خذوا النصيحة من ابناء شعبكم

حجم الخط
2

تراشق إعلامي من العيار الثقيل واتهامات.. ورد على الاتهامات، واعتقالات متبادلة وتهديدات.. وتهديدات معاكسة، فوعيد أكثر حدة.
هذا كله تخاله يجري بين أعداء الداء لا خصوما سياسيين، تجمعهم قضية واحدة ونضال مشترك ضد قوة احتلالية استعمارية ترفض الطرفين وترفض من وراءهما أيضا الشعب الفلسطيني بكل فئاته.. أو هكذا يفترض.
هذا هو الانحدار الجديد الذي وصل إليه الوضع الداخلي الفلسطيني، وعلى وجه الخصوص العلاقة بين حركتي فتح وحماس صاحبتي السلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة على التوالي. يجري هذا رغم قناعتهما كل في مناطق سلطته بأن أقصى ما يمكن ان يحققاه على المدى المنظور ليس إلا انجازات آنية ذاتية فئوية بقدر ما تسمح بها سلطات الاحتلال. يجري هذا رغم معرفتهما بأن الفلسطينيين في الضفة والقطاع محبطون أيما احباط، فالافاق أمامهم مغلقة والنفق طويل ومظلم ولا نور في اخره يمكن أن يبعث على الأمل.. ويتساءلون عما يتقاتلون.. وهم مدركون أيما إدراك ان سبب الأزمة بين فتح وحماس ليس هم ولا مصالحهم ولا التخفيف من معاناتهم ولا حتى مصلحة الوطن الذي يتغنون به، إنما مصالح هذين الفصيلين الفئوية الضيقة. هذا هو الأحساس والانطباع العام الذي خرجت به خلال زيارة للضفة مؤخرا، وأحاديثي مع زملاء وأصدقاء في القطاع. ويخرج الزائر بقناعة أن الاوضاع في شقي الوطن، أو بقايا الوطن، متدهورة على جميع الصعد الامنية والسياسية والاقتصادية والنفسية. واقع مؤلم ومرير.
بعبارة اخرى ان الناس في واد وفتح في واد آخر وحماس في واد ثالث، وبين هذا الوادي وذاك جبال شيدت بـ»سواعد» الطرفين. فأعمال القتل والاعتقال الاحتلالية لا تتوقف، فلا يمر يوم واحد من غير تشييع جثمان شهيد هنا او هناك… سبعة شهداء اخرهم الطفل علي دوابشة الذي استشهد حرقا بمنزل اسرته، في غضون أسبوع في معركة القدس الغائبة عن اذهانهما وبرامجهما، باستثناء تصريحات هنا وهناك ومن هذا او ذاك.. وتهديدات فاقدة للمعنى والمضمون والتأثير، لا أحد يقبضها جديا خاصة حكومة الاحتلال. التي كما يبدو تعرفهم أكثر مما يعرفون أنفسهم.
حكومة اسرائيل العنصرية الاحتلالية مستمرة في مشروعها الاستيطاني، وهي ممعنة في نهب ما تبقى من الارض..
حركة فتح في الضفة حيث لها السيادة غير المطلقة التي تمنحها لها سلطات الاحتلال، تشن حملة اعتقالات في اوساط كوادر وقيادات حركة حماس وانصارها، شملت اكثر من مئتي شخص بتهمة التخطيط لعمليات ضد اجهزة أمن السلطة.. ادعاءات لا دلائل عليها سوى تصريحات صادرة عن المتحدث باسم الأجهزة الأمنية وبعض التسريبات الامنية الاسرائيلية.
حماس من جهتها ترد بتهديدات.. وتحذر من نفاد صبرها امام هذه الحملة التي تصفها بالمسعورة، واحتمال ان تصبح اجهزة أمن السلطة هدفا لـ»المقاومة»، نعم هدفا لـ«المقاومة!»، وربما ترد ايضا بحملة اعتقالات مماثلة في اوساط قيادات فتح بالعدد والمستوى، ان لم تنفع التهديدات. وبدأت البشائر تلوح في الافق.. وتتهم فتح حماس باعتقال كوادرها والاخيرة تنفي. ولكن أليس فتح تنفي وجود معتقلين سياسيين وتؤكد ان الاعتقالات لا تشمل الا «المخربين» هذه الكلمة من عندي انا.
ويرد عليها الأمن الفلسطيني بتحذير اكثر شدة بقوله «أرجو ألا تختبر حماس صبرنا وقدراتنا وإعلاءنا لمصالحه (شعبنا) العليا فوق كل اعتبار، وألا تطلق النار أو تنفذ أعمالا إرهابية تؤثر على الأمن الفلسطيني، لأنها ستلاقي ما لا يمكنها تصوره».
والناس بينهما لا يسعهم الا أن يحمدوا الله على وجود حاجز جغرافي بين الطرفين والا وصلت «الدماء بينهما إلى الركب».
صراع على سلطة ضائعة بل وهمية، سواء في الضفة، حيث كل الاتفاقات والحقوق منتهكة وكل شيء مستباح من قبل جنود الاحتلال، او في قطاع غزة المحاصر، سلطته عاجزة عن توفير أبسط حقوق شعبها من غذاء وماء ودواء وكهرباء هذا اولا.. وثانيا لا يمر يوم الا وينتهك فيه العدو، بالقتل او إلحاق الإصابات او إرهاب صيادي الأسماك او المزارعين، ومن دون رد فعل، اتفاق تهدئة منقوص وقع في القاهرة في نهاية حرب ضحاياها ألفان و200 إنسان وأكثر من 11 ألف جريح، عدا عن الدمار الشامل الذي لا يزال ماثلا للعيان. دمار مر عليه اكثر من عام، لم تنطلق فيه عملية الإعمار، والذريعة طبعا الانقسام والخلاف بين فتح وحماس، أو على الأقل هذا هو الحائط الذي تتستر وراءه الدول المانحة التي تعهدت بـ 5.4 مليار في مؤتمر القاهرة في اكتوبر 2014، لإعادة الاعمار، لكن هيهات لا حياة لمن تنادي وكلاهما متمترس وراء مواقفه غير المبدئية في انتظار معجزة من القدر تنهي احدهما.. ألا يعتقدون ان مجرد رفع المعاناة عن اهل قطاع غزة والسماح بإعادة بنائه سبب انساني وجيه وكاف لأن ينزل كل من الطرفين او احدهما، والبادئ افهم، عن صهوة حصانه، وإسقاط الحجج والذرائع والتنازل عن مطالبهما ومصالحهما الفئوية البعيدة كل البعد عن المصلحة العامة.. خلافاتكما ومصالحهكا كلها، لا تساوي شيئا امام سفر مريض او مصاب للعلاج.. لا تعادل بسمة مشرد عائد الى منزله.. وطالب يلتحق بجامعته.. ولا معيل أسرة يزاول عمله… ولا تقاس بعودة مزارع الى حقله وهو يحس بالامان.. وصياد الى بحره من دون خوف أو هوان.
كفاكم تسترا وراء شعارت طنانة فارغة واستخفافا بالانسان.. انزلوا من أبراجكم العاجية واخرجوا للشارع واسمعوا ما يقوله هذا الانسان العادي الذي لا تعيرونه اهتماما، ..اسألوه رأيه في المفاوضات والمشاريع الفرنسية والقبرصية وما قبلهما وما بعدهما.. انصتوا الى ما سيقوله في الهدنة طويلة الامد والامن مقابل التنمية وقنوات التفاوض السرية الخلفية والجانبية والمباشرة وغير المباشرة.. ولا تقول إن ابن الشارع لا يفهم أين تقع مصلحته.. وكثيرا ما أسمعها تتردد على ألسنة مسؤولين، وهذا المقال ليس مكان الحديث عنها… إنه يعرف بالفطرة والتجربة والمعاناة المستمرة، اكثر بكثير من العديد من القيادات «المتمرسة بالسياسة» التي تكلست ادمغتها واصبحت عاجزة عن الخروج من الشرنقة التي حشرت فيها نفسها.
كل محاولات المصالحة والاتفاقات والاعلانات التي وقعت بين الطرفين على مدى السنوات الثماني الماضية، وهي عمر الانقسام لم تكن حقا محاولات جادة وصادقة، بل مجرد محاولات الغرض منها التنصل من مسؤولية الفشل وعواقبه وإلقائه على الطرف الاخر، وكلاهما يتحمل المسؤولية بالقدر نفسه.
وهذا يدفع الى القول إنه آن الاوان لكي تبدأ الأطراف المعنية حقا بالمصالحة عملية البحث عن بدائل خلاقة اخرى لعلاج الانقسام الاول من نوعه فلسطينيا او على الأقل لاحتوائه، تأتي نفعا اكثر من المحاولات او بالأحرى الإعلانات والاتفاقات الإعلامية السابقة. وقبل البدء في رحلة البحث في المجهول عن هذه المخارج الخلاقة، من الأزمة لا بد من:
اولا: اعتراف الطرفين بفشل الاتفاقات السابقة اعترافا رسميا… وتحمل المسؤولية بالتساوي.
ثانيا : القبول بعدم إمكانية التوفيق او التعايش بين برامجهما السياسية والأمنية.
ثالثا: الاقتناع بأن أيا منهما لن يستطيع القضاء على الاخر، وألا بديل من قبول الآخر على علاته.
رابعا: وقف الحملات الإعلامية والاتهامات المتبادلة.
خامسا: وقف الاعتقالات السياسية التي لن تفيد سوى اسرائيل.
سادسا: وقف تحميل الانقسام اكثر مما يحتمل بمعنى ان الانقسام لم يكن سبب تعثر العملية السلمية، أو ما يسمى بالمفاوضات.. فعملية السلام والمفاوضات متوقفة ولم تجد نفعا قبل ذلك بسنوات طويلة.. كما ان تحقيق المصالحة لن يدفع عجل المفاوضات ولا يقرب قيام الدولة.
سابعا: فتح صفحة جديدة عنوانها الاول والأخير وضع حد للاوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة اولا، وفي الضفة الغربية ثانيا، في محاولة لإنقاذ ما يمكن انقاذه حتى تمنعوا الانفجار الكبير.. والمؤشرات أن النسبة الكبيرة من الشباب، لاسيما في غزة، وصلت الى قناعة بأن الهجرة هي الحل رغم المخاطر الكبيرة.. وغرق إعداد من الفلسطينيين في مياه المتوسط ليس الا البداية.
هذه ليست الا مجرد افكار قد تبدو ساذجة ولكنها يمكن ان تؤدي الى احتواء الازمة وإدارتها في غياب الحل الجذري.. وستفتح الطريق امام ما هو أهم، الحكمة وخذوا من افواه شعبكم يا كبار المسؤولين بعد فشل سياساتكم ومحاولاتكم اولا في إنهاء الانقسام ومن قبلها في المفاوضات ووصولنا الى ما نحن فيه اليوم… تصرفوا ولو لمرة واحد بحكمة قبل ان يفوت الأوان.

٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية