حماس وإسرائيل: أصوات الوساطة تعلو ويخفت أزيز الرصاص

حجم الخط
1

غزة ـ «القدس العربي»: رويدا رويدا تقترب حركة حماس ذات النفوذ القوي في قطاع غزة، من إبرام تهدئة مع إسرائيل، تمتد عدة سنوات مقبلة، يتوقف فيها الطرفان عن الحديث بلغة الرصاص والقنابل، مقابل إحلال هدوء، تمتنع فيه قوات إسرائيل العسكرية عن شن أي حروب على القطاع، وتتيح حياة أفضل للسكان المحاصرين.
على مدار أيام الأسبوع الماضية، انشغل الفلسطينيون سواء في غزة مقر قوة حماس، أو في الضفة الغربية مقر حكم السلطة الفلسطينية ونفوذها، في متابعة ملف التهدئة، وانقسموا كعادتهم بين مؤيد ومعارض. غير أن ما أضفى على الأمور طابع الضبابية، هو عدم وجود ما يؤكد أن حركة حماس تلقت عروض التهدئة الطويلة من المبعوث السابق للرباعية الدولية توني بلير خلال زيارته الأخيرة للعاصمة القطرية، ولقائه هناك خالد مشعل زعيم حركة حماس.
فعلى الرغم من تأكيد مسؤولين من الحركة تلقي هذه الأفكار، وقرب التوصل إلى التهدئة، وهو أمر عبر عنه القيادي أحمد يوسف، حين قال أن مفاوضات التهدئة قطعت شوطا كبيرا، مشيرا إلى قرب الإعلان عن «شيء ما» في هذا الصدد، بعد لقاء مشعل بلير في الدوحة، قال مسؤولون آخرون أن الحركة لم تتلق عرضا رسميا لهذا الاتفاق.
لكن رغم ذلك يشير أغلب المراقبين والمتابعين من مسؤولي الفصائل، إلى أن هناك «طبخة» يجري تسويتها على «نار هادئة»، ستشمل دخول حركة حماس في تهدئة طويلة الأمد مع إسرائيل.
ورغم نفي مكتب رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وجود أي لقاءات مع جهات من حركة حماس من خلال وسطاء، وذلك خلافا لما جرى تأكيده من عقد اجتماع ضم مشعل مع بلير، فإن الطرفين المعنيين بالأمر فعليا يريدان الوصول إلى هذه التهدئة، لما لها من فائدة تعود عليهما.
ففي إسرائيل يسعى نتنياهو الذي يقود ائتلافا حكوميا ضعيفا إلى تجنيب جنوب إسرائيل القريبة من غزة، ومناطق الوسط أي هجمات للمقاومة الفلسطينية بالصواريخ، قد ينجم عنها خسائر بشرية ومالية كبيرة، على غرار الحرب الماضية، وكذلك سيسبب دخوله في حرب جديدة في حرج وانتقاد دولي، في ظل مطالبات بمحاكمته دوليا. وعلى الجانب الآخر فإن أي حرب جديدة ستزيد من خسائر قطاع غزة على كل المستويات، خاصة وأن آلاف الأسر تعيش حالة من التشرد بعد أن دمرت منــازلهــا، لذلك لا تســعى حركة حماس للدخول في مواجهة أخرى قريبة.
وما يؤكد الاهتمام بإبرام التهدئة، هو إسراع حركة حماس فور فتح مصر لمعبر رفح بشكل استثنائي الأسبوع الماضي، بالطلب من السلطات المصرية، لقاء مدير مخابراتها وفد رفيع من قيادة حماس على ان يسافر الوفد إلى قطر وتركيا، لعقد لقاء بين قيادة غزة والخارج، لبحث مشروع بلير، وما عرضته أطراف دولية على قيادة الحركة، للخروج بموقف موحد بخصوص التهدئة.
يأتي ذلك مع زيارة خالد مشعل إلى تركيا، إذ التقى الرئيس رجب طيب أروغان، بعد أيام قليلة فقط من لقائه بلير، حيث كشف عن مناقشة الطرفين لملف التهدئة، وإقامة «ممر مائي» سيربط غزة بجزيرة قبرص، وهو أحد أهم أركان الاتفاق، إذ سيخضع الممر لرقابة من حلف الناتو، وتركيا أحد أعضائه.
وما يدلل على وجود شيء مخفي في مباحثات التهدئة، لا تريد حماس الكشف عنه في هذا الوقت، ربما بسبب اعتبارات خاصة بها، في ظل تعقيدات الوضع الفلسطيني والإسرائيلي، كشف مستشار رئيس الوزراء التركي ياسين أقطاي، بعد زيارة مشعل لأنقرة، أن غزة تتجه نحو اتفاق شامل في قضية رفع الحصار وفتح المعابر والتوصل لاتفاق تهدئة مع إسرائيل.
وترافق ذلك مع ما كشف عن عقد الحركة لقاء ضم قادتها في قطاع غزة، بحث مقترحات بلير للتهدئة، وخرج منه المجتمعون بموقف مؤيد للاتفاق، قبل الطلب من مصر بالموافقة على خروج وفدها القيادي للقاء قيادة الخارج، رغم أن هناك مسؤولين من حماس نفوا عقد هذا الاجتماع.
لكن الحركة لم تخف منذ البداية وجود مباحثات واتصالات تجري عبر أطراف دولية للتوصل إلى التهدئة الطويلة، وهي اتصالات بدأها المبعوث السابق للأمين العام للأمم المتحدة روبرت سيري، بالتزامن مع رسائل نـقــلتـهـا إســـرائيل لــحركة حماس لإحلال التهدئة، عبر تجار فلسطينيين.
وفي خضم الحديث عن التهدئة، وتناول وسائل الإعلام لمختلف وجهات النظر، أعلنت حركة حماس أنها التقت مع فصائل فلسطينية شملت كلاً من الجهاد الإسلامي وحركة فتح والجبهتين الشعبية والديمقراطية والمبادرة الوطنية، وتدارست معهم المستجدات السياسية والوضع الفلسطيني الداخلي والمعاناة الفلسطينية، وقدمت لهم شرحاً للقاءات التي جرت مع الأطراف الأوروبية والدولية ولقاءات توني بلير بشأن التهدئة، وأكدت لتلك الفصائل أن أي مقترح يقدم للحركة سيتم عرضه على الفصائل.
لكن مع تفاعلات الملف، وجهت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية انتقادات شديدة لحركة حماس، فحركة فتح على لسان عضو لجنتها المركزية جمال محيسن قال أن حركة حماس تسعى لتوقيع «اتفاق عار» مع إسرائيل، برعاية توني بلير، وهاجم الأخير ووصفه بأنه «سمسار، وممزق النسيج العربي».
أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فقد حذرت عبر عضو المكتب السياسي كايد الغول من استغلال إسرائيل و»أطراف معادية للشعب الفلسطيني» صعوبات الوضع الإنساني القائم في قطاع غزة من أجل تدفيع الشعب ثمنا سياسيا مقابل تخفيف الحصار.
وأوضح أن الجبهة تربط بين حجيج وفود أوروبية وأمريكية لم يعلن عنها إلى القطاع، وبين الحوار الذي يسعى إلى تقديم التزام بهدنة طويلة الأمد وعدم تطوير قدرات المقاومة ومنع حفر أنفاق استراتيجية يمكن أن تصل للأراضي المحتلة عام 1948، مقابل الميناء العائم باشتراطات أمنية كبيرة تضمن الرقابة الإسرائيلية المباشرة أو عبر رقابة دولية تتحكم في حركة السكان وحركة التجارة من وإلى قطاع غزة.
ووصف الأمين عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني، المشروع الذي أطلق عليه اسم «حماس ـ بلير» بـ «التآمري المتلاقي مع المشروع الإسرائيلي عند نقطة الدولة المؤقتة».
في حين اعتبر عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الدكتور واصل أبو يوسف، الاتفاق «ضربة للمشروع الوطني الفلسطيني ويصيب وحدانية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية بمقتل».
والمعروف أن البنود الأساسية لهذا الاتفاق الذي تجري بلورته، رغم اعتراض السلطة على الجهة التي تمثل الفلسطينيين «حركة حماس» ينص على تهدئة طويلة الأمد تدوم لعشر سنوات أو أكثر في غزة، توافق بموجبها إسرائيل على إقامة ممر مائي يربط غزة بالعالم، إضافة إلى رفع الحصار، مقابل وقف كل الأعمال العسكرية بين الطرفين.
وبانتظار ما ستؤول إليه الأمور خلال الفترة المقبلة، ستبقى التهدئة في دائرة الاهتمام الفلسطيني، خاصة وأن سكان غزة يتطلعون إلى تحسن وضعهم الاقتصادي الذي تدهور كثيرا بعد الحصار الممتد منذ أكثر من ثماني سنوات.

أشرف الهور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية