■ يقول مثل عربي «من يجرب المجرب فعقله (لا شك) مخرب»، والقصد من هذا المثل الشائع في معظم أنحاء الوطن العربي، وإن تغيرت بعض المفردات، أن الذي يقدم على تجربة سبق وفشلت مرة وراء مرة فلا بد أن يكون في عقله لوثة أو تخلف أو مسّ. والغريب أن جميع من يدفعون بالتوجه نحو مجلس الأمن لإحقاق الحق بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة المترابطة وعاصمتها القدس يعرفون مسبقا أن المحاولة ستتدحرج نحو الهاوية، ولن ينتج عنها إلا جعجعة بدون طحن، فيعود أصحابها ويقولون للأطفال الجوعى، الذين ينتظرون طعما من القـِدر الذي يغلي بالحصى ولا يرون منه إلا البخار انتظروا قليلا وشدوا أحزمتكم أكثر، فالطعام سيكون جاهزا بعد هنيهة أو اثنتين، فلا تيأسوا وابقوا ثقتكم فينا ونحن سنبقي ثقتنا في المجتمع الدولي الذي سنعود إليه قريبا مرة أخرى لاستئناف المفاوضات.
مصطلح المجتمع الدولي الممثل في مجلس الأمن، عندما يجد الجد، يختصر في دولة واحدة وحيدة هي الولايات المتحدة، صاحبة الـ 44 فيتو المتعلقة بالقضية الفلسطينية، التي لا تخرج من بيت طاعة الكيان الصهيوني منذ وصول سيئ الذكر هاري ترومان البيت الأبيض، حيث اعترف بالكيان بعد 11 دقيقة من إنشائه، إلى باراك حسين أوباما الذي حاول أن يكون مختلفا قليلا عن غيره ففشل وتم إسكاته بطريقة مـذلة، فعاد ليتحدث عن حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها ضد الغزيين المعتدين الذين سرقوا النوم من عيون أطفالهم، فحق عليهم أن يعاقبوا بمجزرة العصر في غزة لمدة 51 يوما، والمجتمع الدولي يتفرج لكنه استطاع أن يرى من بين الدخان المتصاعد طفلا واحدا يسقط من إسرائيل اسمه دانيل تراغيرمان، فيحفظ اسمه مثلما حفظ اسم الأسير جلعاد شاليط، وكما قام كوفي عنان بزيارة لأهل شاليط قام بان بزيارة لأهل دانيل المفجوعين بفقد طفلهم البريء، ابن السنوات الأربع. أما أطفال الفلسطينيين الـ 520 فالمجتمع الدولي أعرب عن قلقه بسبب الاستخدام غير المتوازن في القوة، الذي أدى إلى ارتفاع نسبة الضحايا من المدنيين. المسألة مسألة أرقام عندما يتعلق الأمر بالواقعين تحت الاحتلال، لكنه يصبح مسألة أطفال ونساء ورجال وشباب يحبون ويغنون ويسهرون، ولهم أهل وأحباب وأصدقاء وأساتذة وآمال عراض ومستقبل بالانتظار عندما يتعلق الأمر بالقائمين على الاحتلال. فهل يستطيع وفد الجامعة العربية العتيد أن يستل من بين نواجذ هذا المجتمع الدولي المنافق نهاية الاحتلال وقيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية؟
أود أن أبين خطل هذه التجربة الفاشلة مسبقا من ثلاثة محاور:
أولا: تركيبة مجلس الأمن الحالية
ما فتئنا نصرخ أن تركيبة مجلس الأمن الحالية لا تسمح بأكثر من ستة أصوات إيجابية مضمونة هي: الصين وروسيا والأردن وتشاد ونيجيريا والأرجنتين. والبقية خاضعة تماما للإرادة الأمريكية، وهـــي: فرنسا وبريطانيا وأستراليا ولتوانيا ولكسمبورغ ورواندا وكوريا الجنوبية. لكن في نهاية هذا الشهر ستخــــرج أربع دول غير صديقة، هي أستراليا ولوكسبورغ ورواندا وكوريا الجـــنوبية، ويدخل مكانها أربع دول صديقـــة هي فنـــزويلا وأنغـــولا وإسبانيا وماليزيا. وبالتالي ستكون هناك 10 أصوات إيجابية في أي تصويت، فتضطر الولايات المتحدة إلى إستخدام الفيتو وهو ما نريده نحن وما تحاول هي أن تتجنبه بكل الوسائل، ولذلك درجت على تعطيل التصويت بحجة عدم استيفاء الحد الأدنى المطلوب، وهو تسعة أصوات.
«نعم» كما فعلت عام 2012، حيث ضمن الفلسطينيون ثمانية أصوات، وبقي الأمر معلقا على البوسنة، وقررت إذا اضطرت للتصويت فستختار الامتناع، وبالتالي أجهضت المحاولة من قبل أن تبدأ. وها هو الوفد العربي يريد أن يعيد إنتاج التجربة التي فشلت من قبل. أما إذا كان هناك تطمينات فرنسية بريطانية، لا نعرف عنها، فلن تكون إلا حول استئناف المفاوضات لسنتين، وبالتالي ستعاد تجربة جون كيري وشهوره التسعة.
ثانيا: تركيبة الوفد العربي
على حد علمنا أن مؤتمر القمة العربية أفرز لجنة اتصال عربية توجهت إلى مجلس الأمن بزخم وتصميم كبيرين في حرب 2008/2009 ورابطت في مجلس الأمن حتى انتزعت القرار 1860 (8 كانون الثاني /يناير 2009) أثناء عملية الرصاص المصبوب، الذي لو طبق فعلا لما وصلت الأوضاع الإنسانية في غزة إلى هذا المستوى من التدهور، وما اضطر الغزيون إلى حفر الأنفاق كسرا للحصار. كان فريق الاتصال والمتابعة يضم العديد من الدول العربية، من بينها مصر والمغرب وسوريا والجزائر والأردن والسعودية وقطر. أما هذه المرة فيبدو أن كل الدول الكبرى حاولت التملص من الانضمام إلى عضوية الوفد واقتصر على رئاسة القمة (الكويت) وموريتانيا والأردن، العضو العربي الوحيد في مجلس الأمن والأمين العام لجامعة الدول العربية. وغابت عن الوفد دول كبرى فاعلة وذات علاقات مميزة مع الكتل الدولية مثل، السعودية ومصر والمغرب، البلد الذي يرأس لجنة القدس. ومع احترامنا لكل الدول العربية، إلا أن المجتمع الدولي سيقرأ الرسالة بوضوح ويستنتج أن دولا كبرى مثل مصر والسعودية والمغرب والجزائر والعراق، تغيبت عامدة حتى لو لم يكن الأمر كذلك، فالدول التي تحترم نفسها تضع ثقلها خلف القضية التي تناقش في مجلس الأمن إذا كانت تهمها وتعتبرها حيوية بالنسبة لها. فعندما ناقش مجلس الأمن موضوع الإرهابيين الأجانب يوم 24 أيلول/سبتمبر 2014 واعتمد القرار 2178 ترأس الجلسة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بنفسه وشارك فيها عدد من رؤساء الدول، من بينهم رئيس الوزراء البريطاني والرئيس الفرنسي. وترأست وزيرة خارجية أستراليا جلسة مجلس الأمن يوم 20 تشرين الثاني/نوفمبر عندما نوقش موضوع الإرهاب وتهديده للأمن والسلم الدوليين. والأمثلة كثيرة على مسلكية دبلوماسية متبعة في مجلس الأمن. فكلما ارتفع مستوى التمثيل وتعدد أعطي الموضوع زخما أكبر. ولكم أن تتخيلوا معي جلسة يعقدها مجلس الأمن حول إنهاء الاحتلال ويشارك فيها سبعة رؤساء/ملوك/أمراء /سلاطين عرب أو سبعة وزراء خارجية كم ستحظى باهتمام حتى لو لم يصدر عن الجلسة قرار أو بيان رئاسي.
ثالثا: مشروع القرار نفسه
قد يكون هناك مشروع قرار آخر غير الذي وزع علينا يوم 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لكنني سأتحدث عن مشروع القرار الذي بين يديّ. يتكون مشروع القرار من أربع عشرة فقرة عاملة، تبدأ بتصميم مجلس الأمن على تحقيق حل سلمي قائم على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، الذي بدأ عام 1967 وتحقيق رؤية قيام دولتين «دولة فلسطين الديمقراطية المستقلة وذات السيادة، والمترابطة جغرافيا والقادرة على الحياة جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيل في سلام وأمن، وضمن حدود معترف بها على أساس حدود ما قبل عام 1967».
كما يدعو مشروع القرار إلى تكثيف الجهود من خلال المفاوضات لتحقيق السلام الشامل والعادل والدائم للصراع العربي الإسرائيلي، القائم على قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ومن بينها قرار 242 (1967) و338 (1973) و1397 (2002) و1515 (2003) و1850 (2008) ومرجعية مؤتمر مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام والمبادرة العربية للسلام وخريطة الطريق التي صاغتها اللجنة الرباعية. وبناء على هذه المبادئ يتم اتخاذ الخطوات التالية:
1. تقوم إسرائيل، سلطة الاحتلال، بالانسحاب من كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، بأقصى سرعة ممكنة، وضمن إطار زمني محدد، بحيث لا يتجاوز شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2016 وتحقيق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير مصيره؛
2. حل عادل لوضع القدس كعاصمة لدولتين؛
3. حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقا لقرار الجمعية العامة 194 لعام 1947.
وهناك العديد من الفقرات التي تتحدث عن الممارسات اليومية والمصادر الطبيعية وإعمار غزة وغيرها.
ومن المهم أن نلاحظ أولا أن مشروع القرار لم يتطرق لذكر الفصل السابع ليكون ملزما، وبالتالي تخضع عملية التنفيذ للمفاوضات، التي قد لا تنتهي أبدا، مثلما كانت المفاوضات حول القرار 242 (1967) والقرار 338 (1973) واتفاقيات أوسلو وغيرها.
والملاحظة الثانية أن مشروع القرار يخلو من إنشاء إطار أممي متخصص لمراقبة تنفيذ القرار. مشروع القرار يوكل المهمة للأمين العام لتقديم تقارير دورية لمجلس الأمن حول تنفيذه فقط، ثم لماذا تعطى إسرائيل سنتين كاملتين للانسحاب من رقعة جغرافية صغيرة لا تصل إلى 6000 كيلومتر مربع؟ (5640 للضفة و365 لغزة).
هل ستقوم الدولة الفلسطينية
المستقلة عن طريق مجلس الأمن؟
والجواب نعم ولكن هناك ثلاثة شروط لقيامها: أولا النضال على الأرض، من خلال انتفاضة سلمية متواصلة شاملة متصاعدة يشترك فيها جميع شرائح الشعب من قيادات وطلاب ونساء وأطفال ورجال وفصائل ومجتمع مدني تقنع العالم كله بأن الشعب الفلسطيني واحد موحد في رفض الاحتلال، وأنه قرر أن يواصل ثورته السلمية لغاية كنس الاحتلال مرة وإلى الأبد. والشرط الثاني استثمار التعاطف الدولي العارم لتحويله إلى قوة ضغط أخلاقية تحاصر إسرائيل وتعزلها، كما فعل المؤتمر الوطني الأفريقي عندما حول التراجع العسكري عام 1985 أمام ضربات التمساح بيك بوثا إلى حركة تعاطف عالمية، خاصة في أوروبا، حيث فتحت العواصم أمام نضالهم العادل ولم يبق يعاند ذلك الزخم إلا رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت ثاشر وصديقها العزيز رونالد ريغان، وانهارالاثنان أخيرا تحت تأثير الضعط البرلماني والشعبي، وسقط بعدها نظام الأبرثايد في جنوب أفريقيا.
أما الشرط الثالث فهو الالتفاف العربي الشامل حول هدف إقامة الدولة الفلسطينية حقيقة، لا مراء ونفاقا في العلن وفي الخفاء يتم التنسيق مع إسرائيل وتبادل الزيارات والتجارة والسياحة وتناول طعام الغداء مع تسيبي ليفني في نيويورك بحضور سبعة وزراء خارجية عرب وأمين عام الجامعة قبيل افتتاح دورة الجمعية العامة في 23 سبتمبر، أي بعد أقل من شهر من مجزرة غزة. هذه هي المصيبة التي تؤخر وتعطل قيام الدولة الفلسطينية.
وإلى أن تكتمل شروط قيـــام الـــدولة ستســـتمر قيادة أوسلو في لعبة التوجه للمجــمع الدولي، التي لن تحرر أرضا ولن تفكــك مستوطنة واحدة، ولن تعيد لاجئا واحدا، في حين تستغل إسرائيل هذا الوقت المهدر لتعميق الاحتلال أفقيا وعموديا وصولا إلى سن قانون يهودية الدولة كمقدمة أيديولوجية يستند إليها التطهير العرقي القادم.
٭ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك
د. عبد الحميد صيام