حول إضراب الأسرى ووثيقة حماس وزيارة عباس لواشنطن

شهدت القضية الفلسطينية ثلاثة تطورات مهمة قد تكون لها آثار بعيدة المدى على مجمل النضال الفلسطيني وسعيه لتحقيق بعض حقوقه المشروعة المتمثلة في حدها الأدنى بقيام دولة فلسطينية مستقلة ومترابطة وقابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية دون تفريط بحق العودة. نحن منذ البداية لم نؤيد تلك البراغماتية التي تم تسويقها على أساس أن السياسة هي «فن الممكن» فقد شاهدنا كيف أن البرامج المرحلية والمرونة السياسية والمفاوضات دون شروط واتفاقيات أوسلو وما تلاها لم تؤد إلا إلى مزيد من التنازلات دون مقابل وكلما قدمت القيادة تنازلاً جديداً طلب منها المزيد وكلما حاولت القيادة أن تفرمل مسيرة التنازلات تجد نفسها مرة وراء مرة تسرع في مسيرة الإنحدار نحو القاع. والتطورات الثلاثة المهمة هي الإضراب عن الطعام الذي بدأه الأسرى يوم 17 نيسان/أبريل، ووثيقة حركة حماس التي أعلنها رئيس المكتب السياسي آنذاك خالد مشعل في الأول من أيار/مايو ولقاء الرئيس محمود عباس بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 3 من الشهر الحالي. لقد كتب الكثير عن هذه التطورات ولذلك رأيت أن أمر على تلك الأحداث في عجالة وأربطها معاً مبيناً ببساطة أن هناك بوصلة صحيحة ترسم معالم الطريق نحو تحقيق البرنامج المرحلي وما عدا ذلك فهو خض في الماء ليخرج منه زبدة ونحن نعرف أن ذلك من المحال. في مقال مهم نشره القائد مروان البرغوثي في جريدة نيويورك تايمز من سجنه في هداريم تحت عنوان: «لماذا أعلنا الإضراب عن الطعام في السجون الإسرائيلية» يقول فيه «إن أبسط قواعد المقاومة السلمية هو الإضراب عن الطعام والذي يُلحق بمن يشارك فيه وأحبته الألم والأذى، لعل الرسالة التي ترسلها المعدات الخاوية والتضحيات التي تمثلها تصل بعيداً خارج غرف الزنازين المظلمة». ولعل رسالة الأمعاء الخاوية تصل مسامع المعنيين بالأمر وتحمل إليهم ثلاث رسائل مهمة: لقد فشلت جهود السلطة الفلسطينية في إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين، وثانياً أن إسرائيل لا تحترم معاهدات ولا اتفاقيات وتبقى منقادة للرأي العام الداخلي وأجندات الأحزاب اليمينية الفاشية. وأخيراً إن النضال السلمي الجماعي المتواصل والمتعاظم هو المخرج الوحيد للأزمة الوجودية التي وجد الشعب الفلسطيني نفسه محشوراً فيها بسبب كارثة أوسلو ووهم الدولة المستقلة التي أعلن عنها في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988.
يقول مروان في رسالته الأخيرة موجهاً النداء للشعب الفلسطيني «إنّ حرية الأسرى تؤسس لحرية شعبنا، ويجب أن يكون الإلتفاف الوطني حول قضيتهم من القيادة والفصائل وشعبنا الفلسطيني في كافة أماكن تواجده التفافاً مستمراً، حتى تحقيق حريتهم كافة، والشعب الفلسطيني لديه طاقات عظيمة واستعداد كفاحي ونضالي وروح فدائية لم ولن تنطفئ أبداً وقادرة على تحقيق المعجزات». فهل ستنطلق مسيرات عارمة تضامنا مع الأسرى وخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة على مقربة من عيون وآذان العدو الصهيويني كي يعرف أن الأسرى ليسوا وحدهم وأن الشعب الفلسطيني ومن ورائه الشعوب العربية والقوى المحبة للسلام كلها معهم.

وثيقة حركة حماس

تذكرت اعتماد برنامج النقاط العشر عام 1974 وأنا أقرأ وثيقة حماس التي أطلق عليها «وثيقة المبادئ والسياسات العامة لحركة حماس». فلاحتواء التيار المعارض للنقاط العشر من كل الفصائل الذي اعتبرها ارتداداً عن برنامج التحرير والدخول المبدئي في ميدان التسوية، سمح للمعارضة بأن تصف السلطة الوطنية بالأوصاف الثورية كافة. وبالفعل وصفت بأنها «سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة». والهدف كان الولوج في باب التسوية من بوابة شعار السلطة الوطنية وكما قال أحد قادة التسوية آنذاك «مرروا لنا قضية السلطة الوطنية ثم ألحقوا بها عشرين وصفاً ثورياً». كان لدى القيادة آنذاك وهم بأن حرب أكتوبرالمجيدة قد أفرزت موازين قوى جديدة وأن هناك استحقاقات كبرى على وشك التحقق من بينها دولة فلسطينية.
والحكاية نفسها تكررت عند تمرير الاعتراف بإسرائيل وبقرار 242 وبالتخلي عن العنف والإرهاب في دورة المجلس الوطني عام 1988 حيث غلف ذلك التراجع الخطير بعبارات الإنشاء المنمقة وإعلان قيام دولة فلسطين المستقلة.
فوثيقة حركة حماس الصادرة في الأول من أيار/مايو غلفت الاعتراف بدولة في حدود الرابع من يونيو بصفتها «صيغة توافقية وطنية مشتركة» وتبعها عبارات منمقة حول الكفاح المسلح وعدم الاعتراف بالكيان والحديث عن حدود فلسطين التاريخية والقدس وحق العودة والتعويض معاً.
إنها المسيرة نفسها التي سارت عليها فصائل التسوية. «فحاضر حماس كماضي فتح ومستقبل حماس كحاضر فتح» كما قال أحد قادة فتح التاريخيين تعليقاً على دخول حماس انتخابات 2006. لكن الوثيقة في نظري تحمل ثلاث إشارات مهمة وضرورية: أولاً الانفصال عن حركة الإخوان المسلمين واختيار الهوية الوطنية الفلسطينية وإعتبار حماس «حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينيَّة إسلامية، هدفها تحرير فلسطين ومواجهة المشروع الصهيوني، مرجعيَّتها الإسلام في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها».
والنقطة الإيجابية الثانية تحديد من هو العدو بهؤلاء الذين اغتصبوا الأرض الفلسطينية وليس اليهود. وترفض الاضطهاد القائم على الدين أو العرق أو الطائفة.
وثالثاً الاعتراف بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الإطار الوطني للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج يجب المحافظة عليه، مع ضرورة العمل على تطويرها وإعادة بنائها على أسس ديمقراطية، تضمن مشاركة جميع مكونات وقوى الشعب الفلسطيني.
الشيء المثير في هذه الوثيقة هو توقيتها فقد تزامن مع زيارة رئيس السلطة الوطنية محمود عباس إلى واشنطن للقاء الرئيس دونالد ترامب وجاءت كأنها هدية مهمة ليقول إن أطياف الشعب الفلسطيني كافة مقتنعة الآن بحل الدولتين. كما تزامن إطلاقها أيضا مع تغييرات في القيادة العليا لحركة حماس واستلام السيد إسماعيل هنية رئاسة المكتب السياسي المستقر في الداخل الفلسطيني. وليس سراً أن قيادات الداخل من كل الفصائل أكثر واقعية وأعرف بواقع الصراع مع الكيان على الأرض.

لقاء عباس مع ترامب

يذكرني لقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الثالث من الشهر الحالي بالشاعر الذي مدح أحد الأمراء فقال الأمير أعطوه ألف درهم فزاده مدحاً بقصيدة ثانية فقال الأمير ضاعفوا له الهدية وبقي الشاعر يمدح والأمير يضاعف العطايا شفوياً حتى أفرغ الشاعر كل ما في جعبته من مدائح ووقف ينتظر العطايا وهو يكاد يطير فرحاً. فقال له الأمير: أسعدتنا بكلام وأسعدناك بكلام مثله. لقد تساوينا في العطاء فانصرف. صحيح أن اللقاء كان ودياً والأجواء مريحة وأظهر ترامب من الاحتفاء بعباس بالقدر نفسه من الترحاب الذي أظهره للزعماء الأجانب إلا أن الحقيقة أنه عاد خالي اليدين.
ولكي ندلف إلى شيء من الحقائق حول الترتيبات التي سبقت اللقاء نود أن نعيد إلى الأذهان تسع نقاط طلبها الفريق الأمريكي من الفريق الفلسطيني الذي جاء للتحضير للقاء:
 الورقة ذات النقاط التسع تمثل وجهة النظر الأمريكية من أجل انطلاقة سلسة للمفاوضات بهدف التوصل لسلام عادل بين الطرفين «يحقق لإسرائيل أهدافها الأمنية وللفلسطينيين العيش الكريم»، كما جاء في النص. وتقترح الورقة عودة الفلسطينيين للمفاوضات مع إسرائيل بدون شروط مسبقة؛ وموافقة الفلسطينيين على مفاوضات إقليمية تشارك فيها دول عربية أخرى مع إسرائيل مثل مصر والسعودية والإمارات والأردن؛ وعدم اعتراض الفلسطينيين على قرارات تم اتخاذها في المراحل الأولى من المفاوضات، كالقبول بعدم تجميد الاستيطان بشكل كامل شرط ألا تقام مستوطنات جديدة؛ وتعزيز التنسيق الأمني مع إسرائيل وتوقف السلطة الفلسطينية عن دفع رواتب عائلات الشهداء. كما أن الورقة تعلن تمسك الإدارة الأمريكية بمواصلة دعمها لفكرة دولتين لشعبين دون تحديد لحدود 1967. كما تشير الورقة إلى مسألة نقل السفارة الامريكية الى القدس باعتبار هذه العملية في الوقت الراهن سابقة لأوانها.
لقد أعلن بعد اللقاء أن الرئيس الأمريكي سيزور مدينة بيت لحم الفلسطينية ويلتقي بعباس هناك. لكن زيارة ترامب لإسرائيل يوم 21 من الشهر الحالي ستشكل سابقة ربما في التاريخ المعاصر حيث سيصحب معه 1000 شخص. فهل سمع أحد بمثل هذه الزيارة الرسمية؟ إن من يعتقد أن ترامب سيضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات حقيقية تسهل قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية سيبقى غارقاً في الوهم بانتظار عطايا الأمير التي لا تتجاوز معسول الكلام.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة رتغرز بنيوجرسي

حول إضراب الأسرى ووثيقة حماس وزيارة عباس لواشنطن

عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية