بعيدا عن الرؤية العدمية التي تفتقر إلى أي تأثير على الأرض، ولا تقدم بديلا، باستثناء شمولية الفوضى والخراب، لنظام يستغل المعطيات التاريخية التي أفرزته في الجنوح نحو «شمولية شعبوية» تفتقر إلى برنامج سياسي واضح، ينبغي قراءة هذه الرغبة المحمومة لمن يحكمون مصر اليوم، في إصدار قوانين متسرعة على الرغم من أننا على بعد شهور قليلة من انعقاد البرلمان الجديد، حسب تعهدات رئيس الجمهورية.
وحتى لا يكون الحديث مرسلا أو مبتذلا بلا هدف سوى التشويه، يمكن التوقف موضوعيا عند قوانين محددة، كان يتحتم طرحها لنقاش مجتمعي، وليس في البرلمان فقط، ما كان سيمنحها شرعية حقيقية وحصانة من أن تتهم بالانتماء إلى نهج «ديمقراطية الأمر المباشر» التي يرتاح اليها النظام، ويخشى المخاطرة بفقدانها بإجراء الانتخابات البرلمانية.
أولا – قانون مكافحة الإرهاب:
يمثل هذا القانون المقرر أن يعتمده الرئيسي عبد الفتاح السيسي خلال ساعات، حلقة جديدة في سلسلة قوانين، تم إعدادها في ليل، بعيدا عن أي نقاش عام، أو حتى من المختصين من خبراء القانون والحقوقيين. وقد استطاع هذا القانون وما يحويه من انتهاكات خطيرة للدستور المصري والمواثيق الحقوقية الدولية ذات الشأن، أن يوحد بين خصوم النظام وبعض مؤيديه. ومثال ذلك نقابة الصحافيين المصريين التي طالبت النظام بسببه في بيان رسمي مؤخرا بتوضيح حقيقة موقفه من حرية الصحافة، وهو ما لم يلق ردا حتى الآن. ناهيك عن الانتقادات من منظمات حقوقية، بما فيها المجلس القومي لحقوق الإنسان، وهو هيئة حكومية يتسلم اعضاؤها مكافأة سخية من ميزانية الدولة في نهاية كل شهر. اما على المستوى الدولي فحدث ولا حرج عن بيانات من منظمات كبرى مثل امنيستي وغيرها اعتبرته «كارثيا».
ثانيا- قانون الخدمة المدنية:
من غير شك لا يمكن التشكيك مبدئيا في الحاجة إلى إصدار قانون كهذا يعالج تفشي الترهل والفساد وانعدام الكفاءة في الجهاز الإداري للدولة، الذي يضم أكثر من ستة ملايين موظف يتقاضون رواتب تقدر بثمانية وعشرين مليار جنيه، وتحولوا إلى عبء حقيقي على الدولة والمجتمع في آن. إلا أن قانونا كهذا يحتاج إلى إعداد جيد وتحضير منصف واستماع جيد لكافة الأطراف، حتى لا يساوي بين الصالح والطالح، وهو ما يخشاه آلاف الموظفين الذي بدأوا حركة احتجاجات واسعة وغير مسبوقة قبل أيام، وهم قادرون على اصابة دواليب الدولة بالشلل التام إن قرروا ذلك، وهذا تحد خطير للنظام لم يعرف نظيرا له خلال العامين الماضيين. وحسب انتقادات من نقابيين وخبراء فإن القانون الجديد يوسع من ظاهرة الرشوة المعروفة بـ»فتح الدرج» في المصالح الحكومية، بدلا من القضاء عليها. وهكذا يجد النظام نفسه في مأزق حقيقي، إذ أنه يرفض التراجع عن القانون حفاظا على «هيبة الدولة» او ما تبقى منها، وفي الوقت نفسه يقف عاجزا عن احتواء الاحتجاجات المتصاعدة ضده.
ثالثا – القوانين الاقتصادية:
من الواضح أن ثمة عشوائية حقيقية تقود السياسة الاقتصادية حاليا، بدءا من تعديل القانون لفرض ضريبة رأسمالية على أرباح البورصة، ثم التراجع عنه بعد ايام قليلة بعد أن كادت البورصة تنهار تماما وواجهت خطر الشطب من مؤسسات دولية، إلى تعديل عشوائي آخر لقانون الاستثمار عشية المؤتمر الاقتصادي في شهر مارس الماضي في شرم الشيخ، الذي فشل في تحقيق الوعد الحكومي بانشاء «سياسة الشباك الواحد» لتشجيع الاستثمار. ونظرا لانعدام المناقشة الجدية او العلنية، واسلوب «السلق»- كما يقول المصريون – الذي لجأت اليه الحكومة في إصدار القانون، من السهل على أي شخص يقرأ القانون المعدل أن يجد تضاربا واضحا بين مواده، وهذا يكفي لتكريس مخاوف المستثمر ورأس ماله الجبان بطبيعته.
والسؤال البديهي هو ما الذي يجعل النظام يرتكب هذه الخطايا السياسية؟ خاصة أن قانون العقوبات المصري، على سبيل المثال، يحوي مواد مشددة بالفعل تتعامل مع قضايا الارهاب، ناهيك عن أن الإرهابيين لن يرتعدوا أصلا من أي تشديد للعقوبات، كما أن التصعيد الامني بدون رؤية سياسية اثبت فشله في القضاء على الإرهاب، بدون أن يعني هذا التقليل من اهمية العنصر الامني.
والاجابة أن هذا النظام يمارس الحكم بصورة فردية بدون الاستناد إلى أي خبراء او مستشارين سياسيين، وهو ما سيجعله حتما يتسبب في اضرار جسيمة لصورته ومصداقيته، بالإضافة إلى الآثار السيئة على مصلحة البلاد.
اما ما يحركه في هذا الاندفاع نحو قوانين عشوائية كهذه، فهو الرغبة في استغلال امتلاكه صلاحيات دستورية استثنائية في إصدار القوانين في غياب البرلمان، لتحقيق مكاسب سريعة ترسخ قبضته، بالنظر إلى أنه قد يكون من الصعب تمرير هذه القوانين وغيرها بعد تشكيل البرلمان الذي سيضم حتما اصواتا عاقلة، مهما قل عددها، قادرة على فضح ما فيها من عشوائية او انتهاكات أمام الرأي العام ما سيؤدي إلى إحراجه.
صحيح القول إن البرلمان الجديد يملك الصلاحية لمراجعة أي قانون اصدره رئيس الجمهورية، لكن من الناحية الواقعية، سيكون حدوث هذا الامر شديد الصعوبة، بالنظر إلى العدد الكبير من القوانين التي صدرت خلال العامين الماضيين، والاجندة شديدة الازدحام التي تنتظر البرلمان، والتي تلزمه باصدار مئات القوانين المكملة للدستور الجديد الذي صدر في يناير 2014.
واخيرا فمن الإنصاف القول إن المصريين، لن يلتفوا إلى اجندات سياسية او ايديولوجية ضيقة تعيد عجلة الزمان إلى الوراء، ولن يستمعوا إلى مبالغات هزلية وساذجة تسعى لتشويه النظام، كما انهم لا يهتمون ببرامج التطبيل السياسي والاعلامي للنظام والتمجيد لرئيسه، وهي التي اصبحت تنتمي إلى الماضي، لكنهم سيحاسبون النظام حتما طبقا لقراراته وتُأثيراتها على واقعهم على أساس أنه لم يعد يملك رفاهية الخطأ او حتى «التجريب» فيهم عبر أساليب عشوائية كهذه. وهنا تكمن الإمكانية الوحيدة للتغيير، وما دونها سيذهب جفاء.
٭ كاتب مصري من أسرة «القدس العربي»
خالد الشامي