خالد ضوّا: في رأسي إلى اليوم صور الموتى وأصوات المحاصرين والمعتقلين

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: مرة أخرى، يثبت الفن السوري أنه لم يكن متأخراً عن الركب. تشكيليون كثر كانوا كما تستحق الثورة في بلدهم، تلك التي بدأت مع بشائر ثقافية هائلة، وإنْ بطشت فظاعة النظام بهم فأودت بكل شيء. مع ذلك، بقيت صور منحوتات النحات الشاب خالد ضوا تمر أمام أعين سكان الميديا الاجتماعية طوال الوقت جنباً إلى جنب مع صور المجزرة، المحرقة السورية المستمرة منذ أربعة أعوام، منحوتات قالت الكثير من جوانب المأساة، كما روت الكثير من وجوهها الساخرة أيضاً.
النحات السوري لم ينج من قبضة النظام، اعتقل، وجرح، قبل أن يصل إلى مرسيليا منذ أشهر فيقيم معرضاً فيها (غاليري شاغيفاغري) يحمل عنوان «مضغوط»، ناقلاً الأثر الذي خلّفه الوضع السوري إلى منحوتته التي ضُغطت هي الأخرى.

■ قلما يلتزم نحات في عمله النحتي بموقف سياسي كما تلتزم، إلى أي حد يمكن القول إن ذلك جاء في خدمة النحت؟
□ ما تسميه التزاماً أعتبره واجباً أخلاقياً وإنسانياً، فالموقف من الثورة السورية والواقع الراهن يتجاوز الموقف السياسي. عندما أشتغل يبقى في رأسي طوال الوقت هذا الواجب، وكذلك كل الصور التي تنقل حجم الواقع وحساسيته. أشخاص كثر أسمع أصواتهم في رأسي، هم إما ماتوا أو ما زالوا معتقلين أو محاصرين في أماكن مختلفة. كل هذه الهواجس موجودة داخل رأسي عندما أشتغل على عمل فني. كل هذه الهواجس تجبرني على العمل مطولاً وبجهد مضاعف عما كنت عليه قبل الثورة، لأن العمل يجب أن يكون على مستوى هذه الهواجس والأفكار، بالتالي أرى أن العلاقة بين الموضوع والعمل النحتي هو موضوع متشابك فكلاهما يعطي للآخر.
■ هل يمكن أن يكون للنحت هذه الوظيفة التي تفترض العلاقة اليومية مع الناس والأحداث؟
□ عادة كان النحت في بلادنا، وربما المنتج الثقافي بالعموم، حصراً بفئات محددة مهتمة بالفن والثقافة، ننتظر حتى تتوفر فرصة عرض في غاليري أو مركز ثقافي، وكل ذلك محكوم بشبكة علاقات يجب أن تكون جزءاً منها. مع الثورة أصبح الوضع مختلفاً، بداية أصبح للفنانين والمثقفين دور هم مطالبون بالاضطلاع به، إضافة لذلك هناك أهمية دور شبكات التواصل الاجتماعي في المرحلة السابقة التي أصبحت بديلاً حقيقياً للتواصل بين مختلف مكونات المجتمع، ضمن هذه التركيبة اكتشفت أنه فعلاً يمكن للفن وللنحت أن يكون معبراً عن أحداث يومية وأن يتلقاها الناس كمنبر معبر عن أفكارهم. تجربة «طين وسكين» (صفحتي على فيسبوك) علمتني الكثير بما يخص علاقة الفن بالناس.
■ نشعر أحياناً أن بعض المنحوتات تقترب من فن الكاريكاتير، بتعبيره الساخر، وبالتزامه التعبير عن حدث سياسي راهن. مثلاً المنحوتة المسماة «صوت ضميرك». هل توافق أولاً علـى أن بعض عملك يقترب من فن الكاريكاتير؟ كيف تفسر؟
□ إن الموضوعة التي أتعرض لها تفرض شكلاً من أشكال التعبير، هناك مواضيع كانت شديدة التعبيرية مثل «لم أجد قلبي» أو «أين فقدت جسدك» بالمقابل هناك أعمال ساخرة حيث الحدث فيها يفرض أن يكون العمل المعبر عنها على المستوى ذاته من السخرية، العمل الذي ذكرته كان ضمن سلسلة أعمال خاصة بحدث الانتخابات الرئاسية السورية، لم أكن أرغب أن يمر هذا الحدث دون الإضاءة على هزليته، فكانت هناك أعمال: «صوتك ضميرك»، «برميل بيسند كرسي»، «العرس الوطني» … إلخ.
■ كيف غيرت الثورة السورية من طريقة تفكيرك وشغلك وموضوعاتك، ما الذي استجد في تجربتك بعد الثورة؟ على المستوى الفني هل تجد أن ذلك كان أفضل لتجربتك؟
□ في الـ 2007 تخرجت من كلية الفنون الجميلة بمشروع «الانتظار» حيث كنت أرى أننا قوم أكثر ما نتقنه هو فعل الانتظار، وكنت أؤمن أن لابد أن يكون لهذا الانتظار من نهاية، فكانت الثورة وكان أول عمل مع الثورة هو «أحرار المرسم يناشدون أحرار العالم لإنقاذ الطين البشري» ،وبالتالي انتقلت شخوصي من حالة الانتظار إلى أسمى حالات الفعل. مع الوقت أدركت حالات إنسانية مختلفة وشديدة الخصوصية، وقد تنوعت الحالات كحال الثورة.

من وحي الاعتقال

■ على خلفية ماذا جاء اعتقالك؟ كيف غيرت فيك تجربة الاعتقال؟ أي أثر بقي منها اليوم؟هل تذكرت النحت في المعتقل؟ ماذا استلهمت منه نحتياً؟
□ تم اعتقالي بعد إصابتي داخل مرسمي بطلق ناري ونقلت على إثرها إلى المشفى حيث تم فتح ضبط وتم اتهامي بالانتماء لعصابات مسلحة.
أن تخرج من تجربة الاعتقال (السورية) سالماً إلى حد ما هذا يعني أنه كتب لك عمر جديد، ولادة جديدة، أنا ولدت من جديد.
أعتقد من الصعب تقدير ماذا يبقى من تجربة مثل تجربة الاعتقال، على الأغلب هي أشياء يعيش معها الإنسان حتى آخر يوم في حياته، وعلى هامش ذلك يبقى هناك بعض الكوابيس، وبعض الأشخاص الذين التقيتهم في الاعتقال والذين تبحث عن مصائرهم، وعن بعض «الحكة» التي تعيد دائما إحساسك بالإصابة بـ «الجرب».
كل إنسان يحاول أن يوجد آليات دفاع له في المعتقل، وأنا كانت آلياتي هي الخيال، الرسم والنحت كانا حاضرين معي كل الوقت، كنت أقنع نفسي أن كل ما اراه سأرسمه عندما أخرج.
■ «مضغوط» هو عنوان معرضك الذي أقمته أخيراً في مرسيليا، من وحي ماذا جاءت التسمية؟
□ بدأ «مضغوط» معي من تجربة الاعتقال عندما كنا نتجمع العشرات في غرف صغيرة وكنا نضطر أحياناً أن نبقى واقفين ليتسع المكان . أن يكون ذلك نمط حياة فهذا لا يحتمله عقل بشري. تلا هذه التجربة مجموعة تجارب وصولاً إلى فرنسا، وجدت نفسي بعد هذه الرحلة أكرر كلمة «مضغوط»، واكتشفت أن البشر في كل مكان يخضعون لأشكال شتى من الضغط وأن كثيرين منهم يخضعون لتجربة السجن مجازياً وفكرياً.
كنت أحس بأنني سأنفجر ، بأن كل شيء فيّ سينفجر. تخيل أنك في مكان مساحته لا تزيد عن نصف متر مربع، ، محاط بأكوام من البشر. تخيل نفسك تعيش كل تفاصيل حياتك اليومية؛ تأكل، تشرب، تبرد، تتألم، تحب، تحن، تلعب، تمرض، تغني، تنام، تهذي، ترسم، تجوع، تلعن، تشتاق، وتموت في هذه المساحة فقط. في تلك المساحة، لم أشعر بحدود لي. كانت أجساد الآخرين جسدي.أيديهم التي تتحرك كأنها يدي. لم تكن الحركة مسموحة. تخيل نفسك هناك، لا تدري نفسك بأي يوم أنت،مع رغبة كبيرة في الخروج، و إحساس بير أيضاً بأنك باق هناك إلى الأبد.
■ هل يمكن القول إنك ترسم شخصيات معينة مكررة؟ من هم أبطال أعمالك؟
□ أبطال أعمالي هم الإنسان بمختلف حالاته، لا أستطيع القول إن لدي شخصيات، إنها شخصية واحدة، هي نحن إما في موقع السلطة أو التمرد أو الانتظار أو السخرية أو الألم أو التأمل أو الانضغاط، وغيرها من الحالات.
■ أي مواد تستخدم في أعمالك، هل للأفكار صدى في اختيار مواد شغلك وأدواتك
□ مؤخراً أستخدم الطين كمادة تشكيل أولية، أحب الطين باعتباره مادة طبيعية تمنحني طاقة خاصة أثناء العمل. كذلك تغريني فكرة الخلق من الطين، على الأخص أن موضوعات أعمالي تدور دائماً حول حالات إنسانية خاصة. معرضي الأخير كان كله طين مشوي، أي حافظت على التمثال بمادة الطين من خلال شيه بدرجات حرارة عالية تحوله إلى مادة قاسية. أحياناً أقوم بتحويل الأعمال من مادة الطين إلى البرونز، ولكن ذلك مكلف جداً. وجودي حالياً في أوروبا سيساعدني على اكتشاف مواد جديدة وتقنيات أخرى في المستقبل.

راشد عيسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية