حوار «فتح» ـ «حماس»: تشاءلوا بالخير!

حجم الخط
9

 

في وسع امرئ متفائل بآفاق الجولة الراهنة من جهود المصالحة الوطنية الفلسطينية ـ الفلسطينية، أن يبدأ من سلسلة القرارات الإيجابية التي اتخذتها حركة «حماس» مؤخراً (حلّ اللجنة الإدارية، دعوة حكومة الوفاق لممارسة مهامها في غزّة، والموافقة على إجراء الانتخابات العامة، وتلبية الدعوة المصرية للحوار مع «فتح» حول آليات تنفيذ اتفاق القاهرة 2011 وملحقاته). وفي وسع المتفائل إياه أن يأخذ على محمل الجدّ، أو يصدّق، تصريح الرئيس الفلسطيني محمود عباس، خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل أيام؛ من أنه لا دولة في غزّة، ولا دولة فلسطينية من دون غزّة.
وأمّا المتشائم، فليس عليه أن يمعن التفكير ملياً، أو طويلاً، لكي يرسّخ تشاؤمه؛ أكثر من ذي قبل ربما! يكفي أن يستعرض تاريخ جولات المصالحة السابقة، التي بدأت فور وقوع الشرخ بين الحركتين؛ أي ابتداءً من إعلان القاهرة 2005، واتفاقية مكة 2007، وإعلان صنعاء 2008، ومباحثات 2009 و2010، واتفاقية القاهرة 2011، والدوحة 2012، ثمّ القاهرة في العام إياه، وبعده في 2013 و2014 و2016… ولسوف يتيقن من أنّ افتراض حسن النوايا، بل الإجراءات الإيجابية على الأرض، ليست البتة كافية لكي تسفر الجهود عن مآل ملموس؛ طويل الأمد نسبياً على الأقل، إذْ أنّ الطموح إلى حلّ دائم مستقرّ يبدو بعيد المنال حتى الساعة.
ذلك لأنّ هذه الجولة الجديدة لا تنطلق، حقاً، من الحرص على قطع خطوة إضافية فعلية على درب الوحدة الوطنية الفلسطينية، أو حتى مباشرة سيرورة صادقة ومثمرة للمصالحة بين الحركتين الأبرز على الساحة الفلسطينية الداخلية. ومن الواضح أنّ «حماس» تنحني، وربما أكثر من المعتاد هذه المرّة، أمام ضغوطات مالية وإدارية وخدمية هائلة؛ لا تبدأ من رواتب آلاف الموظفين، هنا وهناك، وإحالة آلاف آخرين على التقاعد الإجباري؛ ولا تنتهي عند قطع الكهرباء، وتقليص التوريدات الطبية، وتجميد الإعانات لأسر المعتقلين. ولا يخفى، غنيّ عن القول، أنّ الحصار الإسرائيلي الخانق (ثمّ المصري، على هذا النحو أو ذاك)، وحروب التدمير الوحشية التي شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضدّ القطاع؛ عوامل حاسمة بدورها، ظلت تضغط على نحو تراكمي، عميق الأثر وشديد الأذى.
«فتح»، من جانبها، ما تزال تعيش مخلفات الحرب الأهلية المصغرة التي أدخلها فيها محمد دحلان، سنة 2007؛ حين شاء أن يتعشى بـ«حماس»، فتغدت الحركة به، على نحو لم يُنزل هزيمة ماحقة برجاله وأنصاره في «الأمن الوقائي»، فحسب؛ بل ألحق العار بـ«فتح» ذاتها، من حيث مقامها السياسي والكفاحي، الفعلي أو الرمزي التاريخي، في غزّة. وهكذا، ليس من اليسير أن تستعيد الكوادر الفتحاوية مواقعها السابقة، أمام احتمال تشبث الكوادر الحمساوية بما تشغله اليوم من مسؤوليات في المواقع ذاتها؛ وكذلك أمام الاختراقات التي يمارسها دحلان في قلب «فتح» الغزاوية بصفة خاصة، بما في ذلك النذير بتشكيل «حكومة» تابعة له، أو برئاسته!
فإذا استعاد المتفائل، أسوة بالمتشائم في الواقع، حقيقة أنّ مصر هي راعية هذه الجولة الراهنة من الحوار الفلسطيني ـ الفلسطيني؛ ثمّ استذكر الإثنان جوهر الموقف المصري من «حماس» و«فتح»، خاصة في ضوء متغيرات ما بعد انقلاب عبد الفتاح السيسي؛ واحتسب، كذلك، سلسلة العناصر الضاغطة المتأتية من مشهد إقليمي متفجر، يقطع قوساً واسعاً من سوريا والعراق إلى اليمن وليبيا، لكنه أيضاً يمرّ من غزّة ورام الله… فإنّ صيغة التشاؤل ـ كما في النحت اللغوي الشهير، الذي اقترحه الروائي الفلسطيني الراحل إميل حبيبي ـ سوف ترضي استبشار التفاؤل الغريزي، دون أن تقصي ريبة التشاؤم الغريزية بدورها.
وللفلسطيني العادي، الضحية الأولى والكبرى خلف هذا الاصطراع الفتحاوي ـ الحمساوي، أن يراقب جولة القاهرة الراهنة، هاتفاً: تشاءلوا بالخير!

حوار «فتح» ـ «حماس»: تشاءلوا بالخير!

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية