافيا/ سأرحل لا شعري يعيد مدينتي/ ولا أدمعي تحيي دهورا خواليا/ لعلي أرى الشهباء في قبر وحدتي/ فأبعثها فالقبر أمسى عزائيا/ أضم بقاياها واحيي رميمها/ وأطلقها بيضاء للحب ثانيا».

يارا بدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية