معظم العابرين لشارع بورقيبة في قلب العاصمة تونس قد لا يجلب انتباههم، بفعل العادة على الارجح، مشهد الاسلاك الشائكة التي تطوق بالكامل ساحة صغيرة في منتصف الطريق بين الكاتدرائية الكاثوليكية وسفارة فرنسا، وتسمى ساحة الاستقلال. كل ما يوجد داخل الساحة هو حديقة يتوسطها نصب تذكاري للعلامة المؤرخ ابن خلدون صاحب المقولة الشهيرة «المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب»، وقد وضعته السلطات بعد الاستقلال ليكون بديلا لتمثال اقامه المستعمر الفرنسي للسياسي جول فيري، المعروف بمقولة «ان الاجناس او الشعوب السامية تتمتع بواجب الوصاية والرعاية للشعوب البدائية المستعمرة».
لا تزال الساحة الى الان مطوقة بمن في داخلها، اي بالتمثال الكئيب المهجور، وكأنها ثكنة عسكرية لا يمكن تخطيها، او حتى مجرد الاقتراب منها، ولا مبرر لذلك على ما يبدو الا الخوف المبالغ على أمن وسلامة السفارة الفرنسية، التي لا تبعد عنها سوى خطوات قليلة. وفي المشهد رمزية لا تخفى على المتابع لعلاقة تونسية فرنسية بنيت منذ خمسينات القرن الماضي، وفقا لرؤية الزعيم الراحل بورقيبة، على ان «الاستقلال سوف يكون مع فرنسا وليس عن فرنسا».
وليس صعبا ان يلحظ الزائر حجم التأثير الفرنسي على تونس، بدءا باللغة الهجينة التي يتكلمها معظم الناس في الشوارع، وصولا الى دوائر المال والسياسة التي لم تخرج ابدا عن فلك باريس، منذ اكثر من قرن من الزمن. لكن اسلاكا واسوارا عالية غير اسلاك الساحة ما تزال تفصل الجانبين، رغم كل الحديث الودي الناعم والتبادل الدبلوماسي المستمر لاشارات الترحيب والدعم.
المصلحة الفرنسية نفسها التي اقتضت ألا يخرج البلد مطلقا، وتحت اي مبرر كان، عما اعتبرته فرنسا مجالها الحيوي والطبيعي في افريقيا، هي التي عجلت الان بالاستفاقة المفاجئة لباريس لتستوعب بشكل متأخر ان مستعمرتها السابقة تخوض تجربة فريدة ونادرة، وسط محيط متلاطم ومضطرب، وانه من الضروري والعاجل ان تكون للفرنسيين كلمة فصل في ما يجري ويرسم من مخطــطات ومشاريع داخل الاقليم.
دعوة فرنسا في الثامن من هذا الشهر لمؤتمر دولي لجمع المساعدات لاقتصاد مدمر ومنكوب، قد تكون المدخل العملي والواقعي لاسترجاع صورتها المعتادة، اي صورة الراعي لحرية وديمقراطية نادت بها الثورة الفرنسية وطالما استثمرها السياسيون في تحقيق اهداف وتوجهات السياسة الخارجية لفرنسا، لكن بلدا صغيرا محدود الموارد، كما يردد اعلامه، محشورا بين عملاقين هما ليبيا والجزائر، لم يتمكن الى الان من ان يصنع صورة جديدة خارج قوالب النمطية التي حُشر داخلها منذ عقود طويلة، ولا استطاع ايضا ان يحافظ على الشكل القديم والمألوف نفسه لتلك الصورة، وقد تكون تلك هي المفارقة التونسية، التي تطبع الى حد ما استثناء النموذج وغرابته في الوقت نفسه. فطرد حاكم مستبد او دفعه للهروب، ثم بناء مسار انتقالي متعثر، لكنه واضح الرؤية والسبيل ويوشك كما هو متوقع على استكمال اخر حلقاته بنهاية العام الجاري، ليس بالامر العادي او السهل امام النكسات والهزات التي اربكت واجهضت مسارات شبيهة وقريبة في دول الجوار. النجاح النسبي للبلد الصغير تونس، الذي ادار رقاب العالم نحوه وجلب له الاشادة والاعجاب، لم يسمح له في المقابل بتخطي الحواجز والمطبات الاصطناعية التي وضعها الاستعمار، ثم بناة الدولة الوطنية المستقلة على طريقه في ما بعد. وقد اثبت ذلك الواقع المر ان ما يهم الغربيون بالاساس هو الاستقرار، او وجود حالة من الركود السياسي تكون صمام امان وضمانا على الا يُفتح الباب يوما على المجهول، اكثر من اي شيء اخر، فليست لديهم ثقة ولا اطمئنان رغم بريق الشعارات، لا في الشعوب ولا في المسارات والابعاد التي يمكن ان تقود اليها ديمقراطية رعناء مفتوحة على جميع الاحتمالات والتوقعات.
السياح الفرنسيون على سبيل المثال، الذين كانوا يتقاطرون بكثافة على تونس ايام الاستبداد، اخذت اعدادهم تتناقص بشكل مريب وغير مفهوم بعد تخلصها من حكم بن علي، وكأن الشواطئ التونسية التي اغرتهم بجمالها في السابق تغيرت الان، او ان خدمات الفنادق لم تعد بالمستوى المطلوب، او ان وكالات الاسفار اكتشفت اخيرا بمحض الصدفة ان البلد لم يعد نظيفا وآمنا مثلما كان من قبل؟ والتفسير الذي قدمته وزيرة السياحة منتصف الشهر الماضي، في عرض امام الصحافيين، لاستراتيجية الوزارة هو ان صورة البلد اهتزت وتدهورت بشكل كبير، وانه تقرر ان يشرع خلال ايلول/ سبتمبر الحالي في البدء بالترويج لتونس في الخارج باسلوب جديد. هل الاشكال اذن في صورة الديمقراطية الوليدة التي تحتاج ابواق دعاية مثلما احتاج الاستبداد لتلك الابواق نفسها، أم في تصورات الغربيين لقدرة الشعوب العربية، من خلال تجربة تونس على استيعاب الديمقراطية والتعايش معها وفقا لخصوصياتهم الحضارية والثقافية؟
استعمل الاستبداد ترسانة ضخمة ومعقدة في الداخل والخارج كانت مهمتها الاولى والوحيدة هي تلميع صورته، وتقديم معارضيه الحقيقيين والمحتملين على انهم مرتزقة وارهابيون لا حق لهم بالعيش الا داخل السجون والمنافي. واستمرت السلطات في وضع يدها على وسائل الاعلام بشكل فظ ومباشر من خلال الجهاز الرسمي لوزارة الاتصال وادارة الظل في قصر قرطاج. اما في الخارج فالذراع التي كانت تتحكم في كل الجزئيات والتفاصيل فهي وكالة الاتصال الخارجي. وهي هيئة رسمية اوكلت لها مهام تجميلية لانجازات النظام الوهمية وعرفت بكونها صندوقا اسود لمعاملات مشبوهة مع اعلاميين اجانب جندهم نظام بن علي للدفاع عنه في المنابر الغربية مقابل امتيازات وعطايا مجزية، وما تزال الى اليوم سرا دفينا لم يكشف عنه بعد، رغم ان اعضاء اللجنة الوطنية لتقصي الحقائق حـــول الرشوة والفساد قاموا في الثامن والعشرين من مارس/ اذار 2011 اي بعد مضـــي اسابيع قليلة فقط على هروب بن علي، باجراء تدقيق لطرق التصرف والعمل بها. وما لخصه تقرير اللجنة الذي نشر في العام نفسه، ان قطاع الاعلام السمعي والبصري «قد عرف ممارسات فساد ورشوة تكاد لا تحصر»، ليس سوى تعبير بسيط ومختصر عن التجاوزات والخروقات التي قادت السلطات الجديدة لحل الوكالة بقرار من رئيس حكومة الائتلاف حمادي الجبالي، بعد فترة قصيرة من ظهور ذلك التقرير.
قرار الحل كان اجراء ثوريا، لكنه حرم الديمقراطية الناشئة في المقابل من اداة مفيدة ومطلوبة لاسماع صوتها في الخارج، وتقديم صورة حقيقية وصادقة عن وضع البلد في مرحلة الانتقال الديمقراطي. وقد يكون موقف الحكام الجدد في ذلك الوقت مبنيا على الاعتقاد انه لا فائدة ترجى من بقاء آلة دعائية قديمة، وليست هناك ضرورة او موجب للترويج للاوضاع الجديدة، طالما ان العالم كله قد انبهر بما حصل داخل تونس، وابدى حماسة شديدة للوقوف معها من اجل نجاح التجربة. لكن الحصار الاعلامي الذي ضرب على حكومات الترويكا واستمر الى الان مع حكومة التكنوقراط قد يكون هو الذي دفع السلطات للاعلان اواخر اب/اغسطس الماضي عن انشاء «وحدة للاتصال الدولي» تتركز مهامها وفقا لبلاغ رئاسة الحكومة في «خدمة مصالح الدولة التونسية والعمل على تقديم صورة جديدة لتونس الديمقراطية الناشئة والبلد المنفتح على الاستثمار وعلى اقتصاديات العالم وشعوبه». القرار تزامن ايضا مع الاعلان عن تسوية لملف الصحافيين والاداريين الذين عملوا في السابق في وكالة الاتصال الخارجي، بادماجهم داخل الهيئة الجديدة. تطويع الاشخاص انفسهم الذين جمّلوا صورة الديكتاتورية في الماضي، ليقدموا اليوم وغدا الصورة نفسها، لكن بوجه معاكس ومغاير. ذاك هو الخيار الذي فضل التكنوقراط انتهاجه مرغمين او مختارين. اما إن كانوا قد اخطأوا في ذلك أم اصابوا وهل سيغير ذلك الاسلوب شيئا من نظرة الاوروبيين والغرب لبلد مثل تونس؟ فما يزال الوقت مبكرا للحكم لهم او عليهم، لكن الانطباع السائد هو ان التغيرات القادمة لن تتخطى المظهر الخارجي بأي حال من الاحوال، تماما مثل الاستقلال الذي اراده بورقيبة «بفرنسا وليس عنها»، وتمثال ابن خلدون الذي حل مكان تمثال جول فيري ليظل محاصرا بعد ذلك، إما بالأسلاك الشائكة الجديدة أو بأسلاك أخرى قديمة صنتعها السياسة والتاريخ.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية